المجلة الثقافية الجزائرية

قالوا: أُفولُ الإيديولوجيات..!

 خالد جــبّــور

    عصرُ ” أفول الإيديولوجيات” هو في الحقيقة عصرٌ أعلنت فيه إيديولوجيا من الإيديولوجيات أنها الحقيقةُ وأن غيرها بهتان محض إيديولوجيا. هذا الإعلان أتى كصرخة انتصار بعد محاصرة الإيديولوجيا النقيض ونسف معضم مواقعها الحيوية والدفع بمن ما يزال يتمسك بها إلى الهامش. 

    أحب في مثل هذه المسائل أن أكون جذريا، بمعنى ” أن آخذ المسائل من جذورها” كما قال كارل ماركس. ولا أدري لماذا كلما فكرت هكذا في مسألة هذه الإيديولوجيا المنتصرة، يتراءى لي وجه داروين تعلوه ابتسامةٌ تشي بالهزء والتهكم! نعم، داروين! البقاء للأصلح، للأقوى القادر على التكيف مع متغيرات وجوده. 

    بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، (1991)، كتب فرنسيس فوكوياما ” نهاية التاريخ – الإنسان الأخير) (1992) ، معلنا ما يقوله بوضوح أنَّ التاريخ انتهى. وصلنا إلى المحطة الأخيرة، فاستعدوا للنزول. أما من يريد ما بعد المحطة، ويرى أن التاريخ سائراً ما يزالُ، وأن المسألة هي فقط نهاية مرحلة أو حقبة، فهو متموقع خارج التاريخ نفسه الذي انتهى. 

    بيد أن لهذه الايدولوجيا وشائجَ بنظام اقتصادي مخصوص ونمط من أنماط السياسة: الرأسمالية وما يستتبعها من مجتمع استهلاكي وإعلاء لشأن الفرد وتطويع للعلم خدمة للإنتاج، واستثمار للفن تحفيزا للاستهلاك، وتنظيم للمجتمع يقضي على كل كابح للمنافسة والتدافع، ونحو ذلك من عناصر هذا النظام. هو إذن خطاب ذو دعامات مادية، شأنه شأن كل إيديولوجيا. ولمَّا كان كذلك فإنه يتغير في التجلي مع كل تغيّر يمس الدعامات تلك. 

    فلما كانت الإيديولوجيا المعلومةُ في صراع، وكانت نقيضَتُها بمثل ضراوتها في الفشو والتوسع، فإنّها كانت تُشيّطِنُ وتُقدّم التنازل تلو الآخر وتلمع الصورة لتظهر في صورة البديل الذي لابد منه. ولمَّا تحقق لها الانتصار تبدّلَ ذلك كله فأعلنت النهايةَ، وهي بذلك تنصّبُ نفسها كالممكن الوحيد الذي هو حقيقة مطلقة؛ لكن هذا لم يدم طويلا. 

    ذلك أن هذه الإيديولوجيا ودعامتها المادية داروينية في جوهرها بالمعنى الافتراسي: ديدنها التوسع، وملتها الهيمنة، والاستغلال شرط وجودها. فلما ظهرت منابع ثروة، وظهر في هذه المنابع من يمكن أن ينافسها ظهر ” صدام الحضارات ” ( صامويل هينتينغتون) 1996. 

    الحضارة عند صامويل رديف التطور والازدهار، وانتصار الحرية والعقل والأنوار. وهي في صدام تدخل مع حضارات أخرى: قوة تدفع إلى الأمام وأخرى إلى الخلف ( رجعية \ تقدمية). وباسم هذا الصدام خيضت حروب شتى في العالم قاطبة، فراحت “الديمقراطية” تغزو الشعوب على صهوة الدبابات والطائرات والبوارج. 

    هذا الصدام بدوره، بعد فترة ( لكي لا نقول حقبة!) تقادم فصار عتيقا باليا فكان لابد من بعض التجديد. لنتذكر في هذا السياق حرب أمريكا على الإرهاب منذ 11 سبتمبر 2001! حـرب عالمية على الإرهاب كما قال الرئيس بوش حينئذ، وأضاف: « حربنا على الإرهاب تبدأ بتنظيم “القاعدة”، لكنها لا تتوقف هناك، ولن تنتهِ حتى يتم إيجاد كل الجماعات الإرهابية ذات الوصول العالمي ووقفها وهـزيمتها.» 

    صارت أمريكا دركيَّ العالم، وشنت حروبا “عالمية” واسعة امتدت من أفغانستان إلى ليبيا مرورا باليمن وما جاوره ممن خضعوا بمجرد القوة الناعمة. 

    مذاك صار لأمريكا الحق في تسويق الجغرافيا السياسية التي تسعى لفرضها على العالم شعوبا ودولا مستعملة في ذلك القوة العسكرية التي تبحث في كل حدث عن فرصة للتمظهر. لقد استيقظ العالم على عالم مرسوم أمريكيا خدمة لمصالح دولة “العم سام”. 

