المجلة الثقافية الجزائرية

نصر الدين دينيه: رحلة الفن من التسجيل الحرفي إلى الاستشراق العرفاني

أ.د. حبيب مونسي

 

تقديم:

يعتمد تحليل الآثار الفنية على خطوتين مهمتين جدا في إدراك الأثر الفني في جملته، ثم التّدرج نحو خطاباته التي يمكن أن يلتقطها المتأمل في صحبته للأثر الفنّي. لذلك رأينا كثيرا من المتاحف تضع أمام اللّوحات مقاعد للتأمل يجلس عليها من يريد أن “يتشرب” الأثر الفني في هدوء وسكينة. فيقبل عليه إقبال المتفحّص، ثمّ الدّارس، ثم الملتمّس رسائل كلّ عنصر من عناصر اللّوحة. لذلك يقدّم التّأمل الجمالي والفلسفي على حدّ سواء الخطوتين. فيجعل الخطوة الأولى إلماما بموضوع اللّوحة في شموليته وتمامه، وهي الخطوة التي تتطلّب الوقوف على مسافة من اللّوحة تتيح للنّاظر أن يكون قادرا على اشتمال اللّوحة في نظرة واحدة محيطة. وهي النّظرة التي تمكّن المشاهد من أدراك اللّوحة من إطارها الخارجي إلى موضوعها الدّاخلي. وهي خطوة ضرورية ليدرك موضوع الذي يشاهده في اكتماله وكلّيته جملة واحدة. 

إنّها الخطوة التي تحدّد استقطاب اللّوحة لانتباه المتلقّي، وقدرة هذا الأخير على احتواء الأثر في جملته. فهو يرى اللّوحة في تمام موضوعها رؤية شاملة، غير أنّه يشعر أنّه في حاجة إلى الاقتراب خطوة أو خطوتين حتى يتمكّن من التّفرس في الأجزاء والعناصر التي أولاها الرّسام اهتماما كبيرا في لوحته. وهنا تتحدّد الخطوة الثّانية التي ذكرناها من قبل. خطوةُ الاقترابِ لإدراك الجزئيات، والتّوقف عند الظلال، ورصد الحركات التي أراد الرّسام تثبيتها في لوحته ليلتقطها المتأمّل. فقد تكون لمسة ضوء، أو خطّ لون، أو لمسة قماش على طرف ثوب.. وهكذا. وكأنّها في لغة الرّسام إشارات ورموز لا يمكن للناظر عن مبعدة رؤيتها، وإنما تدعو اللّوحة متأملها إلى التقرب أكثر من موضوعها ليرى ما لم تستطع العين الوصول إليها من قبل في خطوة البعد.

على هذا النّحو تعوّل المتاحف في عرض آثارها – أيّا كانت تلك الآثار- على تلك الحاسّة التي تسكن محبِّي الفن في الابتعاد أولا، ثمّ الاقتراب ثانيا. فإذا استطاعت اللّوحة أن “تمسك” بالمارِّ أمامها، أجبرته بعد ذلك على الاقتراب منها، وفسحت أمامه عالمها، وبثّت بين يديه عناصرها، ومكّنت إشاراتها من التّغلغل بعيدا في ذائقة المشاهد تأثيرا وتنبيها.

  وعلى هذا النّحو سنحاول أن نقرأ لوحات «نصر الدّين دينيه»، وقد وزعناها على مراحل لنؤرخ بها جملة التّحولات التي حدثت في نفسية الفنان وهو يعايش المجتمع البوسعادي. متنقلا بين الأزقة والدّروب، مرتقيا الهضاب، منحدرا في الأودية، ملتقطا الأضواء والظّلال، معايشا العادات والتّقاليد. فجعلناها ثلاثا:

1-ما قبل الاستشراق، ومثلنا لها بلوحتين: لوحة لعبة الحبل. ولوحة تسلّق الصّخور.

2-مرحلة الاستشراق: ومثلنا لها بلوحة الأرجوحة، ولعبة الفتيات. ولقاء المراهقين.

3-مرحلة التّحول إلى الدّين: ومثلنا لها بلوحتين: مراقبة هلال رمضان.

01- مرحلة ما قبل الاستشراق:

اللّوحتان: لعبة الحبل، وتسلّق الصّخور.

 

إنّ المتفحّص لعناصر اللّوحتين يدرك بكلّ يسر وسهولة أنّهما تنتميان إلى مرحلة أولى من مراحل فنّ الرّسم عند «نصر الدّين دينيه»، فهما أوروبيتان فرنسيتان بكلّ تأكيد، لأنّ العناصر التي تقوم عليهما اللّوحتين تبرزان بكلّ وضوح “مادة غربية” تتجلّى من خلال اللّعبة أولا، ومن خلال المنظور الخلفي ثانيا، إذ هو يرفع إلى عين المتأمل خلفية ريفية غربية، بكلّ مكوناتها الرّيفية، ويجعل البناء الخلفي الذي تستند إليه اللّوحة كنيسةً واضحةَ المعالم. كما أنّ الامتداد على أطراف البناء يوحي بأنّ البنات ينتمين إلى هذا البناء بنسبة أو أخرى. فإذا جئنا نحصي عناصر اللّوحة التي أختارها الفنّان لتمثل الموضوع، والتعبير عن الفكرة التي أراد أن يجسدها في لوحته، استطعنا سريعا أن نحصي في الخلفية -زيادة على الكنيسة- جدارا ممتدا وراءً تقف وراءه أشجار ملتفّة تخبر عن وجود حديقة لوسط عمارني لا يظهر في اللّوحة ولكنّه متخيّل بسهولة وراء ذلك الجدار العازل. كما يتقدّم بناء في يمين اللّوحة ليوحي باستمرار العمران وراء الرّسام وهو يقف بلوحته ليتابع منظر الفتيات وهنّ يلعبن لعبة الحبل. أمّا إذا نظرنا إلى الأرضية وجدناها أرضية ترابية تغزوها الأعشاب وتتخلّلها الممرات الضّيقة التي توحي بمريرة يسلكها سكان الحي.

