المجلة الثقافية الجزائرية

من الشكوى إلى الإيقاع: تفكيك العتبات الوجودية في قول محمد أبو الفضل

بقلم عبد الغفور مغوار*

نص المقولة: “الواقع كالحذاء الضيق؛ كلنا يشتكي، ومع ذلك نواصل المشي؛ إلا من قرر أن يرقص حافي القدمين على صفيح ساخن.” الأديب الأستاذ محمد أبو الفضل سبحان

المقدمة: تنهض هذه المقولة كنقطة تماس أولى بين القارئ وتجربة إنسانية مكثفة. الجملة القصيرة هنا فضاء دلالي مشحون لا يكتفي بإطلاق معنى واحد، إنما يفتح احتمالات تأويلية متداخلة. لا تتجه نحو التفسير المباشر، ولا تستدعي موقفا وعظيا جاهزا، وإنما تؤسس منذ لحظتها الأولى علاقة متوترة مع الواقع، علاقة يتجاور فيها الألم والاستمرار والاختيار داخل بنية لغوية مقتصدة.

يتحرك القول في منطقة حساسة بين التجربة الفردية والمشترك الإنساني، مستندا إلى صورة قادرة على اختزال شعور جماعي بالاختناق دون الوقوع في التقريرية. العتبة تؤدي وظيفة الاستفزاز الهادئ، إذ تدفع القارئ إلى التورط في المعنى لا مجرد تلقيه.

1- تفكيك العنوان الضمني: الواقع/الحذاء الضيق

رغم غياب العنوان الصريح، تفرض البنية المجازية عنوانها الداخلي. الواقع يستحضر في صورة حذاء ضيق، صورة تشتغل على مستوى التجربة الجسدية قبل أن تنفتح على أبعادها الوجودية. الحذاء عنصر ملازم للحركة، يرافق الجسد في احتكاكه اليومي بالأرض، ولا يستدعي الانتباه إلا حين يتحول إلى مصدر للألم.

الضيق يحمل كثافة رمزية تتجاوز الإحالة الفيزيائية ليحيل إلى شعور بالاختناق وعدم التلاؤم، وإلى أن المجال أضيق من التطلعات. الخطى أكبر من المساحة، والحركة ممكنة لكنها موجعة. يتشكل الواقع كفضاء يفرض التكيف القسري ويختبر قدرة الإنسان على الاحتمال.

العنوان الضمني لا يعد بالخلاص ولا يفتح أفق الطمأنينة، إنما يضع القارئ أمام معادلة حادة: الاستمرار داخل الألم، أو اختيار مسار آخر أكثر خطورة.

2- طبيعة النص: قول حكمي مجازي تأملي

يندرج هذا القول ضمن صيغة الحكمة الحديثة، حيث تتكثف تجربة إنسانية مركبة في تركيب لغوي مقتصد. لا سرد، ولا بناء حجاجي ممتد، إنما تركيز دلالي يعتمد المجاز أداة تفكير لا مجرد زينة. الحكمة تتخفى داخل صورة مفتوحة تجعل القارئ طرفا في إنتاج المعنى.

المجاز يشكل العمود الفقري للنص، ينقل الواقع من مستوى التجريد إلى التجسيد الحسي. هذا الانتقال يسمح بتعدد مستويات التلقي: إدراك مباشر للألم، وقراءة أعمق للبنية الرمزية التي تحكم العلاقة بين الإنسان والعالم.

البعد التأملي يظهر في نبرة متزنة تخفي توترا داخليا كثيفا. لا صراخ ولا احتجاج فج، إنما مراقبة دقيقة لمفارقة كبرى: شكوى عامة تقترن باستمرار جماعي. هذا التوتر الصامت يفتح أسئلة حول دوافع البقاء وحدود الاحتمال ومعنى التعايش مع الألم.

3- بلاغة الاستعارة وبنية التوتر

ينبني القول على هندسة بلاغية محكمة تتكاثف فيها الصورة وتتشابك الرموز داخل مجاز مركزي قادر على حمل تجربة إنسانية معقدة دون إسهاب. الاستعارة الجامعة تؤسس علاقة جديدة بين الإنسان والعالم، حيث يتحول الواقع إلى تجربة احتكاك دائم يفرض إيقاعه على الجسد والحركة.

المشي يحمل دلالة الاستمرار داخل الممكن، داخل حدود مفروضة، ويكشف قابلية الإنسان لتطبيع الألم. الشكوى ترافق الحركة دون أن تعطلها، فينشأ توتر دقيق بين الإحساس والمعيش.

