الطيب طهوري
أفراح
كانت الليلة ليلاء..لم يتوقف لم يتوقف رعدها ولو للحظات..ولا مطر رأينا..الريح عاتية تذرو رمالها بغزارة والناس خوف رهيب واستعفار متواصل.. حين استيقظوا لم يجدوني..ولم يجدوك ، كما قلت لي..بحثوا عني في كل مكان في البيت ولم يجدوني..بحثوا عنك أنت الآخر ولم يجدوك..كنت في أشد مرضي ..وكنت مثلي.. وحين خرجوا باحثين وجدونا في منتصف الطريق .. قال بعضهم: إنه وحده.. وقال آخرون: إنه اثنان.. حملوني على أكتافهم وعادوا بنا إلى الدار.. بعد الظهيرة قال بعضهم: علينا بدفنه الآن..وقال الأخرون: علينا بدفنهما..لكنهم عجزوا عن حملنا..جاءوا برافعة وعجزت بدورها..رفعوا أيديهم إلى السماء طالبين مساعدتها..ولم تستجب السماء..وحين عمهم اليأس غادروا عائدين إلى منازلهم تاركيننا وحدنا.. *** أسأل وتسأل في نفس اللحظة:اينا هو الميت؟،انت أم أنا؟..الجثة أنا والتابوت أنت والذين يحملوننا على أكتافهم انت وانا وأنا وانت.. والمقبرة لا نعرف الطريق اليها..
نسأل: أين المقبرة ؟ فيشيرون الينا..
تسألني: هل ندفننا فينا؟
واجيبك: لنحفرنا إذن..
تضحك وترد علي: لكننا بلا فأس ولا مجرفة معنا،وايدينا لا تتحرك،فكيف نحفرنا؟..
+++
نعود بنا إلى الدار..الكلاب التي كانت تعرفنا لا تعرفنا الٱن ،تصير نباحا ليليا لا يتوقف، والدجاجات تخرج من خمها وسعيدة تشرع في التهام دودنا..
تسقط ميتة قطة اكلت شظية كانت في لحمك..يسقط ميتا ديك اكل رصاصة كانت في لحمي..ونضعهما معنا في التابوت..
ننتبه..الشمس تشرق علينا..يصيح الديك وتموء القطة..هيا،نقول لنا،ونحملنا أنا وانت وانت وأنا..
+++
إنه منتصف نهارنا،أقول لك..
وتقول لي: ومنتصف نهارهما،لا تنس..
ايه،ايتها الريح،لماذا ترميننا بغبارك هذا الكثيف؟،نقول معا..يصيح الديك وتموء القطة..ولا تسمعنا الريح..وسرب الفراشات التي كانت تزين سماءنا ترميها الريح بعيدا بعيدا..
نصطدم بشجرة ونسقط..
لماذا وقفت في طريقنا،ايتها الشجرة؟..ولا تسمعنا الشجرة..
نحملنا من جديد..ونجدنا في الغابة والجهات قد ضاعت منا..
في السماء ازيز طائرات نسمع..في الأرض نسمع صرير مجنزرات..في البعيد نرى منازلنا وأحياءنا..نرى شوارعنا ومصابيحها وظلامها..نرانا في الداخل احاديث عنا ..نرانا دموعا ساخنة وصغارا يجرون غير مبالين بما يرون..ونرى الهدم والردم الذي سيرون..
هل داهمك الخوف،يا أنت؟..وانت،هل داهمك؟..تقفز القطة فينا والديك يغرس ريشه..ونسقط ..
+++
إنه المساء،تقول لي..
لم نجد مقبرتنا،اقول لك،هل نعود؟..
نعود؟،كيف؟،والى أين وقد ضيعنا الجهات؟..
أضحك: نعود الينا،يا أنت..
تضحك: نحن فينا،يا أنت..
ننهض من سقوطنا..في اللحظة نفسها تنشق الأرض ونكون فيها فرحين..تموء القطة فرحة..يصيح الديك ويرفرف جناحيه فرحا..
الدود أيضا يسقط في عمقنا فرحا.. الاشجار..المجنزرات..القمر..
