المجلة الثقافية الجزائرية

قراءة  للمجموعة القصصية: الغراب يرتدي البدلة

بقلم: شاهيناز الفقي

تقديم التفاصيل اليومية والتراث الشعبي في مادة أدبية..

 المجموعة القصصية “الغراب يرتدي بدلة” للكاتبة دعاء البطراوي هو في الوقت نفسه عنوان إحدى قصص المجموعة 

وهو عنوان ثري بالدلالات والرمزية. فمن الناحية النحوية يتكون من مبتدأ وخبر؛ فـالغراب مبتدأ معرف بأل، ويرتدي بدلة جملة فعلية في محل رفع خبر

 التعريف في كلمة “الغراب” يمنح الشخصية نوعًا من التخصيص والتحديد. فلو جاء العنوان بصيغة “غراب يرتدي بدلة” لأصبح الحديث عن أي غراب، أما التعريف فيوحي بأننا أمام غراب بعينه، أو بمعنى أدق أمام رمز محدد يحتل مركز الثقل في النص.

 جاءت كلمة “بدلة” نكرة، وكأن الكاتبة لا تعني بدلة بعينها، وإنما تشير إلى ما تمثله البدلة من دلالات اجتماعية؛ فقد ترمز إلى السلطة أو الوجاهة أو القضاء أو القانون. فالبدلة تتغير وتتنوع صورها، أما الغراب فيظل محتفظًا بطبيعته مهما ارتدى من أقنعة.

ويكتسب العنوان ثراءً من الصور الراسخة للغراب في الوعي الجمعي؛ فهو عند كثيرين رمز للتشاؤم والموت، بينما يراه آخرون رمزًا للحكمة، استنادًا إلى قصته في تعليم قابيل كيف يواري سوءة أخيه. ومن ثم فإن العنوان يفتح المجال أمام أكثر من تأويل قبل الدخول إلى عالم القصة.

وتحيلنا هذه الملاحظات خول العنوان إلى القصة نفسها (ص 109)، حيث يتجلى الاختلاف بين رؤيتي البطل والبطلة للغراب. فالبطلة تراه نذير شؤم، بينما يراه البطل طائرًا جميلًا، بل ويشير إلى أن الغربان تشبه القضاة؛ تنصب المحاكم وتصدر الأحكام، خاصة على الزناة، فتتحول الغربان في القصة إلى رمز للعدالة التي تلاحق المذنبين.

وتبرز براعة الكاتبة في الإشارة الرمزية الواردة في الصفحة (111) حين أشارت أن البطلة “أرسلت بصرها نحو وشاحها الأسود الملقى بإهمال على الفراش، ربطته بمهارة كالكرافت، وراحت تقلد صوت الغراب”. فالمشهد يتجاوز الوصف المباشر ليحمل رمزية واضحة؛ إذ تبدو المرأة التي خانت زوجها وتسببت، في قتل العشيق لزوجته البريئة وقتل نفسه، وكأنها تنتمي إلى عالم الغربان ذاته. فهي التي ظلت تنعق بالشكوك وتغذي الشك في نفسه، حتى انتهى الأمر بمحاكمتها في نهاية القصة.

وهكذا يعود القارئ إلى السؤال المركزي الذي يطرحه العنوان: هل الغراب نذير شؤم وموت، أم رمز للحكمة والعدل؟ وتترك الكاتبة الإجابة مفتوحة، لكنها تميل إلى تقديم الغراب بوصفه قاضيًا رمزيًا يكشف الحقيقة ويوقع العقاب.

وتثير القصة كذلك قضية اجتماعية وفقهية شديدة الحساسية، وهي قضية “الولد للفراش”. وتبدو هذه القاعدة في النص وكأنها إحدى الضمانات التي تحفظ استقرار المجتمع وتماسك الأسرة؛ إذ إن فتح باب الشك على مصراعيه قد يؤدي إلى انهيار العلاقات الأسرية وتنصل البعض من مسؤولياتهم تجاه الأبناء.

