عبد الكريم ساورة
في لحظة من حياتنا، نشعر أننا لم نعد نرغب في أي شيء، ربما تسلل الملل إلى حياتنا، وربما حققنا الإشباع الكامل من فرص العيش، وربما لم يعد للمتعة مكان بيننا، وهنا نجد أنفسنا نحاول الهرب من كل شيء، من المقربين من العائلة، من الأصدقاء، وقد يصل الأمر إلى الكتب والموسيقى، وهذا أكبر إفلاس يبلغه المرء في لحظة من حياته.
الناس في مدن الهامش تشتكي طوال الوقت من الفراغ القاتل، طيلة الأسبوع من العمل إلى البيت، ومن البيت إلى المقهى، لا جديد يُزينُ أيامهم التي تدور في عجلة التكرار، نفس الوجوه ونفس العربات المجرورة، ونفس سيارات الأجرة بلونها الأزرق الغامق، وشارع وحيد تلتقي فيه كل الوجوه الشاحبة، و هنا نشعر جميعا بالحسرة والخيبة ولايبقى لنا سوى الحسد لساكنة المدن الكبيرة وخصوصا المدن الساحلية، ونحاول أن نجد المبرر في تواجد مقاهي وملاهي وساحات خضراء وبحر بمياهه الزرقاء، وكثيرا مانستعمل مخيلتنا للهروب بهذا الموقف إلى أقصى الحدود ونحن نجلد مدننا الصغيرة ونخن نعتقد اعتقادا أنها مجرد أماكن فارغة من الحياة ومن لذة العيش وهذه محاولة يائسة للهروب من فهم الأشياء في جوهرها، وهذا هو أكبر انسداد للروح والعقل للأفراد في فترة من حياتهم.
وبالمقابل، نجد الناس في المدن الكبيرة تشكو طول الوقت من قهر حركة المرور المعقدة والبطيئة والمتعبة، تشكو من الضجيج الذي يرافقهم منذ الصباح الباكر حتى الغروب، من ارتفاع الجريمة، من شبح الخطر الذي يتهددهم من المنحرفين ومن اللصوص ومن شح اللقاء بأولادهم وأحبابهم طول اليوم، أشياء كثيرة يعاني منها أصحاب المدن الكبيرة وأخطرها أمراض الربو والتنفس، وقلة المشي، ومعانقة أشعة الشمس ونسيم الهواء وكل هذه الأشياء تزيد من ضياع الأفراد وإدخالهم في منعطف الرتابة القاتلة التي لايمكن لأصحاب مدن الهامش أن يعرفونها أو يشعرون بها، إنها حالة أخرى من تعب الروح والمشاعر التي تقض مضجعهم في صمت رهيب.
ماذا بقي، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أي سواء لساكنة مدن الهامش أو لساكنة مدن الساحل سوى الإلتفاف إلى فكرة الإنشغال التام، أي الشغف إلى العمل كيف ماكان، المهم هو السقوط المدوي في شغل تحبه، نعم في عمل تجد فيه ذاتك، عليك أن تلج إليه بكل أعماقك وحاول أن تنسى كل شيء، عليك أن تحمل حقيبتك وتختار الوجهة التي تسافر إليها بكل أنفاسك ومشاعرك، سافر إلى مكتبك، أو مختبرك، أوملعبك، أو مطبخك، أو مؤسستك، أو مكتبتك، أو كتبك، أو لوحاتك، أو قِيتارتُك أو عودك لِتُعِدَ لحنك المفضل، وإذا لم تجد فإلى بيتك فهو وحده يسعك لتصنع فيه حقيقتك، ونفس الشيء بالنسبة للمرأة، فيمكنها أن تبحث لها عن ملجأ تحتمي فيه من كل مايجعلها صحراء قاحلة، فعليها أن تتذكر أنها دائما تلك الشجرة الخضراء الباسقة التي يبحث الجميع عن ظلها، فلهذا عليها أن تعرف أنها بالفطرة لاتتوقف كالنملة في خلق أكثر من حياة من أجل الآخرين، فهي عاشقة وشغوفة دائما للعمل ولو مجانا وفي كل الظروف من أجل إرضاء المقربين منها، وهذا هو السر الكبير الذي يحقق سعادة المرأة ويجعلها مميزة عن الرجل ، والمرأة العقيم الحقيقية هي التي تبحث عن من يشتغل في مكانها.
هذا الشعار العظيم الذي يتردد على مسامعنا أكثر من مرة ومفاده ” أن نشعل شمعة خير من أن نظل نلعن الظلام ” هو الجواب الشافي للخروج من دائرة التكرار الذي نعيشه طول الوقت ونحن لا نجد الخلاص سوى في لعن مدننا الهامشية ونحملها أكثر مما تحتمل، أيها السادة الفضلاء، إننا نحن من نصنع المدن بمخيلتنا، إننا نحن من نهيء مدننا بطريقة تَفْكِرينا، بما نحمله من ثقافة مضادة لثقافة التآكل، وتبلد المشاعر، علينا أن نصمد ونقاوم ونخترع طرق جديدة للعيش، طرق جديدة لبناء علاقات جديدة، علينا أن نوقف الخصام الطويل مع عشاق المعرفة، مع محبي الموسيقى والمسرح والفن التشكيلي والسينما، علينا أن نكتب القصيدة ونغير من شكلها ومن مضمونها، علينا أن نتصالح مع الشاعر والقصاص والروائي ، علينا أن نرد الاعتبار للفرجة الشعبية، علينا أن نعيد قراءة القرآن بعيون دامعة، علينا أن نخلق الثقة فيما بيننا، علينا نحب بعضنا البعض، علينا أن نحب مدينتنا برغم مافيها من أحفار، وورود ذابلة، علينا أن نعيد غرس شجرة الصفصاف على طول شوارعنا، أعرف أن تحقيق كل هذه الأشياء ليس بالأمر الهين لكن تأكدوا أنها ليست بالمستحيلة، كل ماعلينا هو أن نحاول، أن نبدأ وهذه لن تكون فرصتنا الأخيرة.
كاتب صحافي مغربي