الانتقال إلى الرقص الحافي يحدث قطيعة داخل النسق. الرقص فعل حر غير نفعي، وحين يقترن بالحفاء يتحول إلى قرار واع بالمخاطرة. الجسد يتقدم كموقف لا كأداة عبور. المفارقة بين الخفة والهشاشة ترفع التوتر إلى أقصاه.

الصفيح الساخن يكثف الثمن الوجودي، يحول الألم إلى نتيجة منظومة ضاغطة. الرقص فوقه يختزل فعل التحدي في صورته القصوى، حيث يتجاور الوعي بالخطر مع الإصرار على الاختيار.

4- الحرية حين تحترق القدم: قراءة وجودية

يفتح القول أفقا فلسفيا كثيفا، يتخذ شكل بيان وجودي مكثف تطرح فيه معادلة الإنسان مع العالم عبر صورة وحركة وقرار. في الفلسفة الوجودية، تفهم الحرية كعبء قبل أن تكون امتيازا. الإنسان محكوم عليه أن يختار، وكل اختيار يحمل تبعاته.

البيان الوجودي يظهر في لحظة الفرز بين الامتثال والاختيار. الامتثال استمرار داخل شروط خانقة، دون انهيار ودون بطولة. الاختيار مجازفة واعية، حيث يتحول الفعل إلى إعلان مسؤولية. هذا التوتر يعكس جوهر المأزق الوجودي: واقع قاس، وذات مطالبة بتحمل تبعات موقفها.

في فكر الوجودية، الألم ليس مجرد معاناة سلبية، إنما شرط للوعي. حين ترتفع حدته، تتسع دائرة الإدراك ويتكثف الشعور بالوجود. الوعي يتشكل عند حدود الاحتمال، حيث تختبر صدقية الاختيار.

الرقص فوق الصفيح الساخن يستدعي فكرة المواجهة المباشرة مع العبث. الاستمرار داخل واقع قاس يقترن بفعل رمزي يمنح المعنى للحركة. الرقص وسط الألم يتحول إلى صيغة قول، إلى موقف من عالم لا يستجيب للتوقعات.

5- من الشكوى الجماعية إلى الاحتجاج الفردي

تنفتح العبارة “كلنا يشتكي” على مشهد اجتماعي مكتمل، حيث تتكثف الجماعة في فعل لغوي واحد وتتوحد في إحساس عام بالضيق. الشكوى حالة مستقرة داخل النسق الاجتماعي، فقدت حدتها الاحتجاجية وتحولت إلى جزء من العادة اليومية.

في علم الاجتماع، السيطرة الأكثر فعالية تلك التي تمارس عبر القبول الضمني للمسيطر عليهم. الشكوى الجماعية تمنح الأفراد وهم المشاركة، لكنها في العمق تعمق الإحساس بالعجز. يستبدل الفعل بالكلام، ويستبدل التغيير بالتنفيس.

التطبيع مع القهر لا يحتاج إلى قمع مباشر، إنما إلى تكرار التجربة حتى تفقد غرابتها. حين يشكو الجميع، تصبح الشكوى معيارا، ويغدو الضيق جزءا من تعريف الواقع. لا أحد يخرج من الصف، لا أحد يعيد طرح السؤال الجذري حول سبب الضيق أو إمكان كسره. على سبيل المثال كل أفراد المجتمع يشكون من غلاء الأسعار والمسؤولون يراقبون فيكرسون الغلاء حتى يتطبع الجميع معه وينسون الشكوى.

في هذا السياق، يكتسب الاستثناء الوارد في “إلا من قرر…” ثقله السوسيولوجي. القرار يقطع مع منطق الجماعة، عبر فعل رمزي يعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والنظام. الفرد المختلف لا يكتفي بالشكوى ولا بالانسحاب الصامت، نراه يعلن اختلافه من داخل المشهد.

الرقص الحافي فعل احتجاج رمزي بالغ الكثافة. الرقص غير نفعي، لا ينتج قيمة اقتصادية ولا يخدم منطق الإنتاج. حين يمارس حافيا، يتضاعف بعده الاحتجاجي. الجسد يتخلى عن وسائل الحماية ويواجه الأرض مباشرة. هذا التخلي يعبر عن وعي حاد بأن الحماية نفسها قد تكون جزءا من القيد.

