المجلة الثقافية الجزائرية

قصة لم تكتمل

 د. أحمد بن ناصر الرازحي

دخل المعلم متضجرا إلى الفصل ليشغل حصة اﻻنتظار التي أوكلت إليه.. كان يحمل كتابا ضخما.. أراد قراءته في صمت ..

لم يرق له ذلك.. وقعت عيناه على قصة في ذلك الكتاب قرأ مطلعها فوجدها شيقة.. أراد أن يرى أثرها على الطلاب الصغار القابعين خلف الطاوﻻت المهترئة..

نظر إليهم قائلا:

استمعوا إلى القصص المثيرة..

أصغى إليه أولئك الصغار باهتمام.. شرع في قراءة القصة.. بدأت القصة تشدهم

ما إن اندمجوا مع تلك القصة حتى دوت صفارة نهاية الحصة..

انزعج أحمد من تلك الصفارة المنحوسة.. ألم يكن باﻹمكان تمديد تلك الحصة ليسمع بقية القصة؟

قطب وجهه الطفولي دون أن ينبس ببنت شفه.. كان الحزن يختبئ في داخله.. لكنه صمت لينهي يومه الدراسي مقهورا..

انتهى اليوم الدراسي وجمع الطلاب أدواتهم المدرسية وغادروا مقاعدهم..

قام أحمد من مقعده وخرج إلى ساحة المدرسة..

سمع مناديا يناديه.. ياولد.. التفت وإذا هو ذلك المعلم صاحب القصة..

تقدم إليه وجلا.. كان في داخله يتمنى لو يكمل له القصة لكنه ﻻيجرؤ على طلب ذلك

قاطع المعلم أفكاره..

ياولد..

 التفت إليه وكأنما انتشله من سرحانه ذلك 

 هاه قالها بذهول: نعم يا أستاذ

 ما بك يا ولد فيم تفكر؟

لا شيء لاشي يا أستاذ 

حسنا ادخل هذه المبنى العتيق..

 واذهب للغرفة الفلانية.. ستجد كتابا ضخما.. احمله وائتني به..

تفتحت أسارير أحمد فرحا.. وابتسم ثم عاد إلى سرحانه وتسمر في مكانه

التفت إليه المعلم وهو لا يعرف اسمه

ولد ما بك لا شيء لا شيء يا أستاذ

قالها بابتسامة غريبة أثارت استغراب معلمه لكنه لم يأبه لها كثيرا

 قال الولد في نفسه ﻻ شك أنه ذلك الكتاب الذي كان معه.. بالتأكيد هو لا غيره

وضع أحمد حقيبته جانبا وانطلق إلى حيث أرسله ذلك المعلم ليجد ذلك الكتاب ملقى على دكة قديمة قد غطاها التراب..

فتح عينيه مذهولا

يبدو أنني أحلم نعم إنني أحلم

حمله فرحا ثم نظر في غلافه..

قرأ عنوان ذلك الكتاب (جواهر اﻷدب)..

أودع ذلك العنوان في ذاكرته، وحمل الكتاب. وضمه إلى صدره فرحا وعاد ليناول المعلم كتابه

وعاد ليتسمر في مكانه مبتسما وهو يحدث نفسه دون أن يأبه للمعلم الذي ينظر إليه باستغراب شديد لكن دون أن يسأله عن شيء 

لم يلق أحمد بالا لنظرات المعلم التي يخالطها بعض الاستغراب في الوقت الذي كان يحدث نفسه:

 كم أنا محظوظ، لقد عرفت عنوان الكتاب، وسأطلب من والدي شراء كتاب مثله لي. 

 غادر إلى بيتهم العتيق في قريته الوادعة.. لم يكن البيت بعيدا، كان يسير وهو يتقافز فرحا دون أن يعلم ممن يراه سر فرحه وابتهاجه 

نسي صورة ذلك المعلم الذي رآه مرة واحدة كانت هي الأولى والأخيرة

لكنه لم ينس صورة ذلك الكتاب ولا عنوانه 

لم يخبر أحدا حتى أمه لم يخبرها بشيء، لكن القصة التي لم يكمل المعلم قراءاتها ظلت متقوقعة في ذاكرته تبحث عن بقيتها ولكن كيف ومتى 

يبدو أنه كان يظن أن في سوق المدينة كل شيء، وأن من السهل أن يأتي بمثل ذلك الكتاب، صور له عقله الطفولي سهولة الحصول على كل شيء وقتما يشاء

لم يكن جازما في اعتقاده، لكن بعض الظن الإيجابي يساوره ويتردد على ذهنه بين الفينة والأخرى 

ذات يوم قال ﻷبيه

عندما تذهب إلى سوق المدينة يا أبي ابحث لي عن هذا الكتاب، وأخبره باسمه..

حفظ ابوه اسم ذلك الكتاب كما حفظه أحمد من قبل، وعلى الفور أشار برأسه أن نعم حسنا يا بني

لم تكن المكتبات متوفرة في تلك الأيام، ولم يكن الأب خبيرا بها وبأماكن وجودها 

بحث في سوق المدينة الصغير حيث يتوقع بيع الكتب عن كتاب بهذا الاسم، فلم يجد سأل هنا وهناك كلهم يجيبونه بعدم المعرفة

نسي الابن الكتاب، بعد أن أخبره أبوه أنه لم يجده

لكن الأب شعر في داخله أن ابنه متعلق بهذا الكتاب وبوده لو أحضره له

كتم الأب ذلك الشعور ولم يبح به، وبوده لو يجده بأي ثمن

لكن لا جدوى

زار الأب يوما يوما صديقه محمدا..