لكن الملفت في الموضوع المهيمن في اللّوحة، وهنّ الفتيات، نجد كذلك الطفل القادم نحوهن وكأنّه آت من الكنيسة وراءه، مما يخبر بأنّ الفتيات كذلك ينتمين إلى هذه الكنيسة. وذلك لوجود حبل عليه غسيل في مهب الرّيح وعين الشمس ليجفّ. وكأن الرّسام أراد أن يقتنص فيها لحظة جمعت “اليومي” لأطفال هذا الحيّ، حينما يغيب الكبار في الحقول، وتغيب الأمهات في أشغال البيوت. فلا يبقى في الحيّ سوى هؤلاء يصنعن من أوقاتهن هذا المرح الطفولي البريء الذي يملأ المكان ضجيجا ومرحا وضحكا. وكأنّ الرّسام ما قصد هذا المكان من أجل تصوير الرّيف وجماله، وبساطته، وإنّما جاء من أجل هذا المرح الطّفولي الذي تقدّمه له لعبة الحبل، وتقافز فتياتٍ صغيراتٍ عليه، في صخب، وضحك، ومرح. 

لذلك كان لابد من العودة إلى العناصر المهيمنة في اللّوحة لندرك من خلالها كيف اختارها الرّسام، وكيف جعل بعضها يتقدّم على بعض ليصنع الدّلالة التي يريدها للوحته، والرّسالة التي يريد نقلها لعين المشاهد. فليس المهم اللّباس الذي ترتديه الفتيات، ولا ألوانه، وإنّما المهم الهيئة التي يظهرن فيها به في ذلك الإطار الرّيفي البسيط. كما أن حضور الكنيسة على هذا النّحو الكبير، ولكنّه المتراجع إلى الخلف، وقد غامت قسماته، يوحي بالحضور الدّيني البسيط كذلك فيهم، والذي يرافق هؤلاء -كبارا وصغارا- في حياتهم الوادعة الهنيّة. إنّه يجعلنا نتخيل الآباء والأمهات يكدحون وراء مجال اللّوحة، ولكن عناصر المشهد تخبرنا عنهم من خلال حضور الأطفال والغسيل المنشور على الحبل، وغيبة الحيوان من المجال كذلك.

إن الرّسام في هذه الفترة -كغيره من الرّسامين الرّومنسيين الانطباعيين- يريد للذين سيشاهدون اللّوحة في المعارض والصالونات، أن يلتفتوا إلى وجود آخر غير وجودهم، وإلى عالم يقع خارج مدنهم، يكفيه أن يكد وأن يتعب، ولكن ليمرح أبناؤه ويفرحون بأبسط الألعاب التي يصنعونها لأنفسهم. وكأنّ الرّسام وهو يحشد عناصر اللّوحة يريد للعين أن تتريث قليلا أمام الكنيسة البسيطة ولكنّها شامخة، وأن يعلق بصره بحبل الغسيل قليلا عنوانا على الفقر، ثم ينتقل ليتأمل الفتيات وهنّ يتقافزن على الحبل، يرى فيهن وجوها أخرى لما يراه من وجوه محنّطة في الصّالونات والأحياء الرّاقية. تلك هي المعضلة التي سكنت الحسّ الرّومنسي لفرة طويلة، ثمّ ورّثته للانطباعية، لترفع منه مشاهد في غاية الدّرامية، لما جعلت الانطباعية مع “مونيه” من مواقف القطار، ومراكب الأنهار، وخروج العمال إلى المصانع موضوعات أكثر قتامة ممّا هي عليه الحياة في الواقع المعاش.

لم يكن هذا الموضوع هو موضوع “نصر الدّين دينية” وحده، وإنّما كان موضوع الفنّ، وهو يشاهد انقلاب عصر التّصنيع على عصر الطبيعة انقلابا مؤلما، استبدل الرّيشة بالحديد، وأخرج في الفن موضوعات ما كان لها أن تدخل رواق الفنّ لولا هذا الانقلاب الكبير الذي حدث في الفكر والأذواق. فكانت هذه اللّوحة -وهي من أوائل ما رسم “نصر الدّين دينيه”- إيذانا لبدء مسيرة مع فن الرّسم اختارت أن تكون جسرا بين رؤية رومنسية، تحوّلت فيما بعد إلى استشراق متعطّش للغريب المدهش البعيد. وبين واقعية جمعت أدواتها من الانطباع والتّمثيل، فكان لها هذا المزيج بين الألوان والحركات في الفرشاة وتنظيم العناصر في اللّوحة.