6- من القالب إلى الجرح: تحليل نفسي رمزي

ينفتح الرمز المركزي للحذاء الضيق على طبقات نفسية عميقة تتقاطع فيها التجربة الفردية مع آليات التشكيل الاجتماعي المبكر. الحذاء لا يلبس صدفة، يفرض منذ الخطوة الأولى ويتشكل على مقاس القالب. يرمز إلى القوالب الجاهزة التي يدفع الفرد إلى التكيف معها منذ الطفولة.

في التحليل النفسي، تتشكل “الذات الزائفة” حين يجبر الفرد على الامتثال لتوقعات خارجية تتعارض مع نبضه الداخلي. الحذاء الضيق يجسد هذا الامتثال القسري، حيث يتعلم الفرد قمع إشارات الألم من أجل الاستمرار داخل التوقعات المفروضة.

الأدوار المفروضة تقدم غالبا كحماية وتنظيم. لكن هذا التنظيم يتحول تدريجيا إلى ضغط داخلي. التربية القمعية لا تحتاج إلى عنف ظاهر، كما أسلفنا، فهي تكتفي بتكرار الرسائل التي تمجد الطاعة وتربط القبول الاجتماعي بالتخلي عن الرغبة.

الصفيح الساخن يمثل العقاب في صيغته الرمزية. الحرارة هي حالة توتر دائم، قلق متصاعد، خوف من العواقب. الصفيح سطح غير مستقر لا يسمح بالثبات ويجبر الجسد على اليقظة المستمرة.

الخوف متعدد الطبقات: خوف من الألم، من فقدان الانتماء، من النبذ، من الانكشاف. العقاب الرمزي قد يتخذ شكل سخرية أو تهميش أو عزلة، وهي أشكال قد تكون أشد وطأة من العقاب الجسدي.

الرقص يؤدي وظيفة نفسية دقيقة تتجاوز الهروب أو الإنكار. إنه آلية تسام، حيث تتحول الطاقة الناتجة عن القلق إلى حركة ذات معنى. بدل أن ينفجر التوتر في شكل انهيار، يعاد توجيهه نحو فعل إبداعي. الجسد لا يهرب من الواقع، يعيد صياغته داخل إيقاع خاص.

7- حين تتحول المعاناة إلى صورة

تستمد المقولة قوتها الجمالية من مفارقة مركزية تجمع بين الألم والحركة، بين الخطر والرقص. هذا التوتر يولد طاقة دلالية عالية تجعل القول عالقا في الذاكرة.

كثافة الصورة تشتغل مقابل بساطة اللغة. الكلمات مألوفة لا تتكئ على غرابة معجمية، لكن تركيبها داخل النسق يولد معنى جديدا. هذه البساطة الظاهرة تخفي عمقا تركيبيا، حيث تحمل المفردات اليومية أبعادا وجودية واجتماعية ونفسية في آن واحد.

القول ينجح في تحويل المعاناة من حالة مجردة إلى مشهد بصري حي. القارئ لا يقرأ الفكرة فقط، فهو يراها: حذاء يضغط، أقدام تمشي، جسد يرقص، صفيح يتوهج. هذا التحويل يمنح النص قدرة على التأثير تتجاوز التحليل العقلي وتخاطب الحواس.

الاقتصاد اللغوي يعزز هذا الأثر. لا توجد مفردة زائدة، لا جملة قابلة للحذف دون أن يختل التوازن. كل عنصر يؤدي وظيفة محددة داخل الصورة العامة.

8- الذاكرة المشتركة: التناص الثقافي

لا يتحرك القول في فراغ رمزي، إنما يستدعي في صمته طبقات كثيفة من الذاكرة الثقافية المشتركة. قوته تنبع من قدرته على استدعاء مخزون جماعي متراكم دون أن يسميه.

تحضر الأمثال الشعبية في خلفية العبارة. الثقافة الشعبية العربية مشبعة بصيغ تمجد الاحتمال وتحول المعاناة إلى فضيلة. “الصبر مفتاح الفرج” يتكرر في سياقات متعددة، يربط التحمل بالأمل المؤجل. هذا المخزون يجعل عبارة “كلنا يشتكي” محملة بدلالة مزدوجة: اعتراف بالألم، وتواطؤ ضمني مع استمراره.

في مستوى أعمق، يلوح صدى الحكم الصوفية المرتبطة بتجربة السير في الألم. المشي على الجمر صورة راسخة في الخطاب الصوفي، حيث يفهم الألم كمعبر نحو الصفاء. لكن هنا يحدث انزياح حاسم. الصوفي يتجاوز الجسد عبر الجسد ويحول الألم إلى وسيلة ذوبان في الكلي. أما في المقولة، فالجسد يظل حاضرا واعيا رافضا للانمحاء. الرقص لا يقود إلى الفناء، إنه يقود إلى تكثيف الوجود.

