المجلة الثقافية الجزائرية

مختارات فلسفية (6)

علي محمد اليوسف

– تفكير العقل في أشياء العالم الخارجي ومواضيع العالم الداخلي هو أبجدية لغوية صورية وليست فكرا مجردا متحررا من الأبجدية اللغوية في تعبيرها الخارجي الصوتي أو في صمتها التعبيري الخيالي فكرا بلا صوت.
هناك تعريف مصطلحي متفق عليه أن اللغة في أبسط تعريف لها هي أبجدية حروفية يمتلك كل حرف فيها صوتا ومعنى. واجد هذا التعريف ناقصا لأنه يقتصر على تعبير اللغة عن أشياء وموجودات العالم الخارجي فقط. فأين يكون تفكير الصمت الداخلي المستمدة موضوعاته من عالم الخيال وإشباع الغرائز الجسدية؟ الجواب هو تفكير الصمت أيضا تعبير لغوي في أبجدية حروفية لها معنى صوري وتفتقد الإفصاح الصوتي خارجيا. خطأ آخر أجده في تعبير اللغة أبجدية حروفية (صوت ومعنى) يعني في حال انعدام الصوت لا يبقى معنى, وفي انعدام المعنى لا يبقى لغة وهذا ما ينكره تفكير الصمت الداخلي بأنه لغة تفكيرية صورية تمتلك المعنى والصوت المدّخر في الصمت وفي الحركات الإيحائية لأعضاء جسم الإنسان كما في ممارسة الطقوس الدينية واليوغا ورقص الباليه والمسرح الصامت.
– تذهب غالبية الفلسفات المثالية إلى أن ما لا يدركه العقل لا وجود مستقل له. والحقيقة أن ملايين الموجودات التي نعايشها بعالمنا الخارجي والطبيعة لها وجود مستقل قد يدركه بعضنا أو لا يدركه. الوجود الأنطولوجي للأشياء المادية لا يتوقف على إدراكنا له ولا على عدم إدراكنا له. أنطولوجيا الموجودات في استقلاليتها كينونة لا تأثير للإنسان عليها قبل إدراكه العقلي لها.
– الوعي مرحلة إدراكية عقلية متقدمة على ما تنقله الحواس من احساسات. كما أن الوعي تجريد معرفي يتكامل مع مدركات العقل الأنطولوجية ولا تربطه علاقة جدلية بها. التكامل المعرفي في وعي الأشياء هو من أجل تغييرها والاستفادة منها على خلاف الجدل فهو تضاد سلبي طارد لكلا النقيضين في تشكيل الظاهرة المستحدثة الجديدة. معرفة الأشياء في عالمنا الخارجي ليست وعيا جدليا معها بل تعريفا عقليا بها من أجل تغييرها. وكل إرادة إنسانية يحكمها الوعي القصدي تكون المرتكز الأساس في إحراز تقدم أفضل في فهم الوجود وتقدم الحياة. ليس هناك وعيا ادراكيا لا يحمل موضوعه معه ولا يحمل هدفه القصدي الذي يسير نحوه.
– ما فوق اللغة مصطلح فلسفي له ثلاثة تشعبات :
الأول يطلق عليه الميتالغة بمعنى الفهم السبراناتيكي للغة الذي يعتمد الذكاء الصناعي في الريبوت وغير ذلك من تكنولوجيا متطورة. ويطلقون على هذه الميتالغة اللغة المتقدمة المتعالية ترانسدتاليا التي تتحدث عن لغة أخرى أدنى منها. مشتركات اللغات في غير صفات النحو والقواعد الذي يشكل هوية لغوية خاصة بكل لغة لا تمكننا من دمج تلك اللغات مع بعضها في وضع قواعد نحوية مشتركة تجمعها. هذا ما حاوله هيرمان سكنر في نظريته السلوك اللفظي ونعوم جومسكي في التوليدية اللغوية.
الثاني ان مافوق اللغة هو اللغة التواصلية التي لا تحكمها ضوابط النحو والقواعد والصرف وغيرها. فهي لهجة فطرية خاصة بجماعة او قوم اكتسبت صفة هوية يتكلمها ويتواصل بها قوم من الأقوام., ولم تكتسب اللهجة ضوابط المصطلح المتفق عليه على أنها لغة خاصة تمتلك كل مقولات وقواعد اللغة الخاصة بقوم من الاقوام او أمة من الأمم. شرط اللغة هو المصطلح المتفق عليه في تثبيت نحوها وقواعدها الخاصة بها كي تمتلك هوية لغوية لقوم من الأقوام أو مجتمع من المجتمعات. أما اللهجة أو الكلام الشفاهي فهو وسيلة تواصل مجتمعي لا تمتلك قواعد ونحو لغة مدوّنة كما نجده عند الاقوام البدائية التي لم تكن تعرف التدوين والكتابة الصورية أو الحروفية المتقدمة.
