المجلة الثقافية الجزائرية

موقع تاريخ الأدب بين الدراسات الأدبية المعاصرة

  محمد علي عزب *

تنقسم الدراسات الأدبية اٍلى ثلاثة فروع رئيسية هي: النقد, والتنظير, وتاريخ الأدب, والحدود بين هذه الفروع حواجز شفافة, فالتنظير حاضر في غالبية الدراسات النقدية, وكذلك يمكن أن يستعين الناقد بتاريخ الأدب عندما يشير اٍلى نشأة وتطور الظاهرة الأدبية, والنقد ـ كما معروف ـ ممارسة تطبيقية يستعين فيها الناقد ـ الذي يمتلك موهبة النقد ولدية رؤية وحسّ فني جمالي ـ بمنهج يمثل الآداة الاٍجرائية التي يُشرِّح بها النص للاٍجابة عن سؤال كيف يقول.؟ وماذا يقول؟ وما يمكن أن يقول النص؟, النقد يرصد الظواهر الأدبية ويحدد ملامحها, كما أنه له دور تقييمي, وأيضا يمكن أن يكون وسيطا بين النص والقارئ, والتنظير ليس مجرّد كلام نظري عن الأدب, بل يسعى اٍلى بناء اٍطار معرفي لفهم الظاهرة أو القضية الأدبية عبر المقاربة المفاهيمية ملاحظة الظاهرة والبحث في أصولها والتحليل والتعليل لتحديد أسباب نشأتها, يستعين المُنظّر الأدبي في تنظيره بمقولات النظرية الأدبية اٍلى جانب معارف أخرى من خارج حقل الدراسات الأدبية وخصوصا الفلسفة وعلم النفس, وعلم اللغة, ليؤسس آداة اٍجرائية ومنهجا للبحث يقوم على التكامل والاتساق المعرفي, والتنظير كما أشرت سابقا حاضر بشكل كبير مع النقد في الدراسات والقراءات النقدية, وفي الدراسات الأكاديمية أحيانا يطلقون على التنظير مُسمى البحث الأدبي, ويتخلل هذا البحث ن وتتلازم معه نماذج تطبيقية “نقد” يقدمها الباحث, فالعلاقة بين النقد والتنظيرية علاقة وطيدة .

أما تاريخ الأدب فهو أكثر فروع الدراسات الأدبية تعرضا للظلم وسوء التقدير, لدرجة أنهم يمكن أن يطلقوا لقب المؤرخ الأدبي أو جبرتي الأدب على شاعر كل ما يقدمه مجموعة حكايات عن هذا الأديب أو ذاك, يبحث في قصاصات الكتب القديمة ويفاجئنا بأن هذا الأديب قال كذا أو فعل كذا, مُجرّد أرشيفجي, يبحث في الأرشيف عن حكاية هنا أو هناك, أي ظلم هذا لتاريخ الأدب؟

تاريخ الأدب هو المنوط برصد نشأة الظاهر الأدبية وملامح تطورها وتحولاتها, يقوم على التتبع والاستقصاء والاستقراء المنطقي, وجمع البيانات والمعلومات وتحليلها بشكل موضوعي عبر التحليل والتعليل والتأويل, الرؤية الفنية, تسلسل الأفكار وترابطها, سلاسة العرض, الاتساق المعرفي, الموضوعية, الخبرة الجمالية, الاٍلمام بقدر معقول من المعرفة بالنقد الأدبي هي سمات المؤرخ الأدبي وليس مجرد جمع المعلومات وسردها بطريقة “حدوتة قبل النوم” .

تاريخ الأدب يقدم وثيقة أدبية ورصيد معرفي جمالي وشهادات توثّق الحقائق الأدبية, تاريخ الأدب هو ذاكرة الأدب, وكم من شاعر أو أديب عربي ظلمه تاريخ الأدب, وبخصوص ذلك سأشير اٍلى ثلاثة أمثلة, المثال الأول هو: الشاعر اللبناني أمين الريحاني وهو أول شاعر عربي استخدم السطر الشعري في ديوانه “هتاف الأودية” 1910م, ونقل المفهوم الدقيق للشعر الحُر من الثقافة الأنجلو أمريكية وهو الشعر الذي لا يتقيد بوحدة الوزن فتأتي موسيقاه حُرَّة تمتزج فيها الوحدات الموسيقية كما تمتزج النغمات المختلفة في اللحن الواحد, المهم أن لا يُحدث نشازا ويلقى قبولا واستحسانا من المتلقي, بعد أمين الرياحاني بحوالي أربعة قرون أطلقت نازك الملائكة مسمى الشعر الحُرّ على قصيدة التفعيلة التي تعتمد في بنائها الموسيقي على تفعيلة واحدة تتكرر طوال القصيدة, على عكس الشعر الحُرّ الذي يمكن أن يخرج على وحدة التفعيلة اٍذا تطلبت الضرورة ذلك, وانتشرت تسمية نازك الملائكة وأصبح الشعر الحُر مردافا لشعر التفعيلة, وغاب الريحاني وغابت الحقيقة الأدبية .

