المجلة الثقافية الجزائرية

كأس أفريقيا للأمم ورحلة ساحل العاج الملهمة!

أجدور عبد اللطيف

يهيم ملايين البشر عبر العالم، من كل الأعراق والرقع الجغرافية، بكرة القدم هياما غريبا، إذ أصبحت اللعبة الأولى على العالم مشاهدة وممارسة وتأثيرا في الشعوب، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، خاصة خلال الخمسة عشر سنة الأخيرة، للحد الذي يجعل الكثيرين يعبرون عن تضايقهم من الزخم الكبير الموجه إليها، والاعتمادات المالية المرصودة لها، ولعل كل هذا الهوس وكل هذا الشغف يرجع ببساطة شديدة، إلى أن كرة القدم، لحد يكاد يماثل المطابقة، تشبه الحياة.

إن قصة هذه النسخة من الكأس الأفريقية، هذه الأرض التي كانت عبر التاريخ مرتعا للحكم والأسرار والتراجيديات، تعتبر نسخة جنونية، قفزت على المنطق، وقدمت لنا دروسا ملهمة في سحر الصبر والمثابرة وجبروت الإيمان، وإعجاز التصميم والإلحاح، إذ إن بطل النسخة ساحل العاج، تعرض لخسارتين في دور المجموعات، وهي نتائج عجلت بإقالة مدربه، وكذا تقصيه بشكل مباشر منطقيّا، لكن نظام البطولة هذه السنة ترك له فجوة دقيقة ليتطلع إلى أمل التأهل، وذلك ضمن أفضل الثوالث، كان له ذلك بالضبط بعد فوز المغرب بمبارته ضد زامبيا، لكن المثير أنه وهو متأهل ثالثا، لم يتأتى له ذلك إلا بفارق هدف وحيد عن الفريق الزامبي، أي أن هدفا واحدا إضافيا في مرماه أو في مرمى خصومه كان ليحرمه من التأهل، لذا فإن تأهله كان عبر ولوج الجمل في سم الخياط.

يبدو أن البداية المتعثرة استنفرت حواس الفيل الأفريقي، ودقت نواقيس الخطر المحدق الذي نجا منه بأعجوبة، لذا فالرحلة في مراحلها اللاحقة، استمرت بإيمان وتصميم عظيمين، واستغلال بديع للضغوطات والانتقادات اللاذعة ومشاعر الخيبة والانكسار، التي تلت الهزيمة برباعية أمام غينيا الاستوائية، ومنذ تلك المباراة انطلقت الملحمة التي أطاح خلالها منتخب ساحل العاج بمنتخبات كانت مرشحة حصرا، كالسنغال ومالي ونيجيريا، ويحصد في نهاية المطاف اللقب.

العائد من الموت يعيش طويلا، مقولة شائعة يبدو أنها من القوانين التي تحكم تفاصيل التاريخ البشري والرحلة الإنسانية بكل تقلباتها وعجائبيتها، فالمنتخب الذي كان مقصيا، عاد بمعجزة وحقق اللقب، ومهاجم ساحل العاج هالر الذي كان يصارع السرطان قبل سنتين، عاد وتعافى، بل وسجل هدف الفوز باللقب في النهائي ضد نيجيريا، إن كرة القدم كما يشاع ليست مجرد لعبة، بل إنها عواطف ودراما محضة، بسيناريوهات لا تخطر على خيال، تتلوها حينا دموع وحينا احتفال، إنها سلوان الشعوب التي لا تنتظر من الحياة الكثير لتكون سعيدة، وأفريقيا عودتنا على الفرحة، وعلى خلق السعادة والملاحم من اللاشيء، أفريقيا كما تعودت أن تفعل دائما، قدمت لنا مجددا دروسا مجانية في الكرة كما في الحياة.