المجلة الثقافية الجزائرية

قصة رواية خالدة

 ناجي ظاهر

لم تكن تُفكّر ولا في يوم من الأيام، بان تكتب رواية، وكان كلُ همّها أن تمضي الوقت بشكل مُرضٍ، بعد إصابتها في حادث سير، تسبّب في التزامها بيتها فترة من الزمن، وكان كلّ ما يُثيرها هو كتاب جيّد، يُحضره لها زوجها من المكتبة العامة فتُقبل على قراءته برغبة واهتمام شديدين، قرأت خلال تلك الفترة العشرات وربّما المئات، من الكتب التي كان يُحضرُها لها زوجها، إلى أن جاء يوم عاد زوجها وبيده عدد قليل من الكتب، فسألته عن السبب، فردّ علها قائلًا، لم يتبقّ في المكتبة كتب لم تقرأيها، لقد أتيتِ على جميع الكتب المتوفرة هناك.

بجي مارش، او مارجريت ميتشيل ولدت عام 1900، في مدينة اتلانتا الامريكية، وكان مولدها في عائلة أمريكية متعلّمة، عَملت مُراسلة صحفية. في أحد أيام عام 1929، تسبّب حادث سير مجنون في التزامها بيتها وتركها عملها، كما ذكرنا. الامر الذي دفع زوجها الداعم جون مارش، من كنتاكي الامريكية، لأن يُحضر لها دفعات من الكتب، حتى الموقف الأخير بينهما.

قالت له: هل حقا ما تقول؟.. ألم يتبق كتب في المكتبة لم اقرأها؟ ماذا سأفعل في الفترة القادمة؟

فكّر زوجُها جون قليلًا وتوجّه إليها قائلًا: لماذا لا تشرعين في كتابة رواية؟

انتهى الموقف بين الزوجين المثقفين، ومضى كلٌّ الى غايته، غير أن ما حدث فيما بعد، هو أن فكرة كتابة رواية استحوذ على اهتمام الزوجة، وكان السؤال الأول التي طرحته على نفسها، هو: هل يمكنها كتابة رواية؟.. بعد ارتباكاتها هذه، قالت لنفسها، لأجرب. وابتدأت في التفكير فيما عساها أن تختار من المواضع المتوفرة محورًا لروايتها العتيدة؟.. بعد تفكير مليّ قررت أن تكتب رواية عن الحرب الاهلية التي وقعت قبل سبعين عامًا في موطنها. لكن كيف يمكنها كتابة مثل هكذا رواية، تدور أحداثها في الزمن الماضي؟.. ومِن أين تأتي بالمعلومات المُدقّقة؟.. 

هنا ابتدأت في البحث والتنقيب، وها هي تبعث الرسالة تلو الأخرى، إلى هذه المؤسسة أو تلك، وتأتيها الردود على رسائلها مُحملة بالإجابات عما شغلها من أسئلة تحتاج إلى أجوبة، وها هي أيضًا، تجد نفسَها أمام كمٍّ كبير مِن المعلومات. لكن مِن أين تبدأ روايتها؟.. لتبدأ بكتابتها من الفصل الاخير!.. وهكذا كان، كتبت هذا الفصل، بعده أخذت في كتابة الفصول السابقة عليه. ولم يتبقّ إلا الفصل الأول. أما النتيجة التي توصّلت إليها بعد نحو العقد من الزمان، فهو أنها ملأت كرتونيتين، بمواد روايتها التي لم تكن تحلم بأن تصدر في كتاب.

كما سلف كانت احداث الرواية مُتعدّدة متشعّبة، وكان مخيالُ الكاتبة الطريّة الغضّة، قد توالد ونما رويدًا رويدًا، وها هي تتصادق مع بطلة الرواية سكارليت أوهارا، بل ها هي تُرافقُها في حلها وتنقلها من مشكلة الى أخرى، إن سكارليت اعتادت على أن تجد نفسها وقد ألِفت التنقل من حزن عادي إلى فرح مفاجئ، أما حياتُها اليومية، فإنها تتنقل مِن انفعال إلى آخر، وأما السبب فله علاقة عُضوية بالحرب الاهلية التي دارت في بلادها، وعاشتها في روايتها بكلّ ما خالجها من مشاعر، أحاسيس وأفكار. 

