بقلم / على حزين
اقترب منه، همس في أذنه، بنبرة هادئة، قال له:
ــ أعترف ..؟!
نظر إليه، مستغرباً، تأمله، ولم يرد عليه، طرح عليه نفس السؤال، وهو يبتعد عنه بضع خطوات، بطريقة أخرى:
ــ الأنكار لا يفيد ..؟!
صرف نظره بعيداً عنه، وراحت الذكريات تعربد في رأسه، تذكر..
“كانت تتعمد شد انتباهه إليه بإطالة النظر إليه، والإقبال على حديثة، والاهتمام به، وعندما كان ينظر إليها، كانت تبتسم له، ابتسامة جميلة مريحة، فكان يرتبك، ويشعر بقلبه وهو يخفق في صدره، فيهرب بعينيه بعيداً حتى لا تلاحظ شيئاً عليه، لكنها كانت تعرف بأنه لن يستطيع المقاومة أمام أسلحتها، وشباكها التي نصبتها له، وكان سعيداً جداً بهذا الاهتمام.. وكأن شيئاً ما قد جمع بينهما، لا يدري ما هو، وكانت تأخذه عيناها إلى عالم آخر، جميل، اشبه ما يكون بعالم الأحلام، والسحر، والخيال، وكان يشعر بالسعادة، ويحدث نفسه بأنه محظوظ جداً”…
يأتيه صوت الواقف أمامه، وهو يغالب ابتسامة تريد أن تظهر، لكنه لم يفعلها.
ــ فيما تفكر
بنبرة هادئة، اقترب منه، وهو يرد عليه.
ــ لا شيء ..!
أخرج له سيجارة، يشعلها، دفعها له وهي مشتعلة، أمسكها منه ووضعها في فمه.
ــ الإنكار، والهروب لا يفيدك، صدقني…
قالها له بعدما هزه من كتفه، ونظر في عينيه نظرة ذات مغزى،
ــ ……………
تصبب عرقاً، أخرج منديلاً من جيبه، جفف به شلال العرق المنهمر فوق جبينه، وهو يبتعد عنه خطوتين أو ثلاثة، شعر بالإعياء يفت في جسده المتهالك، يخرج سيجارة من فمه، ببطء، يقف، بجوار النافذة المطلة على الليل، سحب نفساً عميقاً، حبسه في صدره, ثم نفخه في الهواء، وهو ينظر في الفراغ الذي أمامه, يرى صورتها أمامه، وهي تبتسم له، وتستدعيه ذكرياته من جديد، يتذكر..
“أول عهده بها، حين ظهرت فجأة في حياته، وكيف تعرفت عليه، وكيف جعلته يحبها، وكيف خدعته، ولم تخبره بأنها متزوجة برجل أخر… وكيف… وكيف…”
همس في أذنه، يسحبه من تداعياته، وهو يرنو إليه، يتأمله،
ــ هل كنت متأكداً من حبها لك …؟..
ــ …………
يصمتْ ولم يرد عليه، يأتيه طيفها، يقترب منه ثانية، يتركه، ويتجه نجو المكتبة، يمسك كتاباً، يمسح التراب العالق به، يفر أوراقه بين يديه، بنصف عين مفتوحة، ينظر إليه.
ــ كيف حدث هذا
ــ …………
بملامح حادة، استدار نحوه، استقبله بوجهه، أقبل عليه، من جديد غرز عيناه في عينيه، بنبرة ممطوطة خفيضة، مال عليه، وقال له:
ــ والآن ماذا ستفعل ..؟!ّ
ــ ……….
هرب من سؤاله الصعب، ومن عينيه الواسعة، نهض، ليضع الكتاب الذي في يده، مكانه، بعيداً، دون أن يلتفت إليه، ثم شاح بوجهه بعيداً عنه، ولم يجبه..
تستدعيه الذكريات, من جديد، تمر من أمامه، تبتسم له، فيبتسم لها، وهي تنتظره في نفس المكان، كوردة بيضاء معطرة، وهي تنظر في ساعة يدها، وقلبه يكاد أن ينقلع من صدره لما راها أول مرة، جمالها لا يقاوم، وحسنها يأخذ من يراه، وتجعل العقل يطير من الرأس، وكانت تنظر إليه وتطيل النظر, كأغنية ساحرة، وهو ينظر إليها، يتأملها، مدهوشاً من شدة جمالها، ويستمع لصوتها العزب، مجذوباً إليها بقوة خرافية خفية لا يدري ما هي، ولا كيف هي، أحبها من كل قلبه, فسكنت فيه، وهام بها” …
يأتيه الصوت هذه المرة، من أمامه، ينتزعه من ركام تداعياته، وذكرياته البعيدة، وهو يدنو منه، بخطوات، بطيئة، ثقيلة، قاتلة:
ــ أتعلم أنها امرأة متزوجة ..؟!