الثالث أن ما فوق اللغة هي اللهجات التواصلية لدى أقوام بدائية لم تكن تعرف التدوين. هذه اللهجات من الممكن أن تكون ما فوق لغة لكنها لا تمتلك الأبجدية الحروفية المصطلحية المتفق عليها لتكون بعدها لغة تمتلك هوية خاصة بها. (تراجع مقالتنا ما فوق اللغة بالنسبة للعربية).
– الإنسان يتكيف مع الطبيعة عندما يجد تفكيره لا يتعدى عالم ما يدركه حسيا. هل يعي الإنسان تكيفه مع الطبيعة بإرادة ووعي منها أم أن تكيّف الإنسان مع تقلبات بعض ظواهر الطبيعة هي استجابة فطرية غريزية لديه.
الاحتمال الثالث الذي أميل إليه أن تطور ذكاء الإنسان هو الذي أعطاه معنى التكيّف مع تقلبات ظواهر الطبيعة الذي رافقه انقراض أنواع عديدة من الكائنات الحية من حيوان ونبات وبعض من سلالات بشرية تعود إلى مراحل عصور تطور الإنسان انثروبولوجيا. من حيث أن منهج دارون في أصل الأنواع والبقاء للاصلح يعتمد تطور انثربولوجيا تاريخ الإنسان وليس تطور الغرائز والفطرة البايولوجية للانواع فقط. نظرية داروين تقاطع في بعض حلقاتها حقائق العلم كما تقاطع ميتافيزيقا السرديات الدينية الكبرى. كما تقاطع الماركسية الحاضنة الأولى لأفكار داروين. القوى الذاتية لتطور الأنواع وبقاء الأصلح هو ناتج املاءات الطبيعة على الكائنات الحية. الطبيعة وبيولوجيا الأنواع المرتكز الأساس في الداروينية.
– أفضل الكتابات الفلسفية هي غير الزوبعة التي تثيرها بل هي النبيذ المعتق الذي خمّرته الأعوام الطويلة ليصبح بعدها تذوقا نخبويا فريدا.
– إعجاز العقل يكمن في تفكيره اللغوي الصوري. بمعنى آخر العقل لا يفكر بالفكر المجرد الانفصالي عن الأبجدية اللغوية فهذا محال. تفكير العقل ابجدية لغوية صورية صامتة وليس فكرا تجريديا متحررا من أبجدية اللغة. الفكر داخليا في (الجسم) وخارجيا في ادراكه العالم وموجودات الطبيعة والحياة هو لغة لها معنى محدد لموضوع. وهنا أعيد عبارة منسوبة للفيلسوف الأميركي سيلارزهي قمة ما توصلته فلسفة اللغة قوله ( الوجود لغة). وهي تاكيد أننا لا ندرك أي شيء بالفكر وحده مجردا عن ملازمة الأبجدية اللغوية له. وجود المادة إدراك لغوي للإنسان وحضور مستقل في الطبيعة لا يمتلك التفكير ولا ملكة التعبير عن نفسه.
