المجلة الثقافية الجزائرية

نقشٌ على بازلت

حاتم السروي

سورٌ حديديُ سميك يحيط بكتلة حجرية من البازلت الأسود.. على الكتلة نقشٌ صنعته يدٌ بشرية، والناس يتوافدون كل يوم فيمسحون الحجر بأيديهم التي تصل إليه من فُرجات السور في شيءٍ من العناء، ثم يمسحون السور نفسه تبركًا!.
زحامٌ شديد لم يفلح في صد أيمن طالب الثانوية العامة عن رغبته في لمس الحجر، ومضى بين الأجساد المتلاصقة لا تثنيه روائح العرق ولا حرارة المكان شبه المغلق على من فيه، وأخيرًا وصل إلى “النور والبركة” فتمسح بكلتا يديه بل واصل المسح بكمه، ودعا مبتهلاً أن يتم نجاحه في امتحان الغد وأن يأتي الامتحان سهلاً لعله يتخلص من عذاب الثانوية العامة.
ما سر هذا الحجر؟ وما النقش الذي صنعته يد بشر فقدسه بشرٌ آخرون؟ ما هذا اللغز؟ كان أيمن يتسائل ذات يوم ويبدي دهشته لأبيه من فعل الناس بقطعة بازلت لا حياة فيها، وجاءت إجابة والده في شيءٍ من الزجر والقسوة، وبين عبارات كثيرة أفلتت من فهمه، استطاع أن يمسك بعض الكلمات التي أفهمته أن على الحجر آثار أقدام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
لم يصدق، لم يصدق أبدًا، لكنه تظاهر بالتسليم أمام نفسه والشك يعتمل في داخله، وحين أصبح الامتحان قاب قوسين وجد نفسه دون قصد يذهب إلى حيث الحجر، إنها مادة صعبة ومعلمها مُعَقَّد يكره الطلاب ويزيد من بغضهم لها، والحجر قيل فيه الكثير، ما الذي يمنع إذن أن يجرب؟؟.
ولكن كيف لهذا النقش الذي يبدو أن يد شخصٍ ما هي التي أوجدته أن يكون آثار غوص أقدامٍ مباركة لان لها الحجر كما لانت لرأفة صاحبها ورحمته قلوب البشر؟ حدث نفسه أن الأمر لا يستدعي كل هذا التهويل، فالمكان لا روحانية فيه والمتبركون كلهم من بسطاء القوم الذين لم يحصلوا على تعليم مناسب؛ أما والده فرجلٌ أصاب شيئًا من التعليم ثم أبى إلا أن يسلم نفسه للوهم تحت وطأة المعتقد، معتقد لا سند له إلا عاطفة رجل وُلِدَ لتسوقه انفعالاته.. أليس من الغريب أن يصنع أحدهم في كيانه بناءً من الهواء ثم يطوف حوله كل يومٍ في خشوع؟ وما الغريب في ذلك؟ قديمًا عبد الناس الأصنام.
جالت كل هذه الأفكار في صدر أيمن، لكنه تركها جانبًا وذهب ليتمسح بالحجر وبالسور، وعاد إلى بيته فصلي ركعتين، ثم قضى ليلته يحفظ تلك المادة التي استنزفت طاقته وأصابته بالغم..
هل جاءت الورقة؟ هل وقف المراقب على رأسه ليمنعه من الغش؟ هل أخذ يقضم أظافره تارةً وينظر إلى زملاءه أخرى والمراقب يبتسم في سخريةٍ وشماتة؟ كل هذا حدث، وحدث أيضًا أنه غش الإجابة من زملاءه رغم يقظة المراقب!.
المراقب ملول، وليس وحده الذي يشعر بالملل فيخرج قليلاً ليلتقط أنفاسه أو يثرثر مع زميلٍ له، إن المراقبين في مدرسته يفعلون هذا في كل امتحان، وربما فعلوا ذلك عمدًا إذا بدا أن أغلب الطلاب لا يحيرون جوابًا لصعوبة الامتحان، والمراقب الذي نظر إلى أيمن في شماتة قرر أن يتخلص من طبعه المؤذي حين رأى أن كل الطلبة ينظرون إلى بعضهم وفي عيونهم سؤال: ما العمل؟ كيف السبيل؟ مادة صعبة واختبارٌ لعين يُنبئ عن عبقرية الشر التي صنعته.
غَشَّ أيمن مرغمًا، وبعد خروجه من المحبس راجع الإجابة مع زملاءه فاطمأن إلى النجاح، وحين أخبره صديقه أنهم سينجحون بتفوق غمرته نوبة من الضحك.
