كتب: بشير خلف
ثلاثة أشهر الصيف، إضافة إلى شهر سبتمبر، والأسبوع الأول من شهر أكتوبر، وخطيب صلاة الجمعة قبل أداء الصلاة في دروسه الأسبوعية، ما انفكّ يُبحر بنا، ويغوص في فقه أحكام الوضوء، ونواقضه، حتى أنه تفنّن وتلذّذ، وهو يُشخِّص تلك النواقض، خاصة عندما الـمرء يـمسّ الأعضاء الحسّاسة، كما الغُسُل، والحيض.
إمامٌ صنّف نفسه الأعْلم..
وكأن الإسلام العظيم انكفأ في هذا الموضوع، ويبدو أن صاحب هذه الدروس جهل، ويـجهل عموم الـمصلين، يخاطبهم بهذه الأحكام وكأنهم دخلوا إلى الإسلام تــوًّا، وتأكيدا أنه يجهل مضمون مادة التربية الإسلامية وتعليمها في المراحل التعليمية، إذ لو كان يعلم منها إلّا القليل لعرف أن الوضوء، وأحكامه تُقدّم إلى المتعلمين ابتداء من السنة الرابعة الابتدائية بكيفية مبسّطة، ثم تتوسّع سنة بعد سنة. لو فكّر الإمام لعرف أنّ المصلّين فيهم المحامي، الطبيب، المهندس، الأستاذ الجامعي، أساتذة مراحل التعليم الأخرى، البقية ممن وصل إلى مرحلة التعليم الثانوي، من المصلين من هو خريج المعاهد الإسلامية، من المصلين من هو متخصّص في الشريعة، منهم من تخصصه الدراسات الإسلامية، الدراسات القرآنية، وحتّى الشيوخ الكبار منهم بحكم السن، والخبرة لهم دراية بنسبٍ مقبولة في فقه العبادات. الإمام لا يحتكر الحقّ، كما لا يحتكر التحدث باسم الدين، ينبغي حتما أن يتفتح على المذاهب، والأقوال، والآراء، لا يجمد، ليس صاحب خطاب فوقي، بل رجل حوار ونقاش، يتعلّم كغيره، هو أولى الناس بالبشاشة، والوجه الطلق، والابتسامة الودية، ومعرفة واقع الناس.. درسٌ خصّصه الإمام ولـمدّة عشرين دقيقة لحيض المرأة، فما اكتفى بالأحكام الفقهية، بل شرّح حالات الحائض العضوية، النفسية، الأسرية، شخصها حالة، حالة، وكأنه طبيب تـخصّص نسائي. كما خصّص درسيْن في جمعتيْن متواليتيْن لأحكام الغُسُل، شخّص، أطنب، أعاد وأعاد، وتعرّض لأعضاء جسم الإنسان ذكرا وأنثى عضوا، عضوا، الظاهر والخفي، و…
قضايا المسلمين في عالم يمور بالأحداث
الإسلام وعظمته، وحضارته.. كما مشاكل المسلمين اليوم التي لا تنتهي، وصراعهم، وضعفهم، وقوتهم، وقضاياهم، تلخصت في فقه الوضوء، ونواقضه، والغسل، والحيض. ليت أن الحاضرين بالمسجد متفاعلون، ويتابعون هذه الدروس الـمُملّة، الـمُخدّرة التي ما أن تنتهي، حتى تعود إليهم من جديد أين مضمون ” الدين المعاملة” وقضايا المجتمع الجزائري، ومشاكله اليومية التي لا تنتهي، ولن تنتهي: الإسلام والتماسك الأسري، الإسلام والتكافل الاجتماعي، الإسلام وحقّ الوالديْن، الإسلام والحفاظ على المحيط، الإسلام والصحة الفردية والعامة، الإسلام والحفاظ على الماء، الإسلام والنظافة الفردية، والمحيطية، الإسلام والحفاظ على الطاقة الكهربائية، الإسلام ومحاربة التبذير، الإسلام وطلب العلم، الإسلام والدخول المدرسي، الإسلام والأوبئة، الإسلام والحجر الصحّي، الإسلام والأزمات المستجدّة، الإسلام والآخر، الإسلام والعلم، الإسلام والتكنولوجيات الحديثة، الإسلام في عالم يمور بالأحداث، الإسلام والاقتصاد، الإسلام والصناعة، الإسلام والتنمية، الإسلام والبحث العلمي، الإسلام والأمن الغذائي، وغيرها، وغيرها من مواضيع الساعة…
