بقلم محمد حسين حمصي
” عزيزي القارئ:
أنا مضطر إلى التوقف عن الكتابة، لأن الكهرباء قد انقطعت، ولا شمع لديّ، أنا مضطر إلى التوقف عن الكتابة .
لقد نسيت في أثناء عودتي، أن أبتاع بعضاً من أصابعه، والساعة الآن تشير إلى الثالثة صباحاً. وها هو النوم يقول لي: تصبح على خير..
أجبته: وأنت من أهل الخير ..
عزيزي القارئ:
أرهف السمع معي، ألا تعتقد بأن شيئاً ما يحدث في الخارج؟ ”
هذا الحوار جاء في إحدى (اسكيتشات) رواية “تحت سماء الحرب” لنيروز مالك .
تحت سماء الحرب، رواية تمت كتابتها في عام 2014، وحازت على عدّة جوائز مثل جائزة “لوينتال” عام 2016، وجائزة “لا مارتينير” وترجمت إلى عدت لغات.
من ناحيتي فأنا قرأت الرواية عن دار “ببلومانيا” التي نشرت طبعتها في عام 2024 .
“تحت سماء الحرب ”
يضعنا الكاتب في هذا العنوان، بفوضى من الخيال يتزاحم فيها كلّ ما يجول في الخاطر من مآسي وخراب التي تسببها الحروب، فهو يُطلق عنوانه بشكل فظ، ليدخلنا مباشرة في عالم لا هدنة فيه أمام الدمار والموت، كما استطيع تسميتها أنا ب (تراجيديا الحرب في حلب) .
طرح الكاتب روايته على شكل (اسكيتشات، موتيفات) إن صحّ التعبير، يعرض من خلالها لقطات صغيرة، وأحيانا كبيرة للحرب التي جرت في مدينة حلب، ملاحقاً التفاصيل البسيطة لتلك المرحلة، بداية من ضوء الشمع، إلى الانفجارات، محاولا أن ينقل تأثير هذه الحرب على الأجزاء المادية مثل (الدمار، القصف، القتل) الذي ينقلها التلفزيون عادة وعلى الأجزاء النفسية التي لا يعرفها إلا أصحابها كوصف الكاتب شعوره حينما كان يرى الحرب تمرّ من أمام المقهى كل يوم، وشهوتها اتجاه حياة النادل الذي يفهم الكاتب بعد موته ، سبب تكرار قدومها .
في هذه الرواية أظهر الكاتب الحرب، على أنها بطلة هذه الرواية فكل القصص التي رويت في هذا العمل، كانت تعلك بفم تلك الحرب، التي كان الكاتب حياديّا حقا في نقلها من مدينة حلب، إلى كلّ من قرأ و يقرأ هذا العمل، فلم نر في الرواية أي موقف سياسي، أو رأي أو حتى عتاب على طرف من الأطراف المتصارعة أنذاك، كان حياديّا لدرجة أنه بكى، وكان ينتظر من يعيده إلى البيت كما سنرى في نهاية اسكيتش ” الحافلة البرتقالية.

فكك الكاتب في هذا العمل السرد الروائي إلى اسكيتشات صغيرة مما جعل هذا التنوع يعكس معاناة مدينة حلب في ظل تلك الحرب .
نقاط الضعف : ربما في هذا العمل، لا يجد أي لغة فيها جمالية، أو شعرية، فالكاتب كان أسلوبه تقريري بحت في هذا العمل.
قد يشتت القارئ في الخروج عن سردية الحكاية، وسببه برأيي أن العمل لا يملك خط دارمي يمسك يد القارئ، ناهيك عن كثرة الشخصيات في (الاسكيتشات) كما سميتها .
ونجد أن الكاتب مال إلى الطابع التقريري الصحفي أكثر من خيال الرواية، وابتعد كثيرا عن سدرية الرواية إذ لا تختوي الرواية على خط درامي لتبني معها أو تخلق شعورا نحوها تباعا إن كان للأحداث أو الشخصيات .
وأيضا في أغلب (الاسكيتشات) كانت مفتوحة، وأحيانا تشعر أنها ناقصة، لم تلبي فضول القارئ .
نقاط القوة:
حيادية الكاتب في نقل الحياة اليومية للحرب ، وهو عمل مثل “كاميرا” وثّقت الأحداث، وردات الفعل النفسية، كيف لا وهو البطل الحقيقي في نقل تلك المآسي .
طريقة الاسكيتشات نجحت، بأسلوب الكاتب البسيط الرشيق، بجمله القصير، ودفقه الشعوري في أن يوصل الكثير من المعانات لا تلقطها كاميرا، ولا يخبرنا بها رجال السياسة أو المحللين .
نجح الكاتب في أسلوبه الكوميدي في الكثير من “الاسكيتشات” مما كان يخفف هيبة الحرب والخوف في كثير من الأحيان، وخلق نظرة للأمل في ظل هذه الأحداث.
مباشرة الكاتب في زج أحاديث الحرب دون تمهيد أو مقدمات مما يجعل القارئ قريب من مآسي الحكايا في هذه الحرب، دون تكلّف أو زيف.
تنجح رواية “تحت سماء الحرب” في نقل أحداث الحرب، إضافة لاهتمام الكاتب بنقل التفاصيل الصغيرة التي لا تنقل عادة عبر الأخبار والشاشات، والغوص في الأعماق النفسية، لكلّ الذين عاشوا تلك المرحلة ..
وتقدم لنا اعترافا، أن كلّ مانعرفه عن أيّ حرب، يظلّ ناقصاً إن لم نقرأ عنها، في عين الأدب، وأنّ الأديب مهما كانت ظروفه يظل الوثيقة الوحيدة التي تنقل لنا أخبار (الإنسان) .