وفي أثناء محادثتهما لفت انتباه أبي أحمد كتابا ضخما عنده موضوعا على مقربة منه

نظر إليه نظرة عابرة دون تدقيق ثم صرف نظره

وبعد أن انصرف عنه شعر بفضول يدعوه لإعادة النظر في ذلك الكتاب وكأن شيئا ما يدعوه لمعاودة النظر في غلاف ذلك الكتاب ذي اللون البني الغامق 

لم يستطع أبو أحمد مقاومة فضوله وعاد لينظر إلى ذلك الكتاب مرة أخرى 

حدق بعينيه، وقرأ عنوان الكتاب، فشعر بأن علاقة ما تجذبه نحو هذا العنوان

يبدو عنوانا مألوفا لديه، أو كأنه قد سمع به أو رآه يوما ما 

لكنه لم يكن ممن يقتنون الكتب فهو لا يعرف كتابا سوى القرآن الكريم الذي يقرأ فيه دائما، أو ربما بعض الكتب المدرسية التي مرت عليه أثناء دراسته أو دراسته ابنه الوحيد 

وفجأة اكتشف ذلك الانجذاب 

أنا لا أصدق عينيّ، إنه ذات العنوان الذي طلب ابني شراء الكتاب الذي يحمله نعم إنه هو

وببهجة اتضحت على محياه، قال لصديقة محمد

أتدري أن هذا الكتاب قد طلبه مني ابني أحمد ولم أتمكن من الحصول عليه

وما دام الكتاب لديك فأنت تعلم مصدره ومن أين يمكن الحصول عليه

– نعم بالتأكيد هو موجود وثمنه خمسون ريالا

– حسنا ياصديقي محمد هذه خمسون ريالا وائتني بكتاب مثله

– أبشر يا أبا أحمد سآتيك به حال ذهابي إلى

– شكرا لك لن أنسى معروفك أبدا

بعد بضعة أسابيع التقى الصديقان أبو أحمد، ومحمد

– طمني يا محمد هل أحضرت لي الكتاب

– لا والله يا أبا أحمد لقد بحثت عنه كثيرا ولم أجد مثله

شعر أبو أحمد بالحزن لهذا الخبر، لقد كان حريصا على أن يسعد ابنه بهذا الكتاب ولكن للأسف لم تتم فرحته

ناول محمد المبلغ الذي أخذه من أبي أحمد، تناول المبلغ وهو يشعر بالحزن

لمح محمد الحزن في عيني أبي أحمد، وهو يهم بالمغادرة نظر إليه ثم ناداه

– أبا أحمد سأقول لك شيئا

– تفضل

– لقد أضمرت في داخل أن تأخذ الكتاب لأحمد

تهللت أسارير وجه أبي أحمد ورمى له بالمبلغ الذي استرجعه منه

– لالا يا أبا أحمد أن لا أريد أن أبيع منك الكتاب ولكنني أريده هدية مني لابنك أحمد ما دام يحب القراءة بلغه سلامي وقل له هذا الكتاب هدية لك من عمك محمد

– شكر أبو أحمد صديقه محمد وحمل ذلك الكتاب الضخم وسرى به ليلا طمعا في الوصول قبل أن ينام أحمد

وصل المنزل ليجد ابنه أحمد يغط في نوم عميق

وضع الكتاب بجانب أحمد وذهب إلى فراشه لينام

مضى الليل بطوله وأقبل الفجر وحين شعر أحمد بخيوط الضوء تداعب وجنته استيقظ من نومه، وقام يفتح عينيه

كان شيئا ضخما بالنسبة له ملقى بجواره

تساءل ما هذا مد يديه وعيناه ما تزالان ساهمتين بعد النوم

مسح على عينيه وتلمس بأطراف أصابعه ذلك الشيء الملقى بجواره

إنه شي يشبه المكعب

ما هذا ؟

حمله نظر إليه هذا كتاب!!

ارجع البصر في غلاف ذلك الكتاب الضخم

ما هذا يا للهول !!

أأنا أحلم أم أني فقدت الذاكرة

أنا لا أصدق إنه الكتاب طالما حلمت باقتنائه

مستحيل هذا غير معقول

كيف وصل إليّ

أبي أبي أبي

ما هذا ؟

هل أن في حلم أم في علم

– أنت في علم يابني

– لقد حقق الله حلمك، ومنحك هذا الكتاب هدية لك، فاحمد الله على فضله

– حقا يا أبي

ضم أحمد الكتاب إلى صدره ثم وضعه ووثب من مكانه يقبل رأس والده ويديه ويدعو له بكل جميل ولعمه محمد بالمثل ذلك الرجل الشهم الذي أهداه الكتاب

وبفرحة غامرة قال: أخيرا وجدت بقية القصة التي طالما حلمت بإكمالها

– الان يمكنني القول إنني سأرى بقية قصة المرأة المتكلمة بالقرآن الكريم