المجلة الثقافية الجزائرية

لماذا تُعد كتابة قصص الأطفال أصعب بكثير من كتابة قصص الكبار؟

بقلم: كلير سوينارسكي

ترجمة : د.محمد غنيم

      (تكتب كلير سوينارسكي عن المهنة المُرضية والمجزية في إبداع قصص للأطفال)

    قبل بضع سنوات، رفضت المحررة التي أتعامل معها منذ فترة طويلة في مجال كتب الأطفال فكرتي لرواية جديدة موجهة لليافعين . كان وقع هذا الرفض قاسيًا عليّ؛ فالقصة التي تدور حول ابنة طاهٍ مشهور تنتقل إلى بلدة صغيرة بعد أن تبناها شقيقها الأكبر كانت تلامس مشاعري حقًا. لكن رفض المحررة كان سريعًا وحاسمًا؛ لم تكن مستعد لقبول أي نسخة من هذه المخطوطة.

    بعض القصص تنغرس عميقًا في عقل الإبداعي، وتخرج عبر أغنيات تسمعها في الراديو أو أحلام يقظة عابرة أثناء الاستحمام. إنها ببساطة ترفض أن تتركك وشأنك. خطر لي أن القصة ستكون في الواقع أكثر إثارة للاهتمام إذا رُويت من منظور شقيق الفتاة، ومنظور إحدى السيدات المسنات اللواتي يعشن في البلدة. كتبت الفصل الأول بخط اليد وأنا على متن قارب، وأرسلته على عجل إلى وكيلي الأدبي، الذي أخبرني بثقة أنه يستطيع بيعه. وقد فعل، وهكذا بدأت صفحة جديدة تمامًا في مسيرتي المهنية.

    منذ نشر ذلك الكتاب ( سيدات الجنازة في مقاطعة إليري)، كتبت رواية أخرى للكبار: ( قديسو نادي العشاء)، ومجموعة أخرى من روايات اليافعين. لقد واصلت شق طريقي المهني فى الكتابة لكلا الفئتين العمريتين بشق الأنفس، وأجد نفسي بطريقة ما أكتب لجمهورين مختلفين تمامًا.

“أما السؤال الثاني، فيمكنني الإجابة عليه بسهولة: كتابة قصص جيدة للأطفال أصعب من كتابة قصص جيدة للكبار.”

       وعند سماع ذلك، عادةً ما يطرح عليّ الكتاب الراغبين في لكتابة لفئات عمرية متعددة سؤالين: هل من الصعب الانتقال بين تلك الفئات؟ وأي الفئات أصعب في الكتابة لها؟

    أما السؤال الأول بالنسبة لي ،فله إجابة معقدة ودقيقة: الأمر صعب، وليس صعبًا في آن واحد. كأي كاتب محترف، أتمنى لو كنتُ خاضعة لإلهام “ربة الإبداع”، لكنني في الواقع خاضعة لمواعيد تسليم لم أحددها بنفسي. إنّ التنقّل بين الأعمال المختلفة للفئتين أمرٌ مرهق، لكن الحياة مرهقة أصلًا، وعليّ أن أفعل ذلك بحكم عملي، لذا أفعله. وهناك بعض الحيل التي أستطيع اعتمادها لتسهيل الأمر، وأفعل ذلك بالفعل؛ فلديّ قوائم تشغيل موسيقية مرتبطة بكل كتاب، وأحاول الاستفادة من جدولة الوقت على شكل كتل متتابعة، وأتبع طاقتي الإبداعية قدر ما أستطيع خلال أي أسبوع. لكن الأمر ليس، على حدّ تعبير إحدى فقراتي الرقمية المفضلة في Saturday Night Live، “أسوأ من العمل في منجم فحم”.

   أما السؤال الثاني، فيمكنني الإجابة عليه بسهولة: كتابة قصص جيدة للأطفال أصعب من كتابة قصص جيدة للكبار.

    والأسباب وراء ذلك متعددة ومتنوعة في ذات الوقت . أولاً وقبل كل شيء، الأطفال حكام قساة للغاية؛ لن يمنحوك أكثر من صفحة واحدة. إذا لم تجذب انتباههم في أول فقرتين، فأتمنى لك حظًا سعيدًا في جعلهم يصمدون عندما تكون أغنية النداء العذبة لسلسلة كتب “الرجل الكلب” (Dog Man) حاضرة بجوارهم مباشرة.

   ثانيًا، كل رواياتي للكبار كانت معاصرة، مما يعني أنها مكتوبة تمامًا بإيقاعي الخاص ونظرتي للعالم. أما كتب الأطفال فتتطلب تحولاً هائلاً في المنظور، وكأنني أكتب بلغة مختلفة تمامًا. لقد كنت طفلة ذات يوم بالطبع، وأتذكر العديد من المشاعر والرغبات ووجهات النظر المهمة لكن صياغة هذه الأشياء بطريقة تلقى صدى لدى طفل اليوم، دون التعالي عليه أو تقديم درس أخلاقي مبتذل وكأنني أرقص على خشبة المسرح، يمكن أن يبدو مهمة هرقلية شاقة.

“لكن الأطفال لا يحبون أن يُتعامل معهم بتعال أو استصغار تمامًا كما لا تحب أنت أو أنا ذلك، وعلاوة على ذلك، فهم يمتلكون عيون صقر في ملاحظة هذا التعالي لأنهم اعتادوا عليه كثيرًا.”

