المجلة الثقافية الجزائرية

قارئة الفنجان تجسد حب الحياة والمعرفة

الصحفي عمر ضمرة

 يقول الشاعر الكبير نزار قباني في افتتاحية قصيدته المشهورة والتي تغنى بها الفنان عبد الحليم حافظ: “جلست والخوف بعينيها، تتأمل فنجاني المقلوب. قالت: يا ولدي.. لاتحزن،فالحب عليك هو المكتوب”. يؤكد نزار في قصيدته ان الحب هو المطلب والمبتغى والأمل وأسمى معاني الوجود، ولكن هل كان يقصد نزار في قصيدته حب الرجل للمرأة،أم صورة تشبيهية لحب الإنسان عموماً للحياة، رغم ما يكتنفها من عقبات وآلام وأخطاء وخطايا وأحزان وألغاز عصية على الفهم، وعلاقات غير مفهومة، لا تستطيع أعتى العقول البشرية في أرقى الحضارات التي مرت على البشرية، أو برمجيات الذكاء الإصطناعي فك شيفرتها ومعناها. فلماذا الحياة مخيفة، ومستعصية، وغير مكتملة؟!. ولماذا يسعى إليها الإنسان بكل هذا العنفوان والإندفاع غير المنضبط، ولتحقيق ماذا؟! .

 ربما عدم الإستطاعة على الإجابة على أي سؤال يفسر هذا التناقض الذي تحتويه الحياة من ثنائيات: الخير والشر، والعدل والظلم، والحب والكره، والفرح والحزن، والجمال والقبح ،والهدوء والصخب ،والسكينة والعدوان…الخ، وهو ما يجعل الحزن يتسلل إلى قلوب الناس، رغماً عن إرادتهم، مهما حاولوا تبني أشكال شتى من العقائد والمفاهيم والتصورات والنظريات التي تحاول تشييد تصورات ومقولات عن معنى الحياة إليهم ، معنى الحياة الذي يبقى ملغزًا وعصيًا على الفهم ، فهو أقرب إلى العبث، ويدخل الإنسان في متاهات متعددة، في إطار محاولاته الدؤوبة للفهم، فيبقى معنى الحياة والوجود عموماً ،باعثًا على الحزن والبؤس ومثيرًا للتساؤلات الدائمة.. 

فحينما ينشد نزار ، وهو يتملكه الخوف والقلق المعتق لدى الشاعر والأديب والفنان الحقيقي على لسان عرافته في القصيدة: “فنجانك دنيا مرعبةٌ، وحياتك أسفارٌ وحروب، ستحب كثيرًا يا ولدي..، وتموت كثيرًا يا ولدي، وستعشق كل نساء الأرض..، وترجع كالملك المغلوب”. 

فإنه يلخص علاقة الإنسان بالحياة، فهي محتشدة بالرعب والخوف وعدم الإطمئنان على أي مصير، فكل طريق يسلكه الإنسان في حياته ذات السنوات المعدودة، محفوف بالمخاطر والندم ،وتتكالب على هذه الحياة القصيرة، خيوط الأقدار التي تتشابك لتخنق الإنسان الضحية. فإذا وسعنا إطار رؤيتنا لتمكنا من إدراك أن جميع الناس ضحايا في هذا العالم المحتشد بالرعب والذي يفتقد لأي منهج أو أيديولوجيا تنقذه من هذا الألم والصراع الممتد على المستويين: المستوى الداخلي” صراعاته وأفكاره ونزعاته النفسية الداخلية”، والمستوى الخارجي الذي يعج بالصراعات والحروب بين الأمم والجماعات والمجتمعات، والتي يتجرع فيها الفرد والمجموع، على حد سواء، مرارة الخسارة وألم الفقد والقهر والحرمان، والندم على عدم سلوك الطريق الآخر. 

ويتابع نزار في أبيات قصيدته واصفًا ومتغنيًا بجمال الحياة البسيطة: “بحياتك يا ولدي امرأةٌ، عيناها، سبحان المعبود… فمها مرسومٌ كالعنقود، ضحكتها موسيقى وورود “. وكأنه يمهد ليلطمنا بعد ذلك على رؤوسنا، بمطرقة الشعر عميق الدلالة، حتى لا نفرح بهذا الجمال الطاغي والمغري ، مفسرًا: “لكن سماءك ممطرةٌ.. وطريقك مسدودٌ.. مسدود “.

 فهذا هو طريق الإنسان المتخلي عن كل الأحمال والمقولات الجاهزة المقننة، والمتمرد أمام حقائق الحياة التي تقلب كل الموازين رأساً على عقب بين ليلة وضحاها .

 ويمضي شاعرنا محاولًًا وشارحًا بمفرداته الشعرية البسيطة والعميقة في ذات الوقت، المقصود من هذه الحبيبة النائمة في القصر المرصود:” فحبيبة قلبك.. يا ولدي نائمةٌ في قصرٍ مرصود.. والقصر كبيرٌ يا ولدي، وكلابٌ تحرسه.. وجنود،وأميرة قلبك نائمةٌ “. 

ان نزار يثير في دواخلنا عاصفة من الأسئلة حول ماهية هذه الغجرية الجامحة ذات الشعر الممدود النائمة والمستعصية والتي لا يمكن الوصول إليها، أهي مجرد فتاة جميلة ،بالمعنى الظاهري ؟؟ أم هل هي الحقيقة المرة والمعرفة التي تعري كل التخيلات والتصورات المسبقة والجميلة عن الحياة والوجود !؟. … 

إن من يريد المعرفة محكوم عليه بالفقد والضياع ،فوفقًا للسرديات الدينية، فإن آدم خرج من الجنة، ليس لمجرد أكله التفاحة، فالتفاحة تجسيد لمعنى الفضول المعرفي، والتمرد على الممنوع الذي يغرينا ويصير مرغوبًا أكثر من المتاح، مثلما أن سرقة “بروميثيوس”للنار من جبل الأوليمب وإعطائه قبس منها للبشر تعبير عن ألمه لرؤية عذابات البشر من برد الشتاء والحرمان من الدفء والأمن ،إذ قرر أن يحضر لهم النيران التي تدفئهم وتؤنسهم بنورها، وهذا ما يقوله نزار على لسان العرافة التي تنبه هذا الإنسان من محاولة فك وفهم معادلة الحياة والوجود: “من يدخل حجرتها مفقود، من يطلب يدها،من يدنو من سور حديقتها.. مفقود.. من حاول فك ضفائرها يا ولدي. مفقودٌ.. مفقود”.

 فالقصيدة تؤكد بدلالات واضحة أن الفكر الجمعي الصادر عن المجاميع البشرية يشكل حاجزًا منيعًا ويعيق فكر الإنسان المتحرر الذي يحاول السمو بأفكاره، حيث تقودنا القصيدة إلى أن كافة محاولات الإنسان لمعرفة نفسه وفهمه لذاته والكون والوجود، ستظل قاصرة، وستبقى الحقيقة عصية، بعيدة المنال، في حين أن الآلام والعذابات البشرية ستظل تتنامى وتتعاظم وتنتشر بسرعة جنونية، لا يحتملها الإنسان الساعي وراء المعرفة. 

ان الباحث عن المعرفة والحقيقة في قصيدة نزار مفقود ويخرج من جنة الجهل واللامبالاة وعدم التساؤل، ويسقط في دوامة المعرفة المعذبة والموجعة حد الجنون، فالمعرفة والحقيقة عدو الإنسان، التي تربكه وتجعله مزروعاً بالقلق والإنفعال الدائم، وهو دائم البحث والتحري والحفرعميقاً في دهاليز العقل البشري، والتاريخ الكوني، نابشًا ومحللًا ومفسرًا، في محاولة لتشييد مقولات معرفية تحتوي حقائق ثابتة يستند إليها في تعامله مع هذا الوجود الذي فرض عليه بكافة عناصره، دون إرادة واعية منه. 

ويسرد نزار هنا على لسان العرافة التي تحاول تفسير كنه ودوافع هذا الإنسان القابع أمامها محاولًا فهم ما يدور حوله وما يخبئه المستقبل فتقول: “بصرت.. ونجمت كثيرًا، لكني.. لم أقرأ أبدًا، فنجانًا يشبه فنجانك، لم أعرف أبداً يا ولدي،أحزانًا تشبه أحزانك”. 

 ان الشاعر الآن يقولها بشكل واضح وصريح: بأن الإنسان المحزون القلق المتوتر دائم الإنفعال هو السائر على درب الحب والخير والمعرفة والحقيقة، مغردًا خارج سرب القوالب الفكرية والمجتمعية الجاهزة .

 ويتابع في قصيدته:” مقدورك.. أن تمشي أبداً في الحب .. على حد الخنجر،وتظل وحيداً كالأصداف”.

 فإن مصير الباحث عن الحقيقة والمعرفة المجردة غير السائدة في الحياة، وفهم معناها وحقيقتها،بموضوعية ودقة وحياد،لا يمكن أن يكون إلا وحيداً، ويظل حزينًا وحيدًا مثل شجرة الصفصاف.