بابتسامةٍ مصطنعة أخبر أباه حين عاد إلى المنزل أن بركة الحجر جعلت إلهامًا خفيًا يهبط عليه، وأنه كتب هذه المرة كما لم يكتب في أي امتحان منذ الابتدائية! وهكذا نجا من بركان الغضب والسياط التي كانت ستفري أعصابه من كلمات أبيه، ليس مهماً إن كان الحجر قد تسبب في نجاحه أم كان الغش هو الذي فعلها حقيقةً، هكذا حدث نفسه، وإنما المهم أنه أسقط صخرة سيزيف التي على كتفه، وأن المادة لن تلاحقه في نومه.. وداعًا أيها الكابوس.
-​أيمن يا ابني أنا ذاهبٌ إلى الحجر المبارك، هل تأتي معي؟
-​اعذرني يا أبي فأنا متعبٌ جداً، فاليوم كان آخر الامتحانات ورغبتي في النوم لا تجعلني قادرًا على شيء.
-​طيب يا ابني، كما تريد..
لم يعد حتى الآن.. هل أصابه مكروه؟ ما الذي أخره؟.. أيمن لم يستطع أن ينام فصار يسأل والدته في حيرة: ما الذي أخره، والحجر غير بعيد عن المنزل؟؟.. الحمد لله لقد عاد.. عاد متغير الوجه صامتًا تعلوه كآبة.. ماذا حدث؟
-​سرقوا محفظتي وفيها البطاقة وثلاثمائة جنيه.
-​من الذين سرقوها؟
-​لا أدري، كل ما أعرفه أنني فتشت جيبي بعد خروجي من المسجد لأمنح متسولاً بعض الجنيهات الفضية فلم أجد المحفظة، وتيقنت أن يداً خفيفة نشلتها في الزحام حين كنت أمام الحجر.
غالب أيمن ضحكاته وأخفى ابتسامته، وأبدى تأثرًا بما حدث، ثم ذهب إلى المطبخ وأحضر لأبيه كوبًا من العنَّاب البارد حتى تهدأ أعصابه.
في شرفة المنزل حيث جلست أم أيمن، تبادلت المرأة مع الصبي نظراتٍ متسائلة.
-​هل تريدين شيئًا يا أمي؟
-​لماذا لم تخبر أباك بما حدث في الامتحان؟ لماذا لم يعرف أنك كنت مضطراً، وأن المضطر يركب الغش؟؟ تركته ومعتقده الغريب، لم تخبره أن الدَّرْوَشة وهمٌ كبير وأن جهالاته لم تُفِدْهُ ولم تُفِدْك شيئاً؟
-​لستُ صريحًا مثلك يا أمي ولا يمكن أن أكون، لقد تغير كل شيء حولنا وأصبح السكوت هو الحل.
-​والحق يا أيمن؟
-​الحق بغير قوةٍ تحميه ليس إلا الضرر المحقق.
-​ما هذا الكلام الكبير يا ابني.
-​نحن في زمن كل شيءٍ فيه كبير، الخوف والجهل والوقاحة، التخاريف، والكذب أيضًا، حتى قسوة أبي صارت كبيرة، يصلي ويُسَبِّح، ويغضب فيعلو صوته وتصبح ليلتي غبراء! دعيني يا أمي فالحقيقة لها ثمن لا يقوى عليه شابٌ مثلي.
نظرت إليه مذهولةً، وما هي إلا ثواني حين تولت المفاجأة وأخذها شعور الزَّهو، إنه الطفل الذي كانت تهدهده بالأمس، أصبح اليوم رجلاً …. وحده أيمن أدرك أنه اكتهل قبل أوانه.
مضت الليلة في سلام، ونام سكان البيت ملء جفونهم، ولم لا؟ أيمن أدى الامتحان وراجع الإجابة مع زملاءه فأدرك أنه سينجح ولله الحمد، والأب لم يدخل في نوبة غضب كعادته ولم يوبخ الصبي وأمه، كل شيءٍ على ما يرام، بقي فقط أن يجدوا حلاً لمشكلة البطاقة.
وهكذا حين جاء الصباح ذهب أبو أيمن الموظف المتقاعد إلى السجل المدني ليستخرج “بدل فاقد” وبعدما أنهى الإجراءات مر على الحجر.. هل سار إليه كعادته؟..
ثبت مكانه لحظةً ليشاهد ذكرياته: تمايله في الحضرات ونشوة الهوس على وقع الطبول/ صوت المنشد يعلو بكلمات غير مفهومة لكنها تستنفز رغبته في الرقص/ الصبي الذي عبر امتحانه بالغش وهو يعلم/ بطاقته التي ضاعت وضاع العمر يا ولدي/ وظيفته التي لم توفر له “العيش الحاف” والمعاش… الحق أنه تذكر حياته كلها في ثلاث دقائق خالَهُنَّ دهرا.. فَضَّل أن يعبر الطريق، ومن الرصيف الموازي جعل ينظر متأملاً إلى قطعة البازلت، وإذ لمح جموعًا وراء النافذة الأرابيسك يتمسحون بها أطرق في أسى ومص شفتيه، ثم رفع رأسه وأكمل طريقه مبتسما.