    ثالثًا، هناك ببساطة ضغط أكبر على كاتب الأطفال للمساعدة في تشكيل وتحويل “الشباب”. نحن جميعًا، ودائمًا، نتشكل ونتحول. ولكن هناك فكرة شبه مؤكدة بأن الأطفال يفعلون ذلك بمعدل سريع لا يُصدق، ويمكن أن تكون القصص قنوات للنمو العاطفي، والدهشة، والتعاطف. وبعبارة أخرى: الأطفال هم المستقبل، ومن الأفضل لك أن تصنع قصة تساعدنا في الوصول إلى مستقبل مشرق.

   لكن الأطفال ليسوا المستقبل فحسب؛ بل هم أيضًا، كما قال ماك بارنيت (السفير الوطني لأدب الشباب): “الحاضر”. إنهم أشخاص يمتلكون كيانهم الخاص هنا والآن، يمرون بصراعات وتجارب، ويحتاجون إلى هدية القصة لمساعدتهم على مواجهة عواصف الحياة تمامًا مثل أي شخص منا. إن منظورهم للأمور أصغر حجمًا بالمعنى الحرفي، لكن هذا لا يجعل احتياجاتهم أقل ضرورة أو إلحاحًا. هناك ما يشبه الصورة النمطية التي ترى أن كتاب الأطفال يجب أن يكونوا إما مهرجين مغفلين أو نسخة حديثة من شخصية “سارة” في رواية (Sarah, Plain and Tall): مستعدين لتقديم الحكمة في أي لحظة. لكن الأطفال لا يحبون أن يُتعامل معهم بتعال أو باستهانة ، تمامًا كما لا تحب أنت أو أنا ذلك، وعلاوة على ذلك، فهم يمتلكون عيون صقر في ملاحظة هذا التعالي لأنهم اعتادوا عليه كثيرًا. أنا أكتب بجدية للأطفال لنفس السبب الذي يجعلني أكتب بجدية للكبار ، لأنهم بشر حقيقيون يستحقون قصصًا رائعة.

      لذا، نعم: الكتابة للكبار صعبة للغاية. والكتابة للأطفال صعبة جدًا جدًا. والكتابة لكليهما أصعب بكثير. ولكن هذا أيضًا ما يجعلها مجزية ومُرضية للغاية. كل يوم يقدم تحديًا إبداعيًا جديدًا، وفرصة جديدة لسرد قصة ذات تأثير، سواء كانت لطالب في الصف السابع أو لجدة ذلك الطالب.

     هناك بعض العقبات حين يتعلّق الأمر بالعلامة التجارية، وبالنظر إلى الوراء، ربما كان من الحكمة استخدام اسم مستعار لإحدى الفئتين العمريتين. لكنني لم أرغب في ذلك. لقد كتبت هذه القصص بكامل كينونتي وهويتي؛ لا نسخةً مني مُفلترة ومُعلَّبة للتسويق. هل من المحبط أن يعلق أحدهم قائلاً: «لقد أحببت رواية سيدات الجنازة حقًا، ولكن يبدو أن هذا الكتاب مكتوب للأطفال» تعليقًا على أحدث كتاب لي للأطفال؟ بالطبع. هل يغضب بعض الناس لأن مؤلفة كتب أطفال قد تتلفظ بكلمات بذيئة في رواية للكبار؟ للمفاجأة، نعم. ومع ذلك، فمن الممتع أيضًا أن أذهب في زيارة مدرسية وتخبرني معلمة كم تستمتع برواياتي للكبار، أو أن أسمع عن نادٍ للكتاب يجمع الأمهات وبناتهن، حيث تقرأ الأمهات رواية (سيدات الجنازة) وتقرأ البنات رواية (كل شرارةٍ على حدة).”

ربما كان من الحكمة أن أستخدم اسمًا مستعارًا لفئة عمرية دون الأخرى. لكنني لم أرد ذلك. لقد كتبت هذه القصص بكل كياني؛ لا نسخةً مني مُفلترة ومُعلَّبة ومُسَوَّقة.

    أنا ممتنة للغاية لكوني قادرة على سرد القصص لكل من الأطفال والكبار. هذا يحافظ على تنوع جدولي الزمني ويسمح لي باستخدام مهارات إبداعية مختلفة. كما أنه، من الناحية العملية، يوفر لي مصادر دخل متعددة. ولكن الأهم من ذلك كله، أنه يتيح لي الكتابة لمزيد من الناس واستخدام إبداعي للتواصل وخدمة شريحة أكبر من القراء. لأنه على الرغم من وجود اختلافات صارخة بين الكتابة للأطفال والكتابة للكبار، فإن المهمتين تشتركان في الواقع في نفس الهدف: سرد قصة لشخص يحتاج إلى سماعها.

الكاتبة : كلير سوينارسكي/ Claire Swinarski:

ولدت كلير سوينارسكي ونشأت في ولاية ويسكونسن، حيث لا تزال تعيش هناك مع عائلتها وتكتب قصصًا للقراء من جميع الأعمار. كانت رواية “What Happens Next” (ماذا يحدث بعد ذلك) هي أولى رواياتها الموجهة لليافعين، وتبعتها روايتا “The Kate in Between” (كيت في المنتصف) و”What Happened to Rachel Riley” (ماذا حدث لراشيل رايلي)، وحاز الكتاب الأخير على لقب “كتاب الأطفال البارز” من جمعية المكتبات الأمريكية (ALA)، وضمن قائمة “أفضل روايات الشباب” الصادرة عن (YALSA)، كما رُشح لجائزة (Cybils) وجائزة (Edgar) المرموقة. وتلا ذلك صدور روايتي “Take It from the Top” (خُذها من القمة) و”Each and Every Spark” (كل شرارة على حدة). تؤمن كلير بأن التجول في أروقة المكتبة كفيل بحل 95% من مشكلات الحياة.