 لتختتم العرافة قراءة طالع هذا الإنسان الذي يحب الحياة، ولكنه قلق تكتنفه الحيرة، وتتنازعه الرغبة بالتخلص من قلق المستقبل المجهول من جهة، وولعه بالحياة ورغبة التمرد الساكنة في قلبه،والتي تمثل دافعًا ومحفزًا له ليميط اللثام عن أسرار الحياة وما تكتنزه من معارف من جهة أخرى، متطلعًا إلى آفاق فكرية ومعرفية أوسع وأشمل، ولكنه باحث شقي معذب مشتت الذهن والفكر وروحه متعبة، بسبب شكه في كل ما يدور حوله ،وبحثه الدؤوب، دون كلل أو ملل، عن المعنى والحقيقة، فتقول له العرافة خلال القصيدة: “مقدورك أن تمضي أبدًا،في بحر الحب بغير قلوع “، مؤكدةً أن لا شيء سيحمي هذا الإنسان الباحث الشارد المشغول بأفكاره وخياله حول الحياة والموت والحب والكره وكافة التناقضات الكونية، فهو سيبقى وحيدًا عاريًا متجردًا ومتجرعًا مرارة الوحدة والنكران من قبل مجتمعه الذي يعيش وسطه مختنقًا .

 وتثبت له العرافة في نهاية القصيدة :”أن مقدوره أن يحب ملايين المرات”. ووفقًا لسياق قراءتنا للقصيدة وتحليلها، فإن المقصود ليس حب النساء، كما هو راسخ منذ ظهرت القصيدة إلى الوجود، وإنما حب الحياة، بكل ما فيها من دهشة وإثارة وإغراء معرفي وفضول، إلا أن شغف هذا الإنسان الدائم بالمعرفة والحقيقة، سيجعله كالمقامر الخاسر، أو الملك الذي يخسر عرشه ولا يتمكن من الحفاظ عليه، بسبب جشع وخيانة الحاشية الطامعة بالقبض على صولجان الحكم، والتحكم بدروب الناس المجاميع، وترسيمها لهم بدقة متناهية، فهذه الحاشية تقودها رغبة جامحة، بصرف النظرعن الطريقة، للوصول إلى التحكم بالعباد، وفرض طرائق لحيواتهم كما يفصلونها لهم، وغرس مقولات معلبة ومزيفة ومجنونة وكاذبة وهزيلة، ومفسدة ،في رؤوس هذه المجاميع البشرية، حتى تبقى مكبلة عاجزة ،لا تتقن سوى الطاعة العمياء والإنقياد المخدر، وغير قادرة على الخروج من قفص الجهل واللامبالاة.

ويبين نزار للإنسان الذي يفكر بطريقة وأسلوب مختلف ،وعلى لسان العرافة :”مقدورك أن تحب ملايين المرات… وترجع كالملك المخلوع “،حيث أن تشبيه الشاعر للإنسان الذي يسير في طريق المعرفة والحقيقة المجردة، والمعاني والمقولات الفارغة والمقولبة، لن يكون مصيره إلا مشابهًا لمصير ملك خلعته أطماع حاشيته، مستغلة جهل وسذاجة المجاميع، إذ أن المعرفة قوة، والبحث عن الحقيقة جرأة وغاية، ومغامرة مدهشة، إلا حينما تكون وسط مجتمع مقولب معلب خانع تحت سطوة نظريات ومفاهيم تم تلقينها لأفراده، عبر عقود زمنية طويلة، وسجنهم داخل الدوائر النمطية، وأقفاصها المرصودة، التي تمنع كل من يحاول الهروب من تلك الحالة النمطية ،ليشق طريقًا مغايرًا، وليبقى رازحًا تحت وطأة التعاليم والسرديات الجمعية، فمهما كانت قوة حب الإنسان المختلف للمعرفة والبحث والتفكير العميق، ورفضه للسائد الغالب وغير المقنع، إلا أن تلك النمطية، والأحكام الجاهزة، ستجعل هذا الإنسان منبوذاً، بل مخلوعاً، وحيداً مثل شجرة الصفصاف .

ان قصيدة “قارئة الفنجان” للشاعر الكبير نزار قباني محاولة للحفر في أعماق الفكر الإنساني، ونبش كل ما يدور في دواخل النفس البشرية المعذبة والخائفة والقلقة، بسبب عدم وجود اليقين، والأثقال المجتمعية التي تعمل بكل قوة لتقييد حرية البحث، والإبقاء على هذا الإنسان المعذب بوجوده ، ليبقى راضخًا لمصيره، قانعًا بما توفره المجاميع البشرية، التي تسير تحت راية وسلطة صولجان الحكم، من تعاليم ومفاهيم ومقولات، لا تسمن ولا تغني من جوع .

لذلك فإن قدر هذا الإنسان سيبقى مشتتًا، ضائعًا ،حالمًا ،وباحثًا عن هذا الحب المعرفي المرصود وغير المدرك وبعيد المنال، والذي لا يستطيع الوصول إليه، طالما بقيت تلك الأحمال والأثقال المجتمعية المعيقة في طريقه.