الخطاب الدّيني.. إلى أين؟
أكّد الـمفكر الجزائري محمد أركون أهمية الاشتغال على الخطاب الديني، لأن ذلك من ضروريات فهم الواقع، كما هو من ضروريات التأثير فيه، مُبيّنا أن هذه الأهمية لم تتضح ـ بجلائها ـ إلا أواخر القرن العشرين، بينما كان الأمر مختلفا في ثلاثينيات القرن العشرين، إذ كان النقاش في المسائل الدينية أو محاولة إعادة الدين إلى الاضطلاع بدور ثقافي يرمى به في سلة المهملات، في ساحة الليالي، القديم البدائي، كما كان يظهر في شعار: الله فرضية لا جدوى منها. اليوم ـ كما أكّد أركون ـ تغيّرت الأوضاع نسبيا وأصبح الثقل البشري والسياسي للأديان يُـجْبِر الباحثين العِلميين، والمسؤولين على إعادة النظر في العلاقات الكائنة بين العامل الديني، والعامل السياسي والعامل الفلسفي.
إن تجديد الخطاب الّديني ضرورة فطرية وبشرية، لأن هذا الخطاب الديني الحالي مفكّكٌ، وفردي، بينما يشهد العالم تـجمعاتٍ، وتطوراتٍ هائلة في مجال التقنية، والمعلومات والاختراعات، إنّ أية نهضة، أو تنمية في العالم الإسلامي، وفي بلادنا الجزائر التي ينادي بـها الـمخلصون من دعّاة الإصلاح إنْ لم تــصدر من مفهوم ديني عميقٍ متجذّرٍ، مـحكوم عليها بالفشل، فلا بدّ من خطاب ديني واعٍ ومعاصرٍ، ومنضبط، يستطيع أن يضع هذه النهضة، ويساعد عليها، ويدفعها لإخراج الأمة من هذا التيه، والدوران الذي تدور فيه حول نفسها. إن هذا التجديد الحيّ قراءة واعية واعدة للنفس، وللآخر والواقع، وقراءة قادرة على إيجاد الحلول الشرعية المناسبة لمشكلات الواقع.
إنه لا مناص من التجديد، وإذا لم نؤمن بذلك فأمامنا خياران:
1 ـــ الجمود ويعني ذلك الإطاحة بـحقّ الحياة، وسحقها في عصر تكتنفه الحركة الثائرة من كل جهة.
2 ـــ الذوبان، أو الجمود، وذلك معناه الإطاحة بـحقّ، الدين والشريعة، والثقافة، والتراث، وبالتالي بالإنسان الذي هو الجوهر الذي كرّمه الخالق
هل هناك ضرورة لتجديد الخطاب الديني؟
تـجديد الدين لا يعني تغييره أو تبديله، وإنما يعنى المحافظة عليه ليكون كما نزل غضًّا طريًا، ويأتي هذا التجديد إذا مرّت عليه أحوال، وتغيير حتى صار قديمًا، ويأتي هذا التغيير من أحد الأمور التالية:
ــ إما أن تُطمس بعض معالمه، حتى لا تتضح لمن ينظر فيها.
ــ وإما أن يُقتطع منه شيء، فتنتقص بذلك مكوناته.
ــ وإما أن يُضاف إليه ويزاد فيه، حتى تختلف صورته.