 المثال الثاني هو: محاولة د. عز الدين المناصرة أن يثبت أن أدونيس ليس هو أول مُنظِّر عربي لقصيدة النثر حيث قال: (قد روَّجت جماعة مجلة «شعر» لنفسها جيدا، حيث اخترعت لها تاريخا خاصا بقصيدة النثر، وهو أن تاريخ قصيدة النثر بدأ مع أدونيس وأنسي الحاج 1960م عندما ترجم أدونيس المصطلح الفرنسي (Le poe›men prose) إلى قصيدة النثر نقلا عن كتاب “سوزان برنار” لكن تبيّن لاحقا أن شوقي أبي شقرا هو من ترجم مصطلح قصيدة النثر لأول مرة في صحيفة النهار البيروتية 28/ 4 / 1959م)1, ويقارن د. عز الدين المناصرة بين هذا التاريخ وبين تاريخ كتابة أدونيس لمقاله التأسيسي “في قصيدة النثر” بمجلة شعر ـ 1960م من ناحية الأسبقية الزمنية, ولكن هذا المقال ليس هو أول مقال لأدونيس عن قصيدة النثر من ناحية ترجمة المصطلح والحديث عن اٍمكانية كتابة الشعر بالنثر, فقد كتب أدونيس مقالا بعنوان “محاولة في تعريف الشعر الحديث” في مجلة شعر اللبنانية بتاريخ 1 يوليو 1959م بينه وبين ترجمة شوقي أبي شقرا لمصطلح قصيدة النثر عدة أسابيع فقط, وإذا راعينا أن شوقي أبا شقرا ترجم المصطلح في أثناء حديثه عن الشعر في جريدة تصدر يوميا فيما أدونيس قد وردت ترجمته لمصطلح “قصيدة نثرية” في مجلة فصلية متخصّصة تصدر كل ثلاثة أشهر, فإن ذلك يشير إلى تزامُن الترجمتين أكثر ممّا يشير إلى الأسبقية الزمنية, وفي هذا المقال لم يكتفِ أدونيس بترجمة المصطلح فقط بل تحدث عن إمكانية كتابة الشعر بالنثر حيث قال: (إن تحديد الشعر بالوزن تحديد خارجي سطحي, قد يناقض الشعر, إنه تحديد للنَظْم, فليس كل كلام موزون شعر, وليس كل نثر خاليا بالضرورة من الشعر, إن قصيدة نثرية بالمقابل يمكن ألا تكون شعرا, ولكن مهما تخلص الشعر من القيود الشكلية والأوزان, ومهما حفل النثر بخصائص شعرية تبقى هناك فروق أساسية بين الشعر والنثر)2, ويُعدّ هذا المقال إرهاصة لمقال أدونيس “في قصيدة النثر” بمجلة شعر سنة1960م ليكون البيان التأسيسي الأول لقصيدة النثر في الأدب العربي, ويوضِّح فيه أدونيس مرتكزات قصيدة, ومقولة عز الدين المناصرة لم تنتشر بسبب حضور أدونيس كشاعر ومنظِّر لقصيدة النثر يملأ الأفاق, وهو يستحق هذا الحضور وأكثر, أمَّا أمين الريحاني فلم يكن له حضورا أو ظهيرا يتبنى أراءه هذا اٍلى جانب أنه كتب الشعر الحر بمزاج كلاسيكي, ومثالا لذلك قول الريحاني في مقطع من قصيدة “رماد وغيوم”:

(تحت الرماد وفوق النجوم

ما لا يرى من حياة تدوم

فضيلة تجر أذيال الفخر والتبجح

في أزقة الرياء وأروقة الورع والقداسة

رذيلة تقضي حياتها في ظلمات السكوت والكتمان

وراء ستار الخمول والنسيان

كرهت الأولى نفسي وحَنَّ إلى الثانية فؤادي

في الصعلوك نفس تكبر إذا انطلقت من القيود والأغلال

وفي الملك نفس تصغر إذا جُردت من ترهات الأبهة والإجلال)3

  رغم اعتماد هذا المقطع كنموذج للشعر الحر عند أمين الريحاني على موسيقى حُرّة بعيدا عن ضوابط الوزن العروضي, فإن أمين الريحاني لم يأت بصور أو لغة شعرية جديدة على مستوى المعجم والتركيب, فاللغة في هذا المقطع تتشابه إلى حد كبير مع لغة الشعر العمودي في ذلك الوقت, ولكن يُحمد لأمين الريحاني أنه جرّب الكتابة بهذا الشكل في وقت مبكر, ونقل مفهوم الشعر الحر دون لَبْس إلى الأدب العربي, لكن تاريخ الأدب لم يحفظ للريحاني حقه بالقدر الكافي .

المثال الثالث: ادعاء نازك الملائكة بأنها أول من كتب قصيدة التفعيلة في الأدب العربي حيث قالت في كتابها “قضايا الشعر المعاصر”: (وكانت أول قصيدة حرة الوزن تنشر قصيدتي المعنونة “الكوليرا”، وهي من وزن المتدارك الخبب)4 ، وفي هامش الصفحة نفسها من الكتاب قالت نازك: (نَظَمْتها يوم 27 ـ 10 ـ 1947م، وأرسلتها إلى بيروت فنشرتها مجلة “العروبة” بالعدد الصادر في أول كانون الأول عام 1947م)5.

  وإن كانت نازك اعترفت بالأثر الذي تركته تجربة الشاعر علي أحمد باكثير في شعر التفعيلة، فإنها نَفَتْ عن باكثير صفة الريادة والتأسيس، ووضعت نازك عدة شروط للريادة وهي:

1 ـ أن يكون ناظم القصيدة واعيا إلى أنه قد استحدث بقصيدته أسلوبا وزنيا جديدا سيكون مثيرا أشد الإثارة حين يظهر للجمهور.

2 ـ أن يقدم الشاعر قصيدته تلك أو “قصائده” مصحوبة بدعوة إلى الشعراء يدعوهم فيها إلى استعمال هذا اللون في جرأة واثقة، شارحا الأساس العروضي لما يدعو إليه.

3 ـ أن تستثير دعوته صدى بعيدا لدى النقاد والقراء فيضجّوا فورا، سواء أكان ذلك ضجيج إعجاب أم استنكار, ويكتبوا مقالات كبيرة يناقشون فيها هذه الدعوة.

4 ـ أن يستجيب الشعراء للدعوة ويبدؤوا فورا في استعمال اللون الجديد وأن تكون الاستجابة على نطاق واسع يشمل الوطن العربي كله )6.

  وقد ناقش وفنَّد د. عبد العزيز المقالح الشروط التي وضعتها نازك لتدّعي لنفسها حق الريادة، حيث قال: (تجربة باكثير رائدة بكل المقاييس وتحت كل الشروط، وهي لم تكن مقصورة على قصيدة أو قصيدتين أو حتى على ديوان من الشعر يضم بعض القصائد وإنما هي تجربة فنية كبيرة تتمثل في عملين فنيين كبيرين أحدهما مترجَم وهو “روميو وجوليت” والآخر عمل إبداعي وهو “إخناتون ونفرتيتي” وهما من حيث الحجم وكمّ الشعر يزيدان على كل ما قدمه السيّاب ونازك من قصائد جديدة منذ أن بدأت ريادتهما في سنة 1947م حتى أوائل الخمسينيات)7, وبخصوص شرط الوعي بالاستحداث وشرح الأساس العروضي في تجربة باكثير يقول د. المقالح: (في مقدمة ترجمته لمسرحيتة “روميو وجوليت” يقول باكثير شارحا الأساس العروضي الذي يدعو إليه: والنظم الذي تراه في هذا الكتاب هو مزيج من النظْم المرسَل المنطلق بالنظم الحر، فهو مرسل من القافية، ومنطلق لا يتشابه بين السطور، فالبيت هنا ليس وحدة إنما الوحدة هي الجملة التامة التي تستغرق بيتين أو ثلاثة، دون أن يقف القارئ إلا عند نهايتها، وهو كذلك حر – أعني النظم ـ لعدم التزامه بعدد معين من التفعيلات في البيت الواحد “روميو وجوليت”: المقدمة)8 .

 والجدير بالذكر هو أن بعض الشعراء والنقاد نسبوا ريادة قصيدة التفعيلة اٍلى الناقد والمفكر لويس عوض “1915 ـ 1990م”, استنادا اٍلى وجود بعض النصوص في ديوان “بلوتو لاند وقصائد أخرى من شعر الخاصة” لا تلتزم بعدد معين من التفعيلات في البيت الشعري, وهي بذلك تأخذ الشكل الفني لقصيدة التفعيلة كما في هذا المقطع من نص بعنوان “كيرياليسون” قال فيه لويس عوض:

أبي أبي

أحزان هذا الكوكب

ناء بها قلب الصبي

الرزء تحت الرزء في صدري خبي

الشوك في جسمي حراب الهدب

سلت دميعات الكذوب السم من جسمي الأبي

شبّت على قلبي دعاء مستطير اللهب

أبي أبي أبي أبي أبي أبي أبي أبي ) 9

التزم لويس عوض طوال النص بتفعيلة بحر الرجز “مستفعلن” مع استخدام الرخص التي أتاحها العروضيون, لكنه لم يلتزم بعدد معين من التفعيلات في البيت الواحد, مما يجعل هذا النص وما يماثله في البناء قصيدة تفعيلة بغض النظر عن الصنعة الواضحة في قصائد هذا الديوان, الذي كتب لويس عوض قصائده في الفترة من 1938 اٍلى 1940م عندما كان طالبا في جامعة كامبردج, وتنقسم نصوص هذا الديوان اٍلى نصوص عامية ونصوص نثرية ونصوص تأخذ شكل قصيدة التفعيلة, وقد كتب لويس عوض هذه النصوص من منطلق الدعوة اٍلى كسر عمود الشعر, حيث قال في مقدمة هذا الديوان “حطموا عمود الشعر”, ولو استندنا اٍلى تاريخ كتابة هذه النصوص سنجد أنها كتبت بعد أن ترجم باكثيرا مسرحية “روميو وجوليت” الصادرة سنة 1933م في شكل سطور شعرية لا تلتزم بعدد معين من تفعيلات البحر الواحد في السطر الشعري, هذا بالاٍضافة اٍلى أن باكثير قام بوضع الأسس الفنية لقصيدة التفعيلة في مقدمة مسرحيته الشعرية “اٍخناتون ونفرتيتي” الصادرة سنة 1938م, بينما لم يقم لويس عوض بذلك, ولم يكتب لويس عوض طوال حياته غير هذا الديوان الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1947م, وصدرت منه طبعة ثانية سنة 1989م, وبذلك تكون مسألة الريادة محسومة لباكثير من ناحية الأسبقية الزمنية ومن ناحية التنظير للشكل الشعري, ولا أعتقد أن لويس عوض اطلع على ما كتبه باكثير, وأن كتابته لنصوص تأخذ شكل قصيدة التفعيلة تطغى فيها الصنعة على الشعر جاء من هاجس تحطيم عمود الشعر والدعوة للتجديد .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ د. عزالدين المناصرة: قصيدة النثر… (كما هيَ): نص تهجيني شعري.. مفتوح عابر للأنواع.. ومُستقل ـ جريدة رأي اليوم 13 ديسمبر 2015م صحيفة عريبة تصدر من لندن.

2ـ مجلة شعر اللبنانية ـ بيروت العدد 11 يوليو 1959م ص 84

3 ـ أمين الريحاني ـ هتاف الأودية ـ الموسسة العربية للدراسات والنشر ـ ط2 بيروت 1986م

4 ـ نازك الملائكة ـ قضايا الشعر المعاصر ـ منشورات مكتبة النهضة ـ ط1 1962م ص 23

5 ـ المصدر السابق هامش ص23

6ـ آراء حول قديم الشعر وحديثه ـ كتاب العربي ـ سلسلة فصيلة تصدرها مجلة العربي ـ الكويت ـ الكتاب الثالث عشر 15 أكتوبر 1986 ص 157 ـ 158

7ـ المصدر السابق ص 158

8ـ آراء حول قديم الشعر وحديثه ـ كتاب العربي ـ ص 158، وفي مقدمة ترجمة مسرحية “روميو وجولييت” ـ مكتبة مصر ـ بدون تاريخ ص3

9ـ لويس عوض ـ بلوتو لاند وقصائد أخرى من شعر الخاصة ـ الهيئة المصرية العامية للكتاب ـ 1989م ط2 ص 81

*شاعر وناقد من مصر