وليد الأسطل
هناك صبيٌّ يسكن في الجهة التي لا يصل إليها الزمن. كلما أعدتُ ترتيب أعوامي، خرج من بين الأوراق الترابية، ينفض عن كتفيه غبار الحقول، ويضحك كأن العالم ما زال في يومه الأول.
كان يعرف أسماء الرياح، ويُسلِّم على الأشجار كما يُسلِّم على جيرانه، ويُصغي إلى صمت البيوت المهجورة كأن وراء الجدران قلوبًا نائمة. صنع من الطين بيتًا صغيرًا لحلمٍ صغير، ثم هدمه بيديه، لأنه كان يعرف، دون أن يعرف، أن أجمل الأشياء لا تُبنى كي تبقى.
مرت عليه أصوات كثيرة، أصوات الحب الأول، والخجل الأول، والانكسارات التي جاءت متخفية في هيئة فراشات. كبر صوته، فحسب أن الرجولة وصلت، ولم يدرك أن طفولته كانت تُغلق نافذتها الأخيرة بهدوء.
أين ذهبت تلك الكائنات التي كنتُها؟ أين ذلك الذي كان يركض أسرع من ظله، ويؤمن أن الطريق لا ينتهي ما دام القلب يتسع لخطوة أخرى؟
السنوات لم تكن عاصفة. جاءت كيدٍ حانية تمشط شعري، ثم أخذت شعرةً وراء شعرة، وذكرى وراء ذكرى، حتى تركتني أمام المرآة أبحث عن شخصٍ أعرفه ولا أستطيع استعادته.
يا لهذا العمر؛ يمضي فينا كالماء في جذع شجرة، لا نسمع حركته، ولا نرى رحيله، ثم نكتشف ذات مساء أن أغصانًا كثيرة جفّت داخلنا، وأن حدائق كاملة غادرت دون ضجيج.
أنا لا أحنُّ إلى الأيام الماضية، أحنُّ إلى ذلك الذي كان ينظر إليها بعينين لم تلمسهما الخسارة. أحنُّ إلى دهشته أمام حجرٍ، أمام طائرٍ، وأمام قلبٍ يخفق للمرة الأولى.
كل ما حدث بعد ذلك يشبه روايةً كُتبت أثناء غفوتي. أسماء كثيرة مرّت، ومدن كثيرة عبرت، ووجوه كثيرة تركت ظلالها على باب روحي، غير أن الصبي ظل واقفًا عند أول الطريق، يلوّح لي كلما ابتعدت.
وحين أتعب من حمل هذا العمر، أعرف أن الحب وحده يردُّ إليَّ ملامحي الضائعة. يفتح نافذةً في جدار الوقت، ويضع في ظهري جناحين لا يراهما أحد.
عندها فقط أفهم أنني لم أفقد ذلك الصبي،
كل ما هنالك أنه اختبأ في قلبي، منتظرًا اللحظة التي أكفُّ فيها عن عدِّ خسائري، وأعود لأركض معه مرةً أخرى.
*من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”



