المجلة الثقافية الجزائرية

قراءة نقدية في تشكلات السرد الحكائي، وأنساق التناص

حواريّة المتن والهامش في رواية “أوراق من مملكة سبأ” للكاتب أحمد العريقي: قراءة نقدية في تشكلات السرد الحكائي، وأنساق التناص

 هشام شمسان 

___________

رواية “أوراق من مملكة سبأ” (1) للأديب والناقد اليمني أحمد قاسم العريقي

هي الرواية الثالثة ترتيباً(2)، وتُعد محاولة استثنائية لاستعادة الذاكرة التاريخية لليمن من بين أنقاض الحاضر الممزق، إذْ تتجاوز الرواية كونها مجرد سرد تاريخي لتصبح قراءة ثقافية في مأساة تدمير الأدلة التاريخية المكتشفة بسبب الحرب، ونهب الكنوز الأثرية المهربة لتباع كبضائع في الأسواق العالمية.

الرواية ليست مجرد “أوراق” من الماضي، فحسب، بل هي مرآة تعكس أوجاع اليمن المعاصر، عبر استحضار ماضيه. وقد اتبع الكاتب فيها إستراتيجية فنية تعتمد على تقنية “الميتا رواية” لخلق حوار بين زمنين: زمن الملكة “بلقمة” (بلقيس) المزدهر، وزمن الباحث “نادر السعيدي” المحطم بفعل الحروب والألغام .

ومن خلال هذا التلاحم، يبرز العمل كبناء روائي متكامل يمزج بين الصرامة الأثرية والخيال الأدبيٍ؛ مكرساً فكرة أن التدوين هو الحصن الأخير للحقيقة عندما تذوي الأدلة المادية وتُنهب الكنوز في أسواق النخاسة.

● المنظور الروائي: تشكلات السرد، وانصهار الراوِيين:

يتشكل المنظور الروائي في العمل عبر بنية تعتمد تقنية “الرواية داخل الرواية”، من خلال توظيف “المخطوطة المكتشفة” لكسر تتابعية الزمن، وخطيته، وخلق توازٍ دقيق بين عظمة الماضي وانكسار الحاضر .

وينطلق المنظور السردي للرواية من زاوية الباحث “نادر السعيدي” الذي يكتشف أوراق “كهلان”، مما يتيح للسرد أن يتشكل عبر مستويين متداخلين: مستوى “الإطار” (3) الذي يرصد مأساة تدمير الآثار بسبب الحرب وتهريبها كبضائع في الأسواق الدولية، ومستوى “المتن التاريخي” الذي يعيد بناء عهد الملكة “بلقمة” بمؤسساته وعدالتها .

وتتمظهر مهارة الكاتب السردية في التحول الواعي – عبر شخصية الرواية- من التقرير العلمي الذي بدأ به البطل رحلته، إلى “الرواية التاريخية” كقرار مصيري اتخذه الباحث بعد ضياع الأدلة المادية (أوراق البردي، والمومياء) بعد أن أدرك أن الفن الروائي هو الوحيد الذي يمكنه حماية التاريخ من الاندثار في ظل غياب البرهان المادي الذي تشترطه المؤسسات الأكاديمية. 

وينهض التشكيل السردي للرواية على ازدواجية في صوت السارد، حيث يتقاسم ضمير المتكلم شخصيتان متباينتان في الزمان والمزاج النفسي، لكنهما تلتقيان في مأساة الحفاظ على التاريخ: الراوي الأول هو “نادر السعيدي”، الباحث المعاصر- الذي تتسم طبيعته بالانكسار الجسدي والوجداني، فهو يروي أحداثه من منظور الجسد الممزق- فقدان ساق وذراع وعين، وأذن – فيصبح مرآة لتمزق الوطن اليمني المعاصر، وتخلخل بنيته الداخلية.

فـ”نادر” لم يكن مجرد سارد للمعلومات، فحسب، بل هو راوٍ “ذاتي” يعيش حالة من الهوس والندم، حيث يرى نفسه ملعوناً بلعنة الملكة “بلقمة” بعد ضياع آثارها بين يديه، مما يجعل نبرته السردية مشحونة بالقلق والخوف، بسببٍ من “الأنا المقيتة” التي تنهب التراث.

في المقابل، يبرز الراوي الثاني “كهلان بن أسعد”، المؤرخ السبئي القديم، الذي يمثل صوت الراوي الشاهد، والمدون الرسمي، الذي تتسم طبيعته بالرصانة والاحتفالية الطقوسية، عبر استخدامه لغة جزلة تحاكي عظمة النقوش المسندية . 

ويبدو “كهلان” كراوٍ عاشق لبلاط الملكة ومؤمن بعظمتها، وتتداخل مشاعره الشخصية مع مهمته التدوينية، مما يخلق تبادلاً للأدوار بينه وبين نادر، الذي يعيد تخليق صوت “كهلان” عبر الترجمة، بينما يمنح “كهلان” لنادر ملاذاً من واقع الحاضر البائس. هذا الانصهار بين الراويين يحول فعل السرد من مجرد حكاية إلى عملية استعادة ذاكرة قومية، حيث يصبح الراوي المعاصر امتداداً للمدون القديم في صراعهما المشترك ضد النسيان.

● أدبية اللغة، وحوارية المتن والهامش:

تتسم اللغة في رواية العريقي بأدبية رفيعة تبتعد عن جفاف التقريرية. فقد وفّق السارد في صياغة لغة تعبيرية شحنت بكثير من الصور المجازية، وكمثال، نجد السارد يصف لحظة الاكتشاف بقوله: 

“أدخلتُ رأسي في الفجوة بحذر، كمن يُطلّ على قدر لا يريد أن يراه، فإذا بالظلام أمامي كشبح مخيف. وسعت الشق وأشعلت المصباح، فتكشف لي سلم حجري ينحدر درجات في بطن الأرض، كأنه يقودني إلى ذاكرة منسية لطالما أرادت أن تبقى مطموسة”.( ص9).

وعندما يربط بين حالته الجسدية وحال الوطن يقول:

“كنت أرى الوطن جسدًا ممزقا يُحاول كل من فيه أن يركب أعضاءه بيدين مرتجفتين، دون جدوى.”( ص26).

وفي وصف صوت التاريخ وهيبته، عندما كان الدكتور “فهمي” يتأمل نقش التابوت، وصف السارد نبرة صوته قائلاً:

“ثم قال- كأن الصوت خرج من بين أهداب التاريخ نفسها- هذا لا يصدق.. “. (ص 18).

وتعكس هذه الصورة كيف استحال التاريخ من مادة صلبة (حجر ونقش) إلى كائن حي له ملامح وأهداب، مما يمنح الحدث بُعداً روحياً يتجاوز مجرد القراءة الأثرية.

وفي تجسيد القلق كفعل حي، يصف “نادر” حالته النفسية أثناء انتظاره للدكتور في إحدى الحدائق:

“جلستُ بعيدًا عن الضجيج، تحت ظل شجرة صغيرة تتنفس معي القلق”. (ص 27).

هنا، لم يكتفِ الكاتب بوصف القلق كشعور داخلي، بل جعل الطبيعة (الشجرة) شريكاً في هذا الشعور عبر “أنسنتها”، مما يعزز “أدبية” النص ويخرجه من جفاف التعبير المباشر.

وحين يصور مأساة ضياع التاريخ وتحوله إلى جراح مادية يقول: 

“كنت أرى تاريخنا يُبتلع مع السيل، ويُقذف في العراء، تتخاطفه الرياح كأشلاء”. (ص 39). 

يتحول التاريخ هنا من مفهوم مجرد إلى “أشلاء” ملموسة، وهو ما يتسق مع رمزية الجسد الممزق التي تسيطر على البناء السردي للرواية .

فاستخدام كلمة “أشلاء” لوصف التاريخ المفقود في السيل، ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو تجسيد مادي يربط بين مأساة “الجسد الشخصي” ومأساة “الجسد الحضاري” .

ولعل أبرز التقنيات التي حمت المتن من التقريرية هي التوظيف الذكي للهوامش؛ فبينما يذكر المتن بناء السد بلغة حكائية، يتولى الهامش رقم (63) تقديم التفاصيل التقنية والإحصائية الجافة مثل: “جلب خمسين مهندساً وألفين من القسود… استمر العمل خمس سنوات” .

ومثل تلك الهوامش لعبت دوراً في نقل الثقل المعرفي والبيانات الأثرية الجافة من وسط الحكاية إلى نهاية العمل. وهذا الإجراء، أتاح للسرد أن يركز على التجربة الشعورية، والإنسانية للبطل “نادر” وصراعه مع جسده المعاق والوطن الممزق، وتحويل الرواية من مجرد خيال أدبي إلى “وثيقة فنية” تعمل كـ “مختبر” لإثبات صحة المنطلقات التاريخية للمؤلف، مما يمنح القارئ شعوراً بواقعية المأساة التي يعيشها البطل المعاصر أمام ضياع الشواهد المادية.