2- اللّوحة الثانية: 

قد نسميها (تسلّق الصّخور) أو (خروج إلى الرّيف) ومهما تكن التّسمية، فإنّ الذي قدمنا به اللّوحة الأولى، يتيح لنا اعتبار اللّوحة الثّانية مختلفة عن الأولى من حيث الخطاب العميق، لأنّ الفتيات، والفتى، والرّجل الكهل المرافق لهم، ليسوا قطعا من أهل البادية، ولا من سكان الأرياف، وإنّما هي جولة لأطفال المدينة إلى الرّيف. لأن عناصر اللّوحة تقدّم لنا أطفالا ليس لهم عهد بكيفية التّعامل مع عناصر الطبيعة الرّيفية من صخورٍ، وأعشابٍ، وزهورٍ. فهم في الصّورة يُقبلون على الصّخور يحاولون تسلُّقها، وعلى الأعشاب الجافّة يخوضون فيها، ومن ورائهم الكهل الذي يحاول إسعاف بعضهن في تسلق هذه الهضبة.

 إنّ الذي يؤكد هذا الفهم هو اللّباس الذي ترتديه الفتيات، والطفل، والكهل، لأنّه حتما ليس من ألبسة أهل الرّيف. فقد رأينا في اللّوحة الأولى طبيعة اللّباس الرّيفي وبساطته، وخشونة الأحذية، وكيفية شدّ شعر الرّأس. أمّا هنا فنحن أمام طفل يضع على عنقه ربطة من قماش أحمر على لباس أسود، وأنّ الكهل يعتمر قبّعة شبيهة بقبعات عمال السّكك الحديدية، أو عربات النّقل الجماعي، وأنّ الفتاة الأولى تعتمر قبّعة نسائية مزيّنة بورود، وأنّها تتّشح بربطة حمراء هي الأخرى على فستان أبيض به خطوط زرقاء. ويبدو أنّ الفتاة التي تتصدّر اللّوحة وتلتفت وراءً تحمل في يدها حقيبة رحلة.

هذه العناصر تقف في مكان مطروق للرّحلة من قبل، لأنّ الصّخرة التي في الواجهة تحمل آثار رسوم أو كتابة. وكأنّ الرّسام أراد أن ينقل مشهدا اعتاد النّاس عليه في مواسم السّنة خروجا إلى الرّيف. غير أنّنا حينما نسأل اللّوحة لماذا سجّلت هذا الخروج على هذا النّحو الذي نرى فيها حركة لتسلّق الصّخور، وتسابق إليها من طرف الصّبية، وتدافعهم أمام الرّجل الكهل الذي يرافقهم، نرى تلك اللّهفة التي صوّرها الرّسام لأهل المدينة حينما يجدون أمامهم ذلك الاتساع، وذلك الفضاء الذي يغريهم بالمغامرة. وكأنّهم يطلقون سجيتهم ومرحهم الذي حالت المدينة دونه بأزقتها وساحاتها الضيقة المكتظة. 

إنّنا أمام واقع نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأثر ذلك على النّفسية الغربية الذي بدأت الصّناعة، والازدحام، والضّجيج، والمرض يصنع حاضرها ويقتل فيها تلك الرّومنسية الحالمة التي كانت تعيدها إلى منابتها الطّبيعية. فاللّوحة من هذا الباب ليست صورة لمرح أطفال فقط، وإنّما هي رسالة إلى واقع يتحوّل نحو الحديد، والنّار في المصانع، ونحو الاكتظاظ في المدن والشّوارع، ونحو السّباق المحموم إلى لقمة العيش.

إنّ اللّوحة شأنها شأن القصيدة الشّعرية، قد يكون لها معناها الظاهر الذي ترفعه الكلمات ويتلقاه المتلقي من أول لقاء بها، ولها في التّدبر مسافات تتراجع إلى الوراء لتكشف عن اللاّمقول الذي تستند إليه اللّوحة في عرض عناصرها الدّالة. ومن ثمّ كما يكون للقصيدة الشّعرية تلك القدرة على التّعبير، وخلق طبقات للنّص، فإنّها كذلك -على الرّغم من ضيق مساحتها، وقلّة عناصرها- قادرة على أن تفتح في عين المتقي تلك المراقي التي يتدرّج فيها المتأمل ليصل إلى خطابها المكنون، والذي قد يتجاوز في أحايين كثير مقاصد الرّسام ذاته، لأنّه مرهون بقدرة المتلقي على استنطاق ما في اللّوحة من إشارات، وألوان وظلال.

02- مرحلة الفن الاستشراقي:

حينما نطالع اللّوحات التي تركها “نصر الدّين دينيه”، في تسلسلها الزّمني، وقد استقر بمدينة بوسعادة، نرى بوضوح ذلك التّحول الذي طرأ على نظرته للمكان، والطّبيعة، والإنسان، والعادات، والتّقاليد. وأخذ حظه من الأوان والظّلال، ورأى أنّه لا يمكن أن يستمر في التّعبير عن واقع غربي خلَّفَهُ وراءه. وأنّ هذا الذي تراه عينه الآن مختلف تمام الاختلاف. مباين للرّؤية التي كانت له من قبل. وأنّ واقعا جديدا فرض نفسه عليه ليرفع منه إشارات لا يراها إلاّ الإنسان الغريب الذي حلّ في قوم لا يعرف عنهم شيئا إلاّ ما قرأه في كتب الرّحالة، أو ما قرأه قبلا في “ألف ليلة وليلة”. ولذلك جاء يبحث عن الشّرق السّاحر، وعن الحريم، وعن نساء شهرزاد. وعمّا صنعته “ألف ليلة وليلة ” في المخيال الغربي، من تهييج لحواس الفضول. فأقبل الرّسام على رسم “نساء عاريات” سريعا ما أدرك أنّهن لا يمثلن المجتمع الذي أصبح يقاسمه العيش واللّغة، والعادات، والتّقاليد. وأن انحراف بعض أبناء ذلك المجتمع لا يعني أنّ الاهتمام مركوز على المرأة والشّهوة. بل الغيرة على الشّرف، والتمسك بتعاليم الدّين أقوى وأظهر. وأنّ ما يحدث في الهامش من الحياة البسيطة هو من قبيل ما يحدث في كلّ المجتمعات، ولكنّه لا يمثل القاعدة، بل الاستثناء الذي يُحال على الهامش، حينما نتحدث عن المجتمع البوسعادي برجاله ونسائه، بعلمائه وزهاده، بما يعمره من حركة ثقافية كانت تتجاوب مع كثير من الحركات الثّقافية والمعرفية في المدن المجاورة.

