المجلة الثقافية الجزائرية

قناع شفاف

عبدالعزيز الظاهري

أبي الذي عاش طيلة حياته طاهرًا بريئًا، تبدلت أفكاره واستبدل قناعه الفطري بقناع آخر ليصبح شرسًا، يختلق المشاكل مع الجميع، قلقت عليه، وكرهت أن أراه بهذه الحال.

كنت أتساءل عن سبب هذا التحول؟ أردت أن أسمع منه، ولكن منعني حيائي وخوفي، فأبي لم يعد ذلك الرجل الذي أعرفه.

ولكن تفاصيل القصة الغامضة التي أزعجتني تجلت.
لقد عرفت سبب ارتداء أبي لذلك القناع عن طريق الصدفة.

ففي أحد الأيام سمعت أمي وهي تنتقده قائلة: ماذا أصابك؟ أصبحت تصرفاتك غريبة! على غير عادته اقترب منها ورفع يده وصرخ في وجهها وأخذ يرعد ويزبد مرددًا: ماذا تقصدين؟ أصبحت مجنونًا في نظرك؟
تلاقت عيناه بعينيّ والدتي المذعورة، وقف لثوان ثم جلس، وأخذ يضرب برأسه على الطاولة كأنه في نوبة صرع، ورفع رأسه وقال ثائرًا: يريدون مني أن أصبح دجاجة!!
فقالت أمي بانزعاج: ماذا؟ دجاجة؟!!

فقال أبي: نعم دجاجة.

وقام ببطء من مكانه واتجه للنافذة وظل يحدق في الخارج، ثم التفت نحوها، وقال بغضب: تتغير الدنيا لا بأس، فهذا حالها، إنما تتغير الأمثال هذا شيء لا يطاق.
أشكو لهم حالتي وهضم حقوقي، ويقولون لي: هذه ليست مشكلتنا، بل هي مشكلتك أنت، صوتك غير مسموع، كان بإمكانك أن تكون دجاجة مزعجة تولول وتصرخ لتبيض بيضة!

لا سمكة تنتج آلاف البيض من دون أن يُسمع صوتها.
انظري، الدجاجة التي هي مثلٌ للضعف والهوان في ثقافات العالم أجمع، أصبح لها شأن عندنا، يشار لها بالبنان، تخيلي أن أحدًا يمتدح رجلًا وبدلًا من أن يدعوه: يا ذئب، يناديه: يا دجاجة!

فجأة انفجرت أمي ضاحكة، بينما تسمر أبي في مكانه ينظر إليها متعجبًا!

اقتربت منه وهي تمسح دموعها التي فاضت من فرط الضحك، وقالت بحنان: أنت سمكة وستموت كسمكة هذا قدرك يا عزيزي، لا تقلق فنحن بحرك.