المجلة الثقافية الجزائرية

قصة الإنسانية العجيبة…

مقال المفكر منير شفيق ردا على مقال الروائي الفلسطيني يسري الغول المعنون: الآخر وأكذوبة الاندماج.

*** 

‏دعني أحكي لك مما وصلني قصة مروّعة عن ‘‘إنسانية الغرب‘‘، ولماذا يقدّم الأمريكان والإنكليز والألمان السلاح لإسرائيل بِيَدهم اليمنى، ثم يتحدثون عن فُتات المساعدات الإنسانية للفلسطينيين من طَرَف إصبع يدهم اليسرى !!…

من أين تبدأ القصة،

ومن أين تنتهي ؟..

من إحدى أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في العالم..

لكن من أين تبدأ؟

‏في سنة 1965، وقّعَت الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقًا سريًا مع بريطانيا …

الرئيس الأميركي ليندون جونسون كان يضع عينه على أرخبيل في المحيط الهندي من أجل إنشاء قاعدة عسكرية أميركية، تكون مفتاحًا إستراتيجيًا للتدخّل الأميركي السريع في إفريقيا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وغرب آسيا..

‏هذا الأرخبيل كان يُطلق عليه ‘‘أرخبيل تشاجوس‘‘ ويتبع إداريًا لدولة موريشيوس التي كانت خاضعة للاحتلال البريطاني..

بريطانيا أعطت لموريشيوس استقلالها، لكن على شرط أن تقبل التخّلي عن تشاجوس مقابل 3 ملايين جنيه إسترليني..

ثم – في اتفاق سرّي- 

أجّرَت بريطانيا أرض تشاجوس لأميركا لمدة 50 سنة قابلة للتمديد لعشرين سنة إضافية مقابل تزويد بريطانيا بغواصات بولاريس الأميركية بخصم 14 مليون $ من ثمن كل غوّاصة …

‏لكن كانت العقبة كبيرة..

تشاجوس الخلّابة يقطنها أُلوف البشر، الذين سوف يعترضون على تدنيس أرضهم بالوجود العسكري الأميركي.. 

وما حدث كان مخيفًا.. ويجهله معظم العرب..

في سنة 1968 بدأت واحدة من أكبر عمليات التهجير والقتل برعاية أميركية-بريطانية..

والقصة يحكيها الصحافي الاستقصائي الاسترالي 

‘‘جون بيلجر‘‘ في كتابه 

‘‘الحرية في المرة القادمة‘‘..

‏الأدميرال الأميركي “جريثام” والسير البريطاني”جريتباتش” أطلقوا أمرًا سريًا ب ‘‘تطهير ‘‘ أرخبيل تشاجوس..

طلبوا من السكان الرحيل بهدوء على متن سفن بريطانية، لكنهم رفضوا..

فبدأوا في ترويعهم..

كانوا يعلمون أن سكان تشاجوس مرتبطين بكلابهم، يعتمدون عليها في الرعي والحراسة..

جمع الجنود البريطانيون كل كلاب الجزيرة، وأشعلوا مواقد عملاقة، وقاموا بشوي الكلاب وهي حيّة أمام أعين أصحابها.. ومن اعترض من السكان.. قاموا بِشَويِهِ معهم.

‏دبَّ الذعر في نفوس الجميع،

وعندما استيقظوا في الصباحات التالية.. إذ بالجنود الإنجليز يُخرجونهم من منازلهم ويحرقونها بالكامل بكل ما فيها..

وتركوهم في عز العراء، ومنعوا عنهم الطعام والشراب..

حملة تجويع كان لا بد أن يسبقها إعدام لكل الثروة الداجنة والحيوانية في الأرخبيل، وقد مات 400 شخص من سكان تشاجوس جوعًا.. وفي النهاية بعد ان خارت قواهم.. إضطرّوا للإستجابة لشروط بريطانيا العظمى.

‏صعدوا على متن السفن البريطانية.. ومن كان منهم مريضًا أُلقي في قاع المحيط الهندي، ومن وصل لموريشيوس مُنع من الحصول على الجنسية، وبقى في الشوارع متشردًا بعد أن كان عزيزًا وسط قومه، حتى حقهم في العمل صُودر منهم، فلم تجد فتيات تشاجوس حلًا سوى الإنتحار حفاظًا على أنفسهن..