يبدو لي أنّ عودة الرّسام إلى الأطفال مرّة أخرى في بعض أعماله، بعد (مرحلة العري) عودة إلى الفطرة التي بحث عنها المجتمع الغربي، ووثّقها في لوحتين: لوحة أطفال البادية وصدق مرحهم، وأطفال المدينة و(هجومهم) على البادية في الرّحالة المنظمة. وها هو يعود إلى الأطفال هذه المرّة في لوحات حركيّة، على النّحو الذي اعتاده في رسمه، ليرفع إلى عينه مرحا لا يختلف كثيرا عن مرح أطفال البادية أمام كنيستهم. فهو فرح ومرح واحد، واسترسال في اللّعب واللّهو بعيدا عن عالم الكبار، وما يشغلهم من أمور الحياة والمعاش. 

01-اللّوحة الأولى: الأرجوحة.

إنّ الذي يريد أن يرصد ملامح التّحول في ريشة “نصر الدّين دينه”، ويدرك مقدار التّأثير الذي تركه المكان والإنسان في حياة الفنان وفكره، وجب عليه أن يبدأ من هذه اللّوحة، حينما يضعها إلى جنب لوحة الحبل التي أنجزها في الغرب. ليرى كيف تحوّل الموضوع، وكيف أخذت الألوان دفئا جديدا، وأصبحت أكثر وضوحا وإنارة وحرارة مما كانت عليه في اللّوحة الأولى. إنّك في اللّوحة الأولى تشعر بهيمنة اللّون الغامق، الذي فيه زرقة واسوداد. وهو لون يوحي للمشاهد ببرودة الجو، وتلبّد السّماء بالغيم، والتصاق الأثواب بالأجساد، وثقل الأحذية وخشونتها مع غياب للتّركيز على ملامح الوجه والقسمات. ولكنك في اللّوحة الثّانية لا ترى شيئا من ذلك، ترى تركيزا على الملامح ظاهرا، وكأنّ الرّسام يتفرّس جيدا في الوجه العربي، يريد أن يراه بكلّ تفاصيله وألوانه، وتعابيره. فالفتاة التي تمتطي الأرجوحة فتاة أكثر حياة، وأكثر أنوثة، وأنّ لباسها وحليّها أكثر حضورا في المشهد. بل إنّه يُعد من العناصر التي يجب التّوقف عندها حينما نتحدّث عن فقر البيئة الرّيفية الغربية، الذي رفعته اللّوحة في ثياب الأطفال وهيئاتهم، وحبل الغسيل أمام الكنيسة. فالفتاة هنا لها من علامات الثّراء ما يجعلها تمثيلا لبيئة ميسورة الحال، ذات جماليات في الملبس واقتناء الحلي أقراطا، وخلاخل، وأساور. إذ لم نشاهد شيئا من ذلك في فتيات لعبة الحبل.

إنّ هذه الملاحظة في عين الرّسام، ليست من الأمور التي يمكن تجاهلها، أو إهمالها، لأنّنا في مطلع القرن العشرين، وقد مرّت على المجتمع الجزائري سنوات مظلمة من الاستعمار، أتت على الأخضر واليابس، إلاّ أن مظاهر الحياة الميسورة لا تزال موجودة في الذّائقة الجزائرية، تتجلّى بشكل واضح في الفتيات، وكذلك حتما في النّساء البالغات. وفيما يقتنيه الرّجال من برانس وعباءات. فالرّسام هنا في هذه اللّوحة يرفع إلى نفسه أولا، وفي عين الاستشراق هذه المفارقة بين عالمين يمكن لعين الدّراسة أن تقيم من خلالها موازنات ومقارنات، لتتأكّد من أصالة المجتمع الجزائري، وأنّه لم يفقد ذوقه الجمالي في المطعم، والملبس، والحياة بشكل عام.

تجمع اللّوحة عناصرها من واقع بوسعادة، على خلفية يتقاسمها النّور والظل، فيحدّد منها ألوانه التي تعطي للعناصر إشراقتها وقوتها. فالثّوب الأبيض على الفتاة التي “تطير” في الأرجوحة يحمل في طياته أثر القوة والرّيح، ما يجعل الفتاة التي تشاهد المنظر تضع يدها على فمها وكأنّها تكتم صرختها خوفا على صديقتها من الوقوع في الجدول المنساب تحتها. وهي تسمع ضحكات الأخرى التي تجذب الحبل إليها بشدة وقوّة. وكأنّي بالرّسام يتمثّل في خلده قفز الفتاة في لعبة الحبل هناك، ويرى شدّته كذلك، وكأنّ طبيعة الفتيات واحدة في الفطرة والرّغبة في المرح واللّعب. إلاّ أنّه هنا يريد شيئا آخر غير التّمثيل البسيط لحياة الرّيف. إنّه يريد ثقافةً أخرى، يسعى الغرب أن يجعلها حياة بدائية لا جمال فيها ولا فن. فهو يرى بأمّ عينيه ما تحمله الفتاة على الأرجوحة من إشارات يمكنه أن يقرأ فيها واقع مجتمع يقدّم ذاته من خلال هندسة مبانيه، ومادتها، ومن خلال نخيله وظلالها، ومن خلال بناته في لحظات لهوهن ولعبهن. فتتواجه اللّوحة القديمة مع هذه اللّوحة في لحظة وجودية سريعا ما تبتعد عنها في الخطاب الذي ترفعه لوحة الأرجوحة إلى عين المتأمل الغربي. إذ تريه عيّنةً من النّاس لايزال يقول عنهم أنّهم في حاجة إلى تحضير وتعليم، وأنّ التّخلف فيهم أبقاهم في مستوى الفقر، والعوز، والجهالة.

إنّ المدقّق في اللّوحة يكتشف أنّ الرّسام لم يعد يهمل التّفاصيل كما كان يفعل في لوحاته الغربية، ويتعمد طمس الملاحم لأُلْفَتها ربّما في المشهد الغربي المألوف. ولكنّه هنا يريد أن يرى كلّ شيء. والملفت حقا في مثل هذا الهوس التّفصيلي أن يقف الرّسام أمام (الوشم) يسجله في الوجه واليدين والرّجلين. كعلامات واضحة على الانتماء، على الزّينة، على ذوق يبدأ باكرا فيسم المرأة بذلك الميسم الذي سيرافقها إلى آخر أيامها علامة جمالٍ وانتماءٍ. وحينما نرى الغرب اليوم يعود إلى الوشم بشكال فيها من التّهور والمبالغة ما فيها، نعلم أنّ الجسد الغربي صار فضاء كتابة.. أيّة كتابة.. تجد فيه من الدّيني، والأسطوري، والرمزي، الإلحادي، والطبيعي، أثرا يأخذ بعدا كارثيا يستعمل كلّ أطراف الجسد. فيعتبره الدّارسون تعبيرا عن قلق وجودي، وعلامة عن فقدان الهوية والانتماء، نجد الوشم في اللّوحات لا يتخطى عتبة الرّمز، ولا يتّخذ الجسد مساحة للكتابة، بل يكتفي بأن يكون الرّمز دالا على فكرة، أو تعويذة، أو انتماء قبلي. وهذا موضوع في حاجة إلى دراسة ومقارنة، ثقافية، وأنثروبولوجية، وتاريخية. حتى ندرك لماذا يركز الرّسام على الوشم في لوحاته لأنّه لا يجده في الجسد الغربي في ذلك الوقت. ولا يعرف له معنى فيما يراه من رموز.

02-اللّوحة الثانية: فتيات يلعبن في حديقة النخل.

لا يظهر “موضوع اللّعبة” في اللّوحة. وكأنّ الرّسام لا يهمه أن يظهره ضمن عناصر لوحته، بل يكتفي بأن يوهم المشاهد أنّ هناك لعبة تحتاج إلى اجتماع الفتيات في حلقة دائرية، وبينهن شيء ما يشدُّهنّ إليه. لأنّه لا يريد هذا الموضوع أصلا، وإنّما يريد “الاجتماع”، بكلّ ما يمكن أن يحمله المشهد إليه من معان يكون في إمكان اللّوحة أن تقصّها على المشاهد. لذلك ننطلق من الخلفية التي تقف عليها اللّوحة. لنجد أنفسنا في مكان تحفّه أشجار النّخيل، وكأنّه ضرب من “الخلوة” التي تلجأ اليها الفتيات بعيدا عن البيوت، ومراقبة الأهل، وتلصّص الأعين التي تسترق النّظر. إنّ الذي يوحي بالطمأنينة في المشهد، أنّ كلّ الرؤوس مطرقة، وأنّ كلّ العيون متّجهة إلى موضوع اللّعبة، وأنّ الأنفس مطمئنة أنّه لا رقيب يرقب اجتماعهن. وأنّ أشجار النّخيل من حولهن تمكِّنهن من الاستتار والتّخفي.

هذا الجو الهادي المطمئن، هو الذي مكن الرّسام من التّركيز على الاجتماع بشكل عام، وعلى كلّ فتاة بشكل خاص. فقارب بين أعمارهن، وركّز على لباسهن وحليّهن، وجعل ما يرتفع من المشهد قدر كبير من السّكينة والوقار. وكأنّ الموضوع الذي يريد أن يثبته في لوحته هو هذا “الوقار” الذي يرشح من الألوان، وهيئات الجلوس بين تربيع، وقرفصاء، واستناد على اليد، وكأنّه يرد أن ينال المشاهد حظا من هذا كلّه في استقطاب اللّوحة. ذلك لأنّ الرّسامين عادة ما يقدمون للوحاتهم عددا من الخطاطات، يرسمونها على الورق، ليحدّدوا بها عناصر المشهد، ويثبتوا عليها الموضوع في جملته، على النّحو الذي يريدونه. فإذا تشرّبوا موضوعهم في مخيلتهم وهم يشاهدونه واقعا، عادوا إلى ورشاتهم لتجسيد المشهد في كلّيتهم على النّحو الذي تقرر في الرّؤية الجوّانية للرّسام، وكأنّه يخرجه فقط إلى النّور بعدما يكون قد اكتمل في الدّاخل، ونال حظّه من النّضح والاكتمال.

إنّ العمل في الورشة ليس رسما على ما نألف، وتشكيلا على ما نُقدِّر، وإنّما هو “بناءٌ” للّوحة انطلاقا من المخططات، و”تثبيتٌ” للألوان على الخطوط والمساحات، وإتاحةُ فرصٍ واسعة للتّعبير أن يظهر على الوجوه والقسمات. وكأنّ الشّطر المتعلّق بالورشة هو عمل تقني حرفي وحسب، لأنّ العمل الفنّي يكون قد تمّ وانتهى في تلك اللّحظات التي كان فيها قلم الرّسام يجري على الورق ليخط الهيئات والأشكال منعزلة عن بعضها بعض. لأنّه يريد أن يعطي لكلّ عنصر تفرُّده وتميُّزه عن غيره من العناصر. وتكون اللّوحة في الورشة عبارة عن “تجميعٍ” لتلك العناصر في وحدةٍ، أملتها الفكرة التي يحملها خطاب اللّوحة أخيرا.

هذا الصّنيع ربّما وجدناه عند الرّوائي الذي “يحضّر” “مواد” بناء الرّواية، من: مكان وزمان، وشخصيات، وأحداث، وأفكار. فقد يكون هذا الشّطر من التّخضير هو الذي يشقُّ على الرّوائي كثيرا، لأنّه ضربٌ من الاستقصاء في كلّ شيء. لأنّه لا يريد أن تتحوّل الرّواية بين يديه أثناء التّحرير إلى معركة بين التّفاصيل، والنّسيان، والاختلاف بين بدء وانتهاء. لذلك ترى الرّوائي في هذه المرحلة رجلا قلقا، لا يفارقه كناشه، ولا يفترّ عن التّسجيل فيه بين الفنية والأخرى فكرة، أو مشهدا، أو شخصية، مما تقع عليه عينه في حاضره وهو يذرع الشّارع، أو يجلس في مقهى، أو يتناهى إلى سمعه حديث. لأنّ التّحرير النّهائي هو “تجميع” لمثل تلك الملاحظات، و”ترتيبٌ” لها في نسق سردي تجد كلّ ملاحظةٍ مكانها فيه، فتتأثّث الرّواية بالأحداث والتّفاصيل، وتأخذ حظّها من المعقولية والواقعية. 

إنّ هذا العمل الذي يسبق الأثر الفني إعدادا، ضرورة من ضرورة الفنّ، نجده في كلّ المدارس الفنّية، وتحتفظ المتاحف بأوراقه دليلا على البحث الذي يسبق الإنجاز الفني. وفيه نرى المحاولات التي تمهد للأثر المكتمل النّهائي. بل قد نقرأ فيه تطور اللّوحة من الفكرة البسيطة الأولى إلى الفكرة المعقّدة التي انتهى إليها الفنّان بعد أن تشرّب موضوعه تشرُّبا عميقا. كما أنّها تخبر الدّارس عن المراحل التي قطعها السّير إلى الأثر المنتهي، وغالبا ما تقدّم صورا للمعاناة والتّجريب الذي يكابده الرّسام وهو يعالج مادة اللّوحة، ويختزل العناصر المشهدية في عناصر دالة، لها وقعها في الخطاب الذي ستحمله اللّوحة أخيرا.

إنّ فتيات حديقة النّخل لسن فقط نموذج للطفولة المراهقة في مجتمعٍ إسلامي وحسب، وإنّما هنّ “لوحةٌ” لما يمكن أن تحمله عين الرّسام الغربي الذي بدأ يتحوّل من موقف فكري غربي مادي إلى موقف شرقي جديد، لا يكتفي فيه أن يكون رسّاما فقط، وإنّما مكتشفا يطلُّ من خلال أشكاله، وألوانه، على ثقافة مختلفة، وعلى دين جديد. إذ لم يعد العري الذي ظنّ أنّه “أصل” في المجتمع الشّرقي كما حملته ألف ليلة وليلة، بل الستر والحجاب هو الأصل، وأنّ اللّباس لا يفصّل، ولا يلبس إلاّ على هذا الاعتقاد الرّاسخ في المجتمع. ومن ثمّ ترى الفتيات في لهوهن، يلبسن اللّباس الكامل من “العمامة” إلى “الدّثار” على الأثواب، إلى الحليّ تامّا كاملا. إنّه اللّباس الذي يكشف عن تنوع وإبداع، يظهر في اللّوحة من خلال كيفيات لفّ “العمامة” على الرأس، إذ كلّ رأس في اللّوحة يمثّل لفّة خاصّة، ذات أناقة وجمال.

03-اللّوحة الثالثة: لقاء المراهقين.

حينما نقابل بين اللوحتين: لوحة الفتيات في حديقة النّخل، ولوحة المراهقين في فضاء صحراوي عند سفح جبل. نلمح سريعا أن المنظور قد تغيّر، وأن عين الرّسام تلتقط “شيئا” مختلفا عما التقطته في الحديقة. وأنّنا أمام فضاء مفتوح يوحي لنا أنّ المراهقين هنا ما اجتمعوا إلاّ لأنّه إلى جانب اجتماعهم إنّما يقومن بعمل ما. فإذا نظرنا حولنا أمكننا تخيل قطعان الماشية والمعز على الأطراف، وأنّ المراهقين هنا في اجتماعهم على النّحو الذي رفعته إلينا ريشة الرّسام يوحي بوجود أحاديث يتبادلونها فيما بينهم، تخصّهم، وتخصّ عالمهم الناشئ في ظلّ الكبار. فهم في هيآتهم بين معتمر طربوشا أحمر، وبين حاصر الرأس، أشعث الشّعر، قد جمع شعره على أمّ رأسه، ومعتمر عمامة بيضاء على طربوش أحمر، وقد تمددوا أرضا في شكل دائري يقرب وجوههم من بعضها بعض. وقد مدّوا أرجلهم وراء، عارية سيقانهم، دقيقة أجسامهم، خفيفة أثوابهم.

إنّها صفة كلّ الصّبية في البادية والمدينة، على سمتٍ واحد، لخفّة حركتهم، وجريهم في الأزقة والطّرقات، وفي تتبعهم لمواشيهم على أطراف الجبال والمرتفعات. ومنه كانت هذه اللّوحة مهمّة أولا بالنّسبة للرسّام، لأنّها تطلعه على أسلوب من الحياة يفصل بين الإناث والذّكور منذ حداثة السّن. فما رأيناه في لوحة الرّحلة في الفترة الغربية من اختلاط بين الفتيان والفتيات، لا نجده هنا في لوحات “نصر الدّين دينيه”. لأنّه بدأ يدرك أنّ هذا الواقع الذي يفصل بينهما إنّما يستند إلى ثقافة، وإلى تديّن، وإلى أخلاق متجذّرة في المجتمع. لذلك قد تكون هذه الأحاديث التي تدور بين المراهقين -وهم في هذا القرب وهذه الحميمية- من قبيل القصص التي فيها تلصّص على مجتمع الإناث، أو رواية الأشعار، وترديد الأغاني. أو الأحاجي، والنكت. كلّ ذلك كان يصنع حاضر هؤلاء من وضوح نهارهم إلى غروب شمسه. 

لقد أبدع الرّسام في التّركيز على الأرجل الحافية، والسّيقان الدّقيقة، والملابس الخفيفة، ليوحي لنا بالخفّة، والحركة، والسّرعة. فعلى الرّغم من أنّ الصّبية مستلقون على الأرض إلاّ أنّهم يوحون بخفّة أجسادهم. إنّهم سريعو الحركة، شديدو العدو. وأنّ خيالهم على نحو هيئاتهم، خيال مجنّح في أحاديثهم وقصصهم. إذ ليس لابن الصّحراء إلاّ آلة السّرد يصنع بها عوالمه الخاصّة، وخيال مجنحٍ يطير به في أطراف الأرض وفجاجها، ولغته البدوية التي تعرف كيف تحمل إليه ما هو حاجة إليه من صور، واستعارات، وتشبيهات، وتمثيل. وكأني بالرّسام يدرك ذلك، ويريد لريشته ألاّ تكون ريشة تسجيلية لهيئة وحسب. وإنّما يريد لها أن تكون “راوية” لقصّة يتلقاها متأمّل اللوحة على أنّها قصّة متكاملة العناصر. إنّها هنا بألوانها وعناصرها تتيح للمتأمّل أن ينشئ عليها رواية. فيجري على ألسنة الصّبية ما يشاء من أحاديث ينسجها الخيال شريطة أن تتآلف مع الخلفية التي تقدّمها اللّوحة، فيتخيّل الفضاء وما فيه، ويتصوّر المشاعر والأحاسيس التي تغشّيه، ويجعل الرّاوي من بين الصّبية، هو ذاك الذي الفتى الذي حصر عن رأسه، ويرغم صديقه أن يلتفت إليه. حتى يستحكم انتباه الرّفقة إلى ما يقول.

إنّ اللّوحة كالرّواية، تهيئ المتأمل للدّخول إلى عالمها الخاص، وتجتهد لأن تجعل من دخوله مسلكا قريبا ممّا سلك الرّسام، وأراد أن يثبته في لوحته. وكأنّ العناصر تجتهد بما لها من هيئات وأشكال في أن تختصر المسافة بين المتلقي ومقاصد الرّسام. بيد أنّ للوحة كذلك انفتاحها الخاص على إمكانات أخرى قد يرى فيها المؤرخ، والنفساني، والأثربوجي إشاراتٍ لإعادة استحضار ذلك الزّمن مرّة أخرى ولو ثقافيا على الأقل.

03- اللّوحة الرّابعة والخامسة: مراقبة الهلال.

 

 يمكننا اعتبار لوحة “رصد هلال رمضان” من اللّوحات الفارقة في حياة “نصر الدّين دينيه”، وأنّها اللّوحة “الحدّ” كما يقال في حياته الخاصة، وأنّها تمثّل نقطة التّحول نحو الإسلام. فإذا علمنا أنّ الرّسام بدأ يتدرج نحو المجتمع البوسعادي المؤمن، ابتداء من تجاوزه مرحلة “العري” وبحثه عن الصّفات المميّزة للمجتمع العربي الإسلامي الذي يعيش بين ظهرانه، ندرك جيدا تحوّله نحو المظاهر التي تمثل إسلام ذلك المجتمع، والتي لها حضورها الطّاغي الذي يجعلها ظاهرة تتكرّر كلّ عام. ويشعر من خلالها الرّسام أنّه يعيش حدثا كبيرا تخرج إليه المدينة والقرى كلّ سنة لرصد هلال رمضان. فهو يتحرّك مع الجماعات، وهي تعتلي أسقف المنازل، أو هي ترتقي بعض الهضبات لتستقبل صفاء السّماء وقت المغيب.

يرى الأنظار تحدّق في الأفق، تترصّد شعاعا خافتا يبزغ وراء الشّمس، يعقب مغيبها بدقيقة أو دقيقتين. غير أنّ الرّسام لا يلتفت إلى السّماء، ولا يكلف نفسه الرّصد في أطرافها، وإنّما يوجه بصره إلى الجماعات، يرصد فيها ذلك الشّغف لشعرة الهلال وهي تتحدّى دقّة البصر في الأفق. لذلك كان تشكيل لوحاته يأخذ هذا المنحى ليرسم كيف تتظافر الجهود من أجل تحرير الرّؤية، وكيف تتساند العيون من أجل الدّقيق في الهلال، وكيف يتشارك الكبار والصّغار في التيقُّن من أن هلال رمضان قد أطل، وأن شهر الصّيام قد بدأ.

وبين أيدينا لوحتين: نسمي الأولى “اللّوحة الزّرقاء” 

 

لوجود السّماء فيها، ونسمي الثّانية “اللّوحة الصّفراء” 

 

لوجود الخلفية الجبلية الصّفراء وراء جماعة الرّصد. وكأن الرّسام رسم اللّوحتين في فترتين مختلفتين، فكانت الأولى -وهي اللّوحة الصفراء- تعبيرا عن المتابعة المتدرّجة لحياة المجتمع البوسعادي وهو يستعد للدّخول في شهر رمضان. وكان تركيز الرّسام على الأشخاص في ملامحهم، واهتمامهم، وتسجيل علامات الجدّ على قسماتهم تأكيدا لأهمية الحدث في حياتهم. فهم يجتمعون في تكتّل واحد يضمّ الكبار والصّغار وكأنّهم يتزاحمون في مكان ضيق واحد، فيعلو بعضهم بعضا من غير نظام ولا تراتبية في المقامات.

تقدم لنا اللّوحة الصّفراء خمسة كهول يتوسّطهم شابين، يشير اثنان منهما بأصبعيهما إلى الأفق، وكأنّهما قد حدّدا مكان الهلال، وتذهب وراءهما أعين الباقين للتّأكد من الرّؤية والتيقّين من حقيقتها. ذلك ما جمعه الرّسام في لوحته لعين المشاهد في إطلالة أولى. غير أنّ المدقّق في اللّوحة يجد جملة من الإشارات جعلها الرّسام دليلا على وعيه الجديد بدين القوم، واهتمامهم بشهر رمضان، وجدية استعدادهم له. 

 إنّهم كهول، يتوسّطهم رجل يمسك بمسبحة، وكأنّه بها يشير إلى كونه رجل دين، كأن يكون إماما، أو شيخ زاوية، أو معلم قرآن. نقول ذلك لوجود الشّابين حوله، على عادة أن يرافق الطّلبة شيخهم في مثل هذه المهمات، وأن عليه إنْ تحققت الرّؤية أن يعلن عن رمضان في صلاة المغرب أو العشاء. فالمسبحة في وسط اللّوحة ترفع هذا التّحديد في الأدوار التي يمكن أن تسند إلى العناصر المبثوثة فيها.

أمّا اللّوحة الزّرقاء فشأنها مختلف، لأنّ المتأمل لها سيدرك سريعا أنّها تختلف عن اللّوحة الصّفراء حتى وإن اشتركتا في الموضوع نفسه. لأنّه سيدرك سريعا أنّ الفنان لم ينقل مشهدا رآه على النّحو الذي عرضه في اللّوحة، وإنّما قام ب “تركيب” اللّوحة على النّحو الذي استقر في اعتقاده بعدما تكرّرت أمامه مشاهد مراقبة الهلال ورصده. فهو الآن يدرك أنّ الجماعات التي تتصدّى لرؤية الهلال، لها تنظيمها الخاص، وأنّها لا توكل أمرها للمصادفة، وإنّما تسعى دوما أن يكون الرّصد تحت مسؤولية الجماعة الرّاصدة ومكونيها. ومن ثمّ نرى هذه المرّة تركيبا في المشهد وترتيبا في العناصر يوحي بأنّ الرّسام قد أدرك جلالة الحدث في حياة النّاس ومن ثمّ قدّم عناصر اللّوحة على النّحو التالي:

1- جعل في صدر اللّوحة شيخين رفعا أيديهما بالدّعاء، وكأنّه يشير إلى أن هاذين الرّجلين ليسا ممن توكل إليهما مهمة التّدقيق في كبد السّماء وأفقها، لضعف نظرهما. ولكن وجودهما في جماعة الرّصد يعطي للجماعة قوّتها من حيت وجود أهل الدّين بينهم، وأنّهم يُؤَمِّنُون على الرّؤية ويرفعون أصواتهم بالدّعاء لاستقبل رمضان. إنّها لمسة يقدمها لنا الرّسام لنرى من خلالها نوعا من التّنظيم في جماعات الرّصد، على خلاف ما كان في اللّوحة الأولى حينما قدّم صاحب المسبحة ولكن من غير رفع الأكف بالدّعاء.

2- جعل وراءهما شابا مراهقا حادّ البصر، يرى الهلال فيشير إليه إشارة الواثق من حسن رؤيته.

3- جعل خلفه كهلا يتأكد من ثبوت الرّؤية، حينما جعله يتابع إشارة الطفل اليافع، ويتبعها ببصره.

إنّنا بهذا التركيب، نلمح شيئا جديدا في حس الرّسام حينما يراقب حدثا دينيا مهما في حياة النّاس، إذ يرى فيه تكاتف كلّ الأعمار من أجل تأكيد الرؤية، والتثبُّت منها. إذ صار يعلم أنّ عليها تقام عبادة الصّيام، وعليها يتقرّر موعد العيد. وأنّ الرّصد سيتكرر لارتقاب هلال شوال.

*عضو المجلس الأعلى للغة العربية.