قالها له وهو يجز على أنيابه، وقد ضغط على رابطة العنق “الكرفته” وأخفض من حدة صوته، حتى لا يفزعه
ــ …………….
ترك الكتاب من يده، اقترب من المرآة لينظر فيها، راى الشعر الأبيض راح يغزو راسه، والتجاعيد أخذت طريقها للظهور بشكل ملحوظ، مسح وجهه، وتحت عينيه، وهو يتمتم:
ــ ولما لا ..!!
عبث بلحيته التي طالت, فكر في الأمر ملياً.. وهو يرنوا إليه، داعبته بنات أفكاره، أراد أن يعترف له بكل شيء، ويضع النقاط على الحروف، وأراد أن يتكلم، أن يصرخ في وجهه، ليقول له الحقيقة، لكنه لم يتكلم، ولم يصرح، لم يجبه بشيء، فقط، لاذ بالصمت، وهرب منه، ومن سؤاله، ولم يرد عليه في هذه المرة أيضاً
ــ …………….
يشعل سيجارة أخرى، يقهقه، بهستيريا، ينفخ دخان سيجارته في وجهه، يدعه يهدأ قليلاً، يقترب منه أكثر, يعود يدور حوله، يضع سيجارته يدسها تحت حذائه، يدهسها تحت حذائه القديم.
“كانت وقتها حائرة، وكانت الرؤية شاحبة، حين جلست بالقرب منه، وقد بدت له كوردة بيضاء جميلة، أو كفراشة ملونة مثيرة , جلست على أريكةٍ تحت شجرة، تنظر في عينيه، تتأمله، وهو لا يستطيع أن يتحكم في أفكاره، ولا في ضربات قلبه، ومرت دقائق لا تحسب من عمر الزمن، وهو ينظر إليها، يتأملها بحب، وسعادة غامرة، هكذا كانت البداية، وهكذا تعرف عليها وسط الخَضار، ثم دار حوار طويل بينهما.”
مرة أخرى يستدعيه، ليسأله، بعدما شبك يديه خلف ظهره، بصوتٍ فيه حزن:
ــ لماذا فعلت هذا ..؟!
قالها بنبرةٍ حادة، ليشرخ غلاف الصمت الذي أطبق على المكان، وهو ينتشله من ركام ذكرياته
في هذه المرة، بصوت منهك خفيض، بعدما جلس على أقرب أريكة، بجواره، وهو يفتش في الكتاب الذي عاد وأمسك به مرة أخرى:
ــ لا أدري…….
قالها له وهو يجز على أنيابه، وقد أخفض صوته بعض الشيء، ثم أكمل كلامه، بعدما أعطاه ظهره بنفس ذات النبرة الحادة،
ــ أنا لا أعتقد أنك غبى إلى هذه الدرجة..
بعدما ابتعد عنه بضع خطوات، واثقاً من نفسه، يضع يده على كتفه، يصن، يتطلع في وجهه، همس في أذنه
ــ منذ متى حدث هذا..؟!
التفت إليه، وهو يريد أن يقول له شيئاً، ويصرخ في وجهه، أرد أن يقول له الحقيقة لكنه لم يفعل، يعود ليقف مكانه، من جديد يأتيه صوت صديقه، مشفقاً عليه، وهو يقول له:
ــ لكنك، أذيت نفسك، أنت قتلتها… أتعرف هذا..؟!
يبتعد عنه، وهو يحاول أن يتذكر.. منذ متى وهو هنا..؟ وكم مضى من الزمن، وهو هارب، منها، ومن الناس، مختبئاً في هذا المكان البعيد، وقد أغلق هاتفه، حتى لا يعرف مكانه أحد، ولا يصل إليه أحد، فهي التي أجبرته على ذلك، بعدما عرف بأنه ما كان، بالنسبة إليها، إلا وسيلة، قنطرة، أو كبري أرادت أن تعبر عليه لتصل إلى شيءٍ كانت تريده ………
وضع منديله على جبهته، وأشاح بوجهه بعيداً عن وجه صديقه، حتى لا يرى دموعه وهي تتساقط على الأرض، وصديقه الواقف فوق رأسه، ينظر إليه في صمت , وقد تأثر بما رآه, وينتظره أن يهدأ …..
********************
على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر
تمت مساء الأحد 12 /3 /2023