– تفكير العقل صمتا لا يلغي أبجدية اللغة الصورية صوتا ومعنى كما هي في تعبير اللغة الصائتة عن مدركات العقل من الأشياء والمواضيع في العالم الخارجي. والفكر الذي يعمل على تطوير واقع الأشياء إنما هو الآخر يتطور في مجاراته تطورات الواقع ومجاوزته لتلك التطورات في تعاليه عليها بإستمرار… وفي الفرضية الخاطئة التي تقود إلى نتيجة خطأ أيضا هي في إعتبار عملية إدراك الانسان للأشياء هو في سعيه مطابقة قوانينه المستحدثة لديه مع قوانين الأشياء في وجودها المادي المستقل قبل إدراكها وهو إفتراض وهمي غير حقيقي ولا يمكن الإنسان فهم وتنظيم عوالمه الحياتية بهذا التنميط من التفكيرالسلبي مع إدراكاته لعوالم الأشياء في وجودها الطبيعي.. بل أن تدخل الأشياء المدركة مع الفكر في تكامل معرفي ثنائي متبادل يكسبهما كلاهما التغيير والتطور وبغير هذا الفهم معناه نفي أن يكون هناك فائدة من وعي الإنسان لموجودات الطبيعة وإستحداث رؤيته وقوانينه لها.. النتيجة التي يحرزها الفكر بالنهاية من هذه العملية هو أن تكون قوانين الفكر هي قوانين الأشياء في الواقع… بمعنى أصبح ما نمتلكه عن الأشياء من أفكار نتيجة مدركاتنا لها هو وحده الذي يعطي وجودها الحضوري الواقعي في حياتنا. مطابقة تفكيرنا للواقع لا يلغي حيازة الفكر خاصية تغيير ذلك الواقع. تفكير العقل في وعيه القصدي لا يسعى مطابقة صحة أفكاره مع مدركاته الواقعية بل في محاولته وضع تنظيرات تغييرها. العقل الإنساني يبحث عن الإجابة لماذا ندرك الأشياء ؟ وليس كيف ندركها.
– إن العقل وحده له الأسبقية في تحديد الوجود والفكر المتعالق معه أن يكون ماديا أم مثاليا. واللغة تكون في هذه الحالة وعاء الفكر في تحديد نوع الوجود المادي أو المثالي المفصح عنه بتعبير اللغة. في عالم صنع الانسان لحياته في كل مناحيها بعلاقته بظواهر الطبيعة ومواضيعها, بمعنى أن وجود عالم الأشياء سابق على أدراك الانسان لها انطولوجيا, وتنظيم الانسان لوجود عالم الأشياء هو الحافز الأساس لأدراكه تلك الموجودات, والعامل الأهم أنه ينّظم مدركاته للأشياء التي هي بالنتيجة تنظيم حياته ووجوده, والفكر الإنساني لا يعمل في فراغ وجودي مادي أوفي فراغ غير موضوعي متخيّل من الذاكرة ولا في تجريد ذهني يلغي مؤثرات علمية ومعرفية عديدة في فهم وبناء الحياة الإنسانية…
– اللغة والفكر لا يحضران سوّية إلا في محاولة تنفيذ ايعازات مصنع الحيوية العقلية بالاخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكيربه ذهنيا واكتملت مهمة إعادة الوعي من العقل إلى عالم الأشياء كفكر جديد بلغة جديدة وليس كوجود سابق مستقل في عالم الأشياء قبل إدراك العقل له. العقل لا يخلق موجودات الحياة القبلية بالفكر بل يخلق وسائل فهم وتفسير وعي تلك الحياة في إعطائها قيمة منظمة تخدم الإنسان وتقدمه.
– ايعازات العقل الارتدادية الانعكاسية الصادرة عنه والواردة إليه بواسطة منظومة الجهاز العصبي المرتبطة بالدماغ في تخليقه لمواضيع جرى تفكيره بها إنما تتم في تنفيذ اللغة أو غير اللغة ايعازات العقل في إعادة الموضوع المفكّر به من العقل إلى إمكانية إدراكه في العالم الخارجي بفهم جديد عما كان عليه قبل إدراك العقل له, في توّسله اللغة التي هي الفكر ولا فرق بينهما في التعريف المادي أو التجريدي بالموضوع في وجوده المستقل في عالم الموجودات الخارجي بعد تخليقه عقليا. الوجود الإدراكي الحسي او العقلي المستقل هو وجود فكري لغوي كما هو وجود مادي مستقل في عالم الاشياء أيضا.
– كل خارق لقوانين الطبيعة معجزة لا يستطيعها كل البشر ولا يتم ادراكها عقليا لتصبح وجودا بذاته. يمكن التسليم بها ايمانيا فقط.
– المنفعة او مبدا اللذة الابيقورية وفي الفلسفة البراجماتية الاميريكية هي جوهر إنساني فطري غريزي. أي انها لا تحتاج اشتراط فلترتها التجريبية العملانية في تأكيد نفعها من عدمه كما تذهب له الذرائعية الأمريكية.
المنفعة غريزة انفرادية يعزز انتشارها أنها تعيش ضمن مجتمع. والمنفعة معرفة وسلوك تلازم الانسان كمثل تقاسيم وجهه. أعمال الإنسان طيلة حياته هي سعي محموم مرتكزه برمجة الإنسان لعقله من أجل تحقيق منفعة انفرادية من حيث طبيعة الإنسان كائن نفعي. والتضحية من أجل الآخرين ضرورة ملزمة وليس إرادة ذاتية متحررة. وحين يحب رجلا امرأة على سبيل المثال إنما يحبها بدافع إشباع لذته ومنفعته الغريزية وليس تلبية رغائب المرأة في العملية الجنسية..