يلفت اندماجها شبه التصوّفي نظر زوجها، فيرسل نحوها نظرات التقدير والاعجاب، ويسألها عمّا سيكون عنوان روايتها العتيدة. بعد تردّد وتحفّظ على كلمة رواية الكبيرة، تُخبره أنها ستُطلق عليها اسم ” ذهب مع الرسح”، أما مصدر هذا العنوان فهو عنوان قصيدة للشاعر ارنست دوسونز.

تمضي الأيام، الشهور والسنين، وكاتبتنا، المراسلة الصحفية المتقاعدة، تنكبّ على كتابة روايتها، وها هي الرواية تقترب من الاكتمال بكلّ ما جرى فيها من أحداث بعضها جسيم وبعضها الآخر حميم، وتتوقّف كاتبتُنا عند الفصل الأول، إنها تتردّد في كتابته، وكأنما هو الفصل الأخير، في روايتها تلك، فلماذا تكتب هذا الفصل وهي تدرك تمام الادراك، أن روايتها لن تُنشر، وأن ناشرًا لن يُقدم على نشرها وإصدارها في كتاب.

هكذا تتوقف بجي مارش عن الكتابة بانتظار معجزة تفضي إلى نشرها واصدارها في كتاب، إلى أن تلتقي بالصدفة بناشر كبير متحمس ويبحث عن كُتاب ناشئين لينشر لهم أول عمل روائي لهم. وتخبره السيدة مارش أنها كتبت رواية وأنها ترجو أن ينشرها ضمن اصداراته الخاصة. هذا الناشر بلدياتها- من مدينة اتلنتا ذاتها، ويدعى هارول. س. لاتام، يطلب منها أن تقدّم له روايتها، فتستجيب لطلبه، ويُقال إنه عندما رآها وقد دخلت إليه محتضنة كرتونتين.. كاد يُغمى عليه، ومع ذلك قام بإرسال الرواية إلى قارئ مجتهد ومجدّ يعمل في دار نشره، وجاءت النتيجة بسرعة البرق، الرواية مُميّزة، وقد تكون من اهم الروايات التي قرأها حتى ذلك الوقت. ونُشرت الرواية، لتتحوّل صاحبتُها، بين ليلة وضحاها، من أشهر الكُتاب في العالم، وليباع من الرواية في مختلف العواصم الأوروبية، نيويورك، لندن وباريس، إضافة إلى مدن أمريكية مختلفة الملايين من النسخ. 

بسرعة غير معهودة تحوّلت رواية ذهب مع الريح، إلى فليم سينمائي، ما رفع من أسهم الرواية، وما جعلها بالتالي محورَ نقاشات مُتعددة ومُطولة حول الحرب الاهلية الامريكية، كلّ هذا يجري وسط صمت صاحبتها مارجريت ميتشل، ويكاد الناس أن ينسوها، رغم إقبالهم على قراءة روايتها العظيمة تلك، إلى أن يقع الحادثُ الثاني المُريع في حياة كاتبتنا. ففي أحد أيام عام 1949، يوم 8-11 من ذلك العام، تتعرّض صاحبة الرواية لحادث مروري آخر، غير أنها لا تنجو منه تلك المرة. هكذا تفارق كاتبتنا الحياة، مُخلّفة وراءها أثرًا ادبيًا وحيدًا لكنه عظيم، ويُقبل على قراءته الناس حتى فترتنا الجارية، في اصقاع مُختلفة من العالم، لتظلّ رواية ذهب مع الريح شامة وعلامة على خد القرن العشرين.