تنجح الكاتبة دعاء البطراوي في مجموعتها القصصية “الغراب يرتدي بدلة” في رصد عدد من الظواهر الاجتماعية الراسخة في المجتمع المصري، خاصة تلك المرتبطة بالجهل الشعبي والإيمان بالخرافات والأفكار الموروثة التي تتحكم في سلوك الأفراد وتوجه قراراتهم.

في قصة “النقش على جبل عرفات” تضع الكاتبة القارئ أمام نموذج واضح لهذا التفكير الخرافي. فحين تستعد سناء للسفر إلى الحج، تتهافت عليها الجارات والأقارب محملين بالطلبات والأمنيات، فتدون أسماءهم وما يرجونه من الله في ورقة طويلة، وكأن الدعاء لا يصل إلى السماء إلا عبر وسيط أو من خلال شخص موجود في مكان مقدس. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تطلب إحدى الجارات من سناء أن تحمل معها قطعة من ملابس ابنتها وجزءًا من ضفيرتها لتضعها على جبل عرفات حتى يرزقها الله بالزواج، بل وتطلب منها نقش اسمها على الجبل حتى يتيسر لها الحج.

تكشف القصة عن مفارقة لافتة؛ فالمشكلة لا تكمن في الجارة وحدها، بل تمتد إلى سناء نفسها التي استجابت لهذه الطلبات ونفذتها، بما يوحي بأنها تشارك الآخرين إيمانهم بهذه المعتقدات. ومن هنا تقع في المحظور حين تُصوَّر ويُساء فهم تصرفها، فتُتهم بممارسة أعمال السحر في الأماكن المقدسة. وهكذا تكشف الكاتبة كيف يمكن للجهل والخرافة أن يقودا صاحبهما إلى مواقف مأساوية أو مهينة، حتى وإن كانت النوايا حسنة.

وفي قصة “اتهام” تعود الكاتبة إلى مواجهة الموروث الشعبي، لكن هذه المرة من خلال طقس “البشعة” الذي كان يُستخدم قديمًا للفصل في القضايا والنزاعات. ومن خلال لعبة سردية ذكية تتلاعب الكاتبة بتوقعات القارئ، فتجعله يتأرجح بين الشك واليقين. فالبشعة تبرئ رزق، لكن حميدة الذي يبدو مقتنعًا بخيانة نجوان زوجة أخيه يصر على إخضاعها للاختبار نفسه ص25. وعندما تدينها البشعة، يظل السؤال معلقًا: هل كانت نجوان مذنبة حقًا؟ أم أن البشعة مجرد وسيلة ظالمة لا تصلح للحكم على مصائر البشر؟ هنا تترك الكاتبة الباب مفتوحًا أمام القارئ ليصوغ حكمه الخاص وفق رؤيته وفطنته.

أما في قصة “المكبوسة” فتنتقل الكاتبة إلى خرافة أخرى مرتبطة بالإنجاب. فالبطلة تتنقل بين الطقوس الشعبية والوصفات الغريبة أملاً في الحمل منها الذهاب للمقابر ليلا والوقوف على قضيب القطار وزيارة السلخانة وينصحها بعض الناس بالمشي حافية في حقول الباذنجان أو اللجوء لشجرة مريم ص 100، بينما يعرف الزوج في قرارة نفسه أن المشكلة لديه هو، لكنه يترك زوجته تواجه وحدها دوامة الأوهام والمعاناة. لا تدين القصة جهل المرأة فقط، بل تكشف أيضًا جهل المجتمع الذي يوجه أصابع الاتهام إلى المرأة تلقائيًا عند تأخر الإنجاب، متجاهلًا أن السبب قد يكون لدى الرجل. كما تفضح أنانية الزوج الذي يتهرب من مواجهة الحقيقة، فيدفع زوجته إلى مزيد من الألم النفسي والجسدي.