وهذا الفصل المنهجي بين المتن والهامش، سمح للمتن بأن يظل “تجربة شعورية” وللهامش أن يكون “مختبراً علمياً” يثبت صحة المنطلقات التاريخية دون إثقال كاهل السرد بالأرقام الجافة.

وفي ذات السياق، تنصهر الوثيقة التاريخية كدليل فني يمنح “أوراق كهلان” مصداقية علمية تتوازى مع الخيال الروائي، وذلك عبر دمج النقوش الأثرية الحقيقية مثل (RES 4176) و(Ir 69) لتأكيد وقائع بناء سد مأرب وتفاصيل معبد “أوام”. ويمتد هذا الخيط التوثيقي ليصل إلى المصادر الشرقية البعيدة، مثل كتاب “الحوليات القصبية” الصيني القديم، الذي يوثق زيارة الملك “مو ونغ” لملكة سبأ واصفاً إياها بـ “إلهة الغرب”، مما يجعل الرواية ملتقىً حضارياً يثبت أن سبأ كانت قطباً عالمياً.

○ وخلاصة القول في هذا المحور: إن الهوامش ساهمت كثيراً في حماية “أدبية النص” من الانزلاق إلى التقريرية العلمية، مع الحفاظ- في الوقت ذاته- على مرجعية الحقيقة، التي يقاتل الراوي من أجل بقائها في الذاكرة الجمعية، مما حرّر متن النص الروائي ليصبح فضاءً لـ”أدبيّة اللغة” القائمة على الرمزية، والإسقاط السياسي، وجعل من الرواية وثيقة فنية، تملأ فجوات التاريخ المفقود بالخيال الأدبي، معتمدة على التحاور مع النصوص الدينية والأسطورية لتشخيص المصير الوطني..

  

● التناص الثقافي وانصهار الدين والتاريخ بالأسطورة: 

يتحرك التناص في رواية “أوراق من مملكة سبأ” كوعاء ثقافي شامل يصهر الديني والتاريخي والأسطوري في نسيج واحد لخدمة الحبكة الدرامية، حيث لا يكتفي العريقي باستدعاء النصوص الغائبة كزينة، أو حلية أدبية، بل يجعلها ركائز تُعطي للسرد شرعيته التاريخية وعمقه الروحي. ويتجسد هذا الانصهار في إعادة إنتاج المقدس من خلال الاستحضار الحرفي والدرامي لنصوص الكتب المقدسة، مما يمنح شخصية الملكة “بلقمة” بُعداً عالمياً. مثال ذلك اقتباس المؤلف في الهامش رقم (112) نصاً من “سفر الملوك الأول” في التوراة يوثق خطاب الملكة للنبي سليمان. مجزوؤه:

“صحيحاً كان الخبر الذي سمعتُه في أرضي عن أمورِك وعن حكمتِك.. فبهذا زدتَ حكمةً وصلاحاً على الخبر الذي سمعتُه”.

ويتوازى هذا، مع التناص القرآني الذي يظهر في البنية الخطابية للملك سليمان (شلومو) في الرواية:

“اعلمي أن الإله يهوه نصبني ملكاً على الأرض.. وألّا تعلوا في الأرض كفراً بالإله الواحد يهوه”، وهو محاكاة سردية مباشرة ومكثفة للآية القرآنية: “ألا تعلوا عليَّ وأتوني مسلمين” (سورة النمل).

كما استعار المؤلف تراكيب قرآنية شهيرة وحوّرها لتناسب ديانات سبأ القديمة، مما أضفى طابعاً “مقدساً” على الخطاب الدرامي، مثل قوله- على لسان الملكة “بلقمة” عند الحديث عن التعدد الديني في مملكتها:

“لهم دينهم ولنا ديننا” وهي محاكاة مباشرة للآية الكريمة: “لكم دينكم ولي دين” (سورة الكافرون).

ويكتمل هذا المزيج بالتلاحم مع المخيال الشعبي والأسطورة التي توظف لتعميق الصراع السياسي؛ حيث استحضر الكاتب الإشاعات التي أطلقها أعداء الملكة للتشكيك في بشريتها، مدعين أنها:

  “ليست من البشر، هي حفيدة شيخ الجن.. قدميها قدما حمار والشعر يكسو ساقيها” (ص132).

وهذا التفاعل المعرفي المنصهر ( بتذويب المسافة بين العلمي، والأدبي، والمقدس مع الدنيوي) جعل من الرواية ذاكرة تتداخل فيها الوثيقة الأثرية مع النص المقدس والأسطورة الشعبية؛ لتقديم رؤية شاملة عن هوية اليمن، مؤكدةً- أي الرواية- أن التاريخ الذي يُباع اليوم في “سوق النخاسة” هو ذاته الذي سُجل يوماً بمداد الحكمة والنبوة والأسطورة..