    أقول حديثي هذا، اليوم 24 أبريل 2024, بعد إقرار الكونغرس الأمريكي حزمة مساعدات لإسرائيل بقيمة 26,4 مليار دولار كدعم عسكري. أقول هذا بعد 201 يوما من الحرب على غزة التي راح ضحيتها حتى الآن ما يُقَــارب 34000 إنسانٍ أغلبهم من الأطفال والنساء. أقول هذا ومئات الآلاف من الشباب الطلبة الجامعيين يتظاهرون في أكثر من مئات الجامعات الأمريكية وغيرها ضمن حراك طلابي عالمي مطلبه الأساسي وقف إطلاق النار والحد من الإبادة الجماعية في غزة… 

    لقد كشفت هذه الحربُ عورةَ أمريكا، بعدما انكشفت إثر الانسحاب التراجي- كوميدي من أفغانستان. رِجلٌ هنا وأخرى هناك، كسكران فقد القدرة على المشي كما يفعل كل الناس. ترسل القناطر المقنطرة من الذخائر والسلاح عبر جسر جوي لا مانع يعوقه، وترسل مليارات من الدولارات لا حاجز يحول بينها وبين وجهتها؛ لكنها لا تستطيع إدخال مساعدات: ماء، دواء، طعام، أغطية… فتراها مرة تريد بناء ميناء لإدخالها بحرا، ومرة ترميها من الجو فتؤدي إلى ما تؤدي من كوارث، ومرة تقول بوقف إطلاق النار، ومرة تقول لابد من… وهكذا من الازدواجية التي باتت الآن واضحة حتى لمن يقدس أمريكا وسياسة أمريكا. 

    وقد أوضحت الحرب الحالية جانبا من هذه الايدولوجيا مشينا، وهو وجهها العنصري. فعندما يعلن وفاة المئات، بل الآلاف يوميا من الفلسطينيين، فذلك في عداد الأضرار الجانبية، والحال أنه ما إن أصيب بعض من الأمريكيين وجيرانهم حتى قلبت الدنيا رأسا على عقب وصار الحديث عن تحقيق ومحاسبة وغيرها.

    إنَّ التاريخ يعلّمنا أنّ لكلّ رؤية حُلولٌ ثم أفول، والناظرُ إلى وضع العالمِ اليومَ يفطنُ بالزعزعةِ التي شابت الرؤيةَ المسيطرةَ في العالمِ كلّه. فالاعتقادُ بأنّ الفردَ مركزُ الكون وأنّ متعته غاية الغايات، ثم التقدم التقني الذي أفضى إلى جعلِ الافتراضيّ أصلا للواقعي، أدى إلى دخول الغرب ومعه العالم إلى ما سماه جيل ليبوفيتسكي “عصر الفراغ” أو “حضارة السمكة الحمراء” كما شاء آخر – برونو باتينو- أن يسميه. ثم تبني شعار النيوليبرالية الجوهريّ:” كل شيء من أجل المقاولة وكل شيء عبر المُقاولة” أدى إلى تفكيك الخدمات التي بها تكون الدولةُ دولةً، إذ صار التعليم والصحة وغيرهما سلعا كباقي السلع، تخضع لقانون العرض والطلب، وأصبحت جماعات الضغط الموالية لكبريات المقاولات العابرة للقارات تتحكم في تلابيب أقوى الدول، بل أكبر المنظمات، مما أدى إلى ما يشبه ” اضمحلال الدول” ولكن بصيغة أبشع من تلك التي تصورها كارل ماركس؛ وزد على ذلكَ أنّ سباق التسلّح وتطوير أدوات الرّدع بلغَ مبلغا أصبح فيه ضربا من العبث، حيث لم تعد الغاية المرجوة منه – أي الإخضاع- ممكنة، إذ لو استُعْمِلَ لأدى إلى فناء الكل عوض إخضاع جزء من العالم إلى جزء آخر منه. وفضلا عن ذلك فصعود قوى جديدة كانت بالأمس القريب يُنظَرُ لها على أنها تابع خاضعٌ، أضاف إلى تلك الزعزعة قدرا كبيرا، فتبَّـث الشك إزاءها ووطّده. 

    وعليه، فليس غريبا أن نقول إن الغرب بات ضحيةَ نظرته (إيديولوجيته)، بل الغريب ما نرى من امتثال لهذه النظرة من طرف المغلوبين ( بالمفهوم الخلدوني)، والغريب ذلك التواطؤ القائم مع هذه النظرة عينها وبلورة السياسات على نهجها والانسياق لأهدافها، في وقتٍ أصبح واضحا أن هذه النظرة قد لا تغدو في قادم العقود، بل السنوات، سوى أضغاث إيديولوجيا لا يتبناها إلا المستفيد منها.. ولو على حساب الإنسانية جمعاء.