وكما تهتم الكاتبة بتوجيه النقد لبعض موروثات المجتمع السلبية تهتم بتوثيق موروثات كادت تندثرفي قصة “غربلة” تستحضر الكاتبة طقس السبوع الشعبي للمولود ص48، وهو ما يمنح النص بعدًا توثيقيًا مهمًا؛ إذ لا تكتفي بسرد الحدث، بل تسجل تفاصيل إحدى العادات الشعبية. فتصف طقوس الاحتفال، وأغاني السبوع المتوارثة، ودقّ الهون، وحمل الغربال، وغيرها من المظاهر المرتبطة بهذه المناسبة، لتتحول القصة إلى وثيقة أدبية تحفظ جانبًا من الذاكرة الشعبية والتراث الاجتماعي.

لا تقتصر الكاتبة على توثيق العادات والتقاليد الشعبية، بل تمتد رؤيتها إلى تسجيل الأحداث التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الذاكرة المصرية ولا تُطمس بمرور الزمن. ومن بين هذه الأحداث حادثة قطار الصعيد البشعة التي وقعت في يوم العيد في قصة “يوم مميز للموت”، بما تحمله من مأساة تكشف حجم الاهمال والخلل الاجتماعي. وبذلك يتحول النص إلى مساحة للتوثيق الأدبي الذي يحفظ الذاكرة الوطنية من النسيان، ويعيد استحضار لحظات فارقة في حياة المصريين.

 تمتد قصص المجموعة أيضًا لطرح قضايا إنسانية واجتماعية متعددة. ففي قصة 

“استيقظت سوسن” وقصة ” انها تبكي” تعالج الكاتبة مأساة الفقد، وفي “سنتيمترات ضائعة” تناقش نظرة المجتمع القاصرة إلى أصحاب القامات القصيرة، مؤكدة أن المشكلة الحقيقية ليست في طريقة نظر الآخرين إليه ولكن في نظرة الإنسان لنفسه. أما “لنصفين” فتقدم صورة مؤثرة لانقسام البطلة بين حاضرها مع زوجها الحالي وماضيها الذي لا يزال يسكنها، في تماهٍ جميل بين حالتها النفسية والكوب الذي انكسر إلى نصفين.

وفي “بركة الدار” ترصد الكاتبة الحسد والكراهية وما قد يقودان إليه من مآسٍ، بينما تتناول في “رجل مختلف” قضية شديدة الحساسية تتعلق بالهوية والرغبات الإنسانية والعلاقات الزوجية.

 أما “مرة في العمر” فتعرض نموذجًا لامرأة أفنت عمرها في تربية ابنتها والعمل من أجلها، حتى إذا وقفت أمام المرآة يوم الزفاف شعرت بغربة عن نفسها، وكأن القبح الذي لازمها سنوات طويلة كان درعًا يحميها من قسوة الآخرين.

تنوع الأسلوب السردي في المجموعة القصصية بين ضمير الغائب وضمير المتكلم، وهو تنوع أسهم في إثراء البناء الفني للنصوص. ففي بعض القصص لجأت الكاتبة إلى ضمير الغائب الذي أتاح لها مساحة أوسع لرصد الشخصيات والأحداث من الخارج وتقديم رؤية أكثر شمولًا وموضوعية، بينما اعتمدت في قصص أخرى على ضمير المتكلم، مما قرّب القارئ من العالم النفسي للشخصيات، وكشف عن صراعاتها الداخلية بصورة أكثر عمقًا. وقد منح هذا التنويع حيوية فنية للمجموعة، وجنّبها الرتابة، كما أتاح للكاتبة اختيار زاوية الرؤية الأنسب لطبيعة كل تجربة إنسانية يطرحها.

وتؤكد هذه المجموعة في مجملها قدرة دعاء البطراوي على تحويل التفاصيل اليومية والمعتقدات الشعبية إلى مادة أدبية ثرية، تكشف ما يعتري المجتمع من تناقضات وأوهام وأحكام مسبقة، وتدفع القارئ إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي اعتاد قبولها دون تفكير.