ويصير الكون كله افراحا..
وفرحا يستقبلنا المعري من جهة،فيما يستقبلنا نيتشه بابتسامته العريضة،من جهة أخرى..
سطيف:01/06/2026
حنين كلب
كان الفصل ربيعا والوقت صباحه حين وضعوك في شاحنة عمي الحشاني مع نعجات أخريات وتوجهوا نحو سوق الأنعام.. تحركت ارجلي الاربعة بسرعة عجيبة ورحت الهث والطريق خلفك يزداد طولها كلما مر الوقت..حين اختفت الشاحنة عن ناظري راحت رائحتك تدلني عليك..وها انذا في السوق..النعاج والعنزات والبقرات جماعات جماعات ،والناس في هرج ومرج يبيعون ويشترون..
يا الهي،لقد لحق الكلب بنا،كيف قطع كل تلك المسافة ووصل الى هنا ؟ ،تساءل في سره..استغليت حديثه مع مشتر كان يجسك واقتربت منك..التفت إلي ورحت تشمينني..ورحت احرك ذيلي وأشمك بدوري..
بعصاه الغليظة ضربني وفرض علي مغادرتك..وعلى جانب الطريق التي جاءت بي وبك اقعيت على مؤخرتي ورحت انتظرك..لكنك لم تمري بي ورائحتك لم اشمها..روائح النعاج والعنزات والبقرات والكباش والعتاريس والثيران والبائعين والمشترين اختلطت علي في حرها وضيعت مني رائحتك..
+++
وكان الليل قد حل بي حين عدت الى الديار متعبا وحزينا..اسرعت اليك..لكنك لم تكوني هنا..في مكانك كنت انا..كنت عطشا.. إناء الماء أمامي،ولم اشرب..جوعا..وضعت زوجته الاولى الأكل لي،ولم ٱكل..وعادت رائحتك إلي بكل عنفوانها..عاد عشبك الذي كنت تجترينه وحليبك يسيح على شفتي..عادت الحمادة وشيحها..الجلف وسنابله..عاد خروفك الذي ذبحوه في عيد هذه السنة..انطلقت الريح عاصفة وراح مطرها يهطل رملا غزيرا..دموعي هي الاخرى هطلت بغزارة حارقة..
+++
في الصباح هدأت العاصفة واشرقت شمسك في..مسرعا خرجت..ساجدك في قطيع ما،قلت لك في بعيدك..في جهتك التي لم احددها..كنت اشق الأرض بوهادها ونجادها..بهضابها وسهولها..كل قطيع اراه الهث إليه..واغادره خائبا..
حين حل اليأس بي ومالت الشمس الى غروبها عانقتني رائحتك بكل عنفوانها من جهة الغرب..كان القطيع في بن ضافي.. وأسرعت اليك نابحا..وسمعتك: بٱٱٱ،بٱٱٱ..خلف الصخرة اختبأتِ وقريبا منك اختبأتُ خلف صخرة أخرى..وحين ابتعد القطيع عانقتك..وكنا بكاء سعيدا..
+++
كنت ،ونحن نسير ، انظر اليك وتنظرين إلي فرحا عميقا..وكان المغرب قد مر بنا في الطريق..
اسرعي،قلت لك، قد تشم الذئاب رائحتك وتهاجمنا..واسرعنا..
قال وهو يقف أمام باب المنزل،وكنتِ لحظتها خلفي: ترى،اين ذهب الكلب اللعين؟ منذ الصباح لم يظهر له نباح،ترى أين ذهب؟..ونبحت..استدار إلى جهتي..ها هو قد جاء،ورفع عصاه يهددني..لكنها بأبأت ..رمى عصاه واسرع اليها..ووجه السؤال إلي فرحا: ايها اللعين اين وجدتها؟ وكيف جئت بها؟ ،ومد كف يده اليسرى يمررها على رأسي،فيما كانت يده اليمنى على رأسها..
لن ابيعك مرة أخرى،قال..
اكمل وهو ينظر إليها والي بعمق: لن افرق بينكما أبدا أبدا..
سطيف:07/06/2026