– عالمنا المعاصر أصبح مفهوما متفقا عليه يقوم على ثلاثة ركائز هي: اولا الشعور الواقعي هو عالمنا الحقيقي الذي نحياه ولا يشترط أن يكون أفضل العوالم كما ذهب له لايبنتيز في القرن الثامن عشر. كا لا يوجد عالما مثاليا لا ندركه هو الأسمى من عالمنا الذي نعيشه كما ذهب له أفلاطون ونيتشة وبعض فلاسفة الوجودية. الركيزة الثانية لم يعد أمام العالم التراجع عن منجزات العلم الواجبة التكيف معها لذا يكون العقل البوصلة الحقيقية الوحيدة في محاولة معرفتنا موضع اقدامنا. الركيزة الثالثة التفكير الصارم بعدم جنوح النزعات التدميرية والحربية بدل ترسيم مستقبل متعايش بسلام يحتضن الجميع.
– لم يعد أمام عالمنا اليوم التعويض عن تازمات الحياة المتوالية في سلسلة متناسلة من الكوارث سوى دخول واقعنا الحقيقي بخطاب نافذ جريء. الخطابات الأنانية الضيقة التي تلهث وراء الاستهلاك النخبوي لم تعد صالحة لعالمنا اليوم فقد إنتهى زمن القضم من حافات تجسير العلاقات الإنسانية وتراجع تأثيرها . أعتقد مقولة برتاغوراس “الانسان مقياس كل شيء” صالحة الاستعمال.
– من جملة فلاسفة عديدين انكروا العقل الانساني يبرز في الفلسفة الغربية المعاصرة الاسكتلندي ديفيد هيوم ليتبعه زميله الانجليزي جلبرت رايل 1900- 1976 الذي قال باصرار عنيد ليس هناك عقلا ولن يكون مستقبلا ابدا.
– الوعي هو الوسيلة الادراكية العقلية لفهم الواقع وتغييره.
– لا علاقة جدلية بين الوعي والواقع, الوعي تجريد عقلي تصوري لا ينتجه الواقع. بل هو توسيط نقل مقولات العقل عن مدركاته الواقعية.
– من تعابير هيدجر التي لا معنى لها قوله الديزاين هو ركض الموت الى العدم.
– مذهب وحدة الوجود مطلق ميتافيزيقي صوفي يجمع بين الدين والفلسفة والطبيعة.
– يقول ياسبرز في عبارة فلسفية رشيقة صحيحة ” حقيقة الاخفاق هي التي تؤسس حقيقة الانسان.”.
– استوقفني التساؤل التالي : هل اصوات الابجدية الحروفية في اللغة خاصية معنى ام خاصية نحو؟ برايي انها تجمع الخاصيتين معا فهي دلالة عن معنى كما هي خاصية نحوية للغة بعينها.
– ماذا اراد الفيلسوف الاندلسي ابن طفيل في روايته الخالدة حي بن يقظان التاكيد عليه من اهداف؟
1. الانسان بمفرده بالطبيعة قادر عن طريق اعمال العقل المجرد الوصول الى مستوى الانسان الكامل بمجرد ملاحظة الطبيعة والتفكير بها من غير تعليم.
2. الدين والفلسفة والعلم اقانيم ثلاثة تتكامل معرفيا ولا تناقض بينها يلغي معايشة الضرورة للاخر.
3. الوصول الى المعلومات الميتافيزيقية امر فردي بين الخالق والمخلوق.
– محاربة الفلسفة جهلا بها هو مشكلة الجهل وليس الفلسفة.
– الوعي هو نوع من تحرر العقل من الواقع وردت على لسان احد الفلاسفة وكانت صحيحة. ويتعالق مع هذا المعنى الزمن يسبق الوعي الحقيقي والزمن ايضا بعد سببي للزمكان وليس المكان منفردا.
– القانون الفيزيائي المادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم سبق وصاغه بارمنيدس بقوله ” لا شيء يمكن ان يتحول الى لا شيء ولا شيء يمكن ان ياتي من لا شيء”.

يتبع بحلقة أخرى 
علي محمد اليوسف /الموصل