يحضر التناص مع الأدب الاحتجاجي العربي الحديث. محمود درويش في قصيدة “بطاقة هوية” يكتب: “سجل / أنا عربي / ورقم بطاقتي خمسون ألف”. الجسد هنا مسجل ومرقم ومحصور، والاستمرار يتم داخل شروط القهر. لكن درويش يحول القيد إلى بيان هوية، والحصار إلى إعلان وجود.

في “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، يواجه مصطفى سعيد الغرب بجسده وثقافته، يدخل في مواجهة رمزية تنتهي بالاحتراق. في نهاية الرواية يصرخ الراوي: “أريد أن أحيا”. الصراخ ليس صراخ استغاثة، بقدر ما هو إعلان قرار. الحياة تنتزع انتزاعا من واقع يريد إلغاءها.

التناص يشتغل كشبكة خفية تمنح القول عمقه التاريخي والإنساني. القارئ يتعرف على نبرة مألوفة، يشعر أن العبارة تقيم في منطقة يعرفها دون أن يكون زارها بهذا الشكل من قبل.

9- من القول إلى المساءلة: خلاصة

تتجه الخلاصة إلى تثبيت موقع المقولة داخل أفقها الحقيقي. القول يمارس إدانة هادئة لصمت جماعي طال أمده. الصمت لا يظهر في غياب الكلام، يظهر في فائضه، في الشكوى التي لا تفضي إلى قرار.

إدانة الصمت تأتي عبر إبراز المفارقة: الجميع يشتكي، والجميع يواصل السير. هذا التوازي يكشف خللا أخلاقيا عميقا، حيث ينفصل الإحساس عن الفعل ويختزل الوعي في التعليق. المقولة تضع هذا الخلل تحت الضوء دون أن تمنح القارئ مخرجا مريحا.

في الوقت نفسه، لا تمجد المقولة الألم لذاته. ما تفعله إضفاء الشرعية على تحمل الألم حين يرتبط بالاختيار. الألم نتيجة لا هدف، وثمن لا فضيلة.

الرقص فوق الصفيح لا يقدم كحل جماعي ولا كدعوة رومانسية للمخاطرة، إنما كإمكانية فردية مشروطة بالوعي. القيمة الأخلاقية تنشأ من لحظة القرار، من إدراك الثمن وقبوله دون تزييف.

الخلاصة تقود إلى سؤال أخلاقي مركزي يطفو من عمق الصورة: أيهما نختار؟ راحة تحمي وتقيد، أم حرية تحرق وتكشف؟ السؤال لا يبحث عن إجابة واحدة، فهو يعيد المسؤولية إلى القارئ ويمنعه من الاختباء خلف الجماعة.

في محصلته النهائية، ينجح القول في الجمع بين الكثافة الفكرية والبساطة التعبيرية. هذه الازدواجية تمنحه قابلية التداول في سياقات متعددة دون أن يفقد حدته.

قراءتنا تكشف عن نص صغير الحجم واسع الأثر، قادر على توليد قراءات متقاطعة دون أن ينهار تحت ثقلها. هذه إحدى علامات القول الناجح: أن يحتمل التأويل دون أن يتبدد، وأن يفتح الأسئلة دون أن يغلقها.

المراجع:

– أبو زيد، نصر حامد. (2014). إشكالية القراءة وآليات التأويل. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

– بورديو، بيير . (ط. 3، 2007 ). الرمز والسلطة . (ترجمة عبد السلام بنعبد العالي). الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.

– جيرار، جينيت. (ط.1 2008 ). عتبات . (ترجمة عبد الحق بلعابد – تقديم د. سعيد يقطين). الجزائر: منشورات الاختلاف.

– دي لا بويسي، إتيان. (ط.1 2016). مقال في العبودية المختارة. (ترجمة صالح الأشمر). بيروت: دار الساقي.

– سارتر، جان بول. (ط. 1 1966). الوجود والعدم . (ترجمة عبد الرحمن بدوي). بيروت: دار الآداب.

– كامو، ألبير . (1983) .أسطورة سيزيف . (ترجمة أنيس زكي حسن). بيروت: دار مكتبة الحياة.

– لايكوف، جورج، وجونسون، مارك . (2009) .الاستعارات التي نحيا بها . (ترجمة عبد المجيد جحفة). الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.

 

*بقلم عبد الغفور مغوار – المغرب