شعب كامل سُحق وشٌرد وهٌجّر وقُتل.. حتى تحظى الولايات المتحدة بفرصة إقامة قاعدتها العملاقة ‘‘دييجو جارسيا‘‘ التي انطلقت منها الطائرات الأميركية لِدّك أفغانستان والعراق عامي 2001 و 2003

(بحجة محاربة الإرهاب في أفغانستان التي أُلصِقَت بها تُهمة تفجير برج التجارة الأميركي التي فجّرته أميركا بنفسها ليكون ذريعة لها في احتلال أفغانستان،واستدراج العراق للدخول على الكويت (بتُهمة حيازته لأسلحة الدمار الشامل بعد أن ساعدوه على محاربة إيران!!)…

‏دارت هذه المأساة في تشاجوس في صمت شديد في نهاية الستينات وبداية سبعينات القرن العشرين ..

وعندما بدأت في التكشف للرأي العام.. عُقدت لجنة سرية من وزارتي الدفاع الأميركية والبريطانية لحل ‘‘أزمة العلاقات العامة‘‘ التي سبًبها تهجير وقتل سكان تشجاوس.. وكان الحل ؟..

تقديم مساعدات إنسانية لما تبقّى من التشاجوسيين الذين ألقتهم السفن البريطانية في موريشيوس، ونُقل بعضهم لبريطانيا.. حيث أُطلقت حملة غسيل سُمعَة بقيام النواب البريطانيين وهم يلتقطون صورًا مع أطفال تشاجوس… 

وجرى بيعها للرأي العام باعتبارها ‘‘مسؤولية الغرب الأخلاقية‘‘ لنجدة سكان تشاجوس من الأذى الذي يتعرضون له على أيدي ‘‘الأفارقة‘‘ في موريشيوس!!.

‏هذا هو الغرب.. يسرق أرضك ثم يُهَجِّرُك، وإن اعتَرَضت يقتلك..

ألفُ سلاح مُعَلَّق في تسعة أصابع، ومن الإصبع يُلقي لك حفنة من المساعدات..

ليس لأسباب إنسانية..بل لِيِجد ما يدافع به عن نفسه إذا إنكشفت جريمته..

حسنًا لقد قتلنا ألفًا… وأنقذنا واحدًا من الجوع..

فليذهب الألف في سلَّة قمامة التاريخ، ولِنصنع بطولتنا من هذا الهزيل الذي أطعمناه بعد أن أهلكنا نسله.

‏يخرج الخَرِف بايدن والمُختل أولاف شولتس كل دقيقة ليذكّروا العالم بأنهم حذروا الإسرائيليين من القتل واسع النطاق، وأنهم على الدوام مستمرون بدعم الأبرياء الفلسطينيين ..

نفس الخدعة الغربية تتكرّر ألف مرة، وكل مرة بذات الطريقة..

القتل واسع النطاق والإحسان الشحيح لمن أفلَت من مِقصلتهم.. وكل أملهم فقط أن تُسرع إسرائيل في مهمتها.. القتل حتى الإبادة.. ثم يقيمون متحفًا للناجين.. لِبَقية بشر مزّعتهم الحرب ..

ويرمزّونها دليلًا على حضارتهم..

هي بالفعل كذلك..

حضارة الإفناء والمحو حتى لا يبقى على الأرض سوى من سار في ركابهم.

‏تشاجوس تتكرّر في فلسطين..

نفسه الطمع، وذاته الجوع، هي الإبادة عينها وهو الاستئصال بحذافيره..

 والرجل الأبيض هو هو.. يكره من يقاوم نموذجه.. ويمقت من يُطالب بِحَقّه… يُشَيطِنه.. يسعى لمحوه.. حتى إذا نجح في مُراده.. خرج علينا ليقول لمن تبقّى من شهود المجزرة “أنا آسف”..

ثم يخبرك أحدهم أن المعركة فقط مع الصهاينة …

والله أبدًا..

هي مع الغرب وحضارته أولًا وقبل كل شيء…

لعنة الله عليهم اجمعين.