● الرسالة الرمزية للرواية:

تتمحور الرسالة الجوهرية لرواية “أوراق من مملكة سبأ” حول العلاقة المعقدة بين التاريخ، والجذور الوطنية، حيث يتحول التدوين الأدبي فيها من مجرد سرد حكائي إلى فعل مقاومة شعوري ضد قتل الذاكرة الجمعية في ظل ركام الحروب، والتمزق. وتتمظهر هذه الرسالة عبر “المعادل الموضوعي” الذي صاغه المؤلف بفطنة، وحكمة، والمتمثل في جسد البطل “نادر السعيدي” ليصبح هذا الجسد المحطم، رمزاً حياً لوطن ممزق يحاول أبناؤه تركيب أعضائه بيدين مرتجفتين دونما جدوى.

وتتعمق الرمزية من خلال واقعة تهريب التابوت الرخامي وبيعه في “سوق النخاسة الدولية”، وهو ما يشخص حالة اغتيال الشواهد التاريخية، وبيعها كبضاعة تُساق في مزادات دولية، وكأن الكاتب يريد أن يقول” إن ضياع الماضي هو الممهد الحتمي لتيه الحاضر “

ويمثل تلف الآثار والوثائق في الرواية معادلاً رمزياً لانكسار الحاضر وضياع البوصلة الوطنية وسط صراعات الحروب التي تلتهم الأخضر واليابس .

كما تحمل الرواية صرخة احتجاج ضد “الأنا المقيتة” (تغليب المصالح الشخصية والأنانية والجشع على المصلحة الوطنية العليا)، التي يراها السارد سبباً رئيساً في ضياع المنجز الحضاري، سواء عبر مكائد الكهنة في سبأ قديماً أو مطامع القادة النافذين في اليمن المعاصر؛ حيث يُقدّم هؤلاء مصالحهم الشخصية على حساب الروح الكلية للوطن.

تنتهي الرواية بمواجهة رؤيوية رمزية بين الكاتب التاريخي “كهلان” و”نادر”، حيث يوبخ المدون القديم الباحث المعاصر على ضياع التراث قائلاً: “الويل لك أضعت تراث الملكة وأتلفت ما عكفت أربعين حِجةً للرواية.. الويل لك !” (ص272). 

وهذه المواجهة الختامية للرواية هي إعلان عن استمرار المطاردة؛ فالتاريخ لا يموت بموت أصحابه، بل يظل يلاحق الأحفاد الذين فرطوا فيه. 

أما توقيع النص باسم “نادر السعيدي” فيعد – رمزيًا- توثيقاً للمظلومية الشخصية والوطنية التي ترفض أن تنتهي بمجرد الاستيقاظ من النوم، بل تفتح الباب أمام سؤال البقاء والاستعادة .

____________

الحواشي :

(1) سيجد القارئ أنني تجاوزتُ عنوان الغلاف الخارجي”من أوراق مملكة سبأ” إلى العنوان الداخلي “”أوراق من مملكة سبأ”” لأنه العنوان الأدق الذي كان يجب على المؤلف أن يتبناه كعنوان رئيس؛ باعتباره يصف العمل ككيان أدبي (رواية)، ويركز على المادة المكتشفة ككتلة واحدة، وهو في دلالته البلاغية يعني أن هذه المجموعة من الأوراق (المخطوطة) تنتمي زمنياً ومكانياً لمملكة سبأ. فيجعل من “الأوراق” المبتدأ والمركز، وكأنك تقول للقارئ :” هذه أوراق مصدرُها مملكة سبأ”.

-أما عنوان “”من أوراق مملكة سبأ”” فحرف الجر “مِن” هنا للتبعيض، وكأن الكاتب، أو السارد، يقدم لنا شذرات مما دونه “كهلان بن أسعد” في أوراقه، بينما السارد- في المتن- يثبت أن “نادر” ترجم كل ما كتبه “كهلان”.

● الرواية من منشورات مكتبة خالد بن الوليد، صنعاء، 2026م.

(2) للكاتب روايتان غير منشورتين ورقياً، هما : “زهر الغرام”، و”يوم مات الشيطان”.

(3) أعني بـ”الإطار”: الواقع اليمني الراهن الذي نرى من خلال نافذته التاريخ السبئي السحيق. إنه قصة “الباحث والأوراق”، بينما “المتن” هو قصة “الملكة والعرش .