الـمرحلة الحالية التي يـمر بها العالم العربي والإسلامي، من تصاعد موجات الكراهية، والتطرف، والعنف، والإرهاب، والتكفير التي انتشرت دون علم، أو معرفة بطبيعة هذا الدين تحت دعاوى باطلة تتخذ من الإسلام مرجعية لها، فلا ينبغي أن يكون تجديد الخطاب الديني، إضعافًا للدِّين في حياة المسلمين، بإقصائه، أو بالتقليل من تأثيره، أو بالعبث به جهلًا وتفريطًا وانسياقًا مع الأهواء، فهذا الصنيع هو إلى التبديد أقرب منه إلى التجديد، وعلى ذلك فإن تجديد الخطاب الديني لا يعني التجديد لأصول الدين وثوابته، فهذه مسائل غير قابلة للتجديد أو التغيير، لأنها أركان يقوم عليها بنيان الإسلام وشريعته، “فالتجديد إذن هو عودة للمنابع والأصول عودة كاملة صافية، ودعوة للثبات على الحق، وترك التقليد القائم على الاتباع والمحاكاة على غير بصيرة، ومن هنا يتبين أن التجديد عملية إصلاحية محافظة، وليس عملية تخريبية منفلتة” .
..وماذا عن الخطاب الـمسجدي؟
تــأسف الداعية، الـمفكر الجزائري محمد الهادي الحسني، لـمستوى بعض الأئمة غير الُملمّين بأسُس، وتقنيات فنّ الخطابة، والذين تسبّـبوا في نفور الناس من حضور خُطب الـمساجد، وأرجع أسباب ذلك إلى عدم بذْل عدد من الخطباء، والأئمة جهودا في تـحْيين معارفهم، وتحسين لغتهم العربية، داعيا إلى ضرورة تدارك مثل هذه النقائص التي تؤثر على تـحبيب الناس في الدين الإسلامي، والتقاعس في فهمه، وأداء شعائره.
في ملتقى فكري نُضّم بـــمدينة تيارت حول الخطاب الديني المعاصر يومي 28 و29 أكتوبر2019م، بالـمركز الإسلامي، أجمع المشاركون خلال أشغال الملتقى على ضرورة العصرنة في الخطاب الديني، وخاصّة الـمسجدي الموجّه للأمة وفق معايير التطوّر التكنولوجي، من شبكات التواصل الاجتماعي والتلفزيون الرقمي، ودعا مجموعة كبيرة من علماء الدين على ضرورة تأقلم خطباء المساجد، والأئمة مع الوضع الراهن، خاصة عندما يتعلق الأمر بشريحة الشباب التي تُــــعتبر الأهم بالنسبة للخطاب الديني، ودروس الوعظ والإرشاد، وطالب عدد من الأساتذة والأئمة، بضرورة التكوين المتواصل للأئمة، والخطباء لتغيير سلوك تواصلهم.
الخطيب الديني الواعي، كالطبيب الذي بين يديه المرضى الحائرون، فإنَّه يُحسن تشخيص مرضهم، ثم يصف لهم ذلك الدواء الفاعل ويُذكّرهم به أكثر من مرضهم، لا أن يـجلس معك فيحدّثك عن وصف الداء وأنَّ هذا الجسم مريض.. مريض.. مريض!.
لهذا يـَحْسُـنُ بالإمام الخطيب إن يُبادر إلى المساهمة في معالجة مُشكلات المجتمع، بدل أن يكتفي بإلقاء النصوص الشرعية على مسامع الحضور بداية، ثم يقدم مواعظ تكررت على مسامعهم مراراً، ومرارٌا. عليه أن يعي بداية هذه المشكلات، فيخطّط لحصرها وتصنيفها، ثمّ يقوم أمام الناس خطيباً ومُوجّهاً، لتنبيه الناس إليها، وتشخيصها، وإظهار مـخاطرها، وتأثيراتها السلبية، ثم طريقة معاجلتها، وتفادي أضرارها.
الإمام الذي نريد
أنا لا أقبل أنَّ يكون في صفوف أئمة مساجدنا إمامًا سلفيا، وإمامًا حداثيا، وإمامًا حركيًّا، وإمامًا وهّابيا، وإمامًا صوفيًا؛ ولا أؤمن أن هناك إمامًا مالكيا، وإمامًا إباضيًا؛ بل أؤمن أن الذي يتقدمنا في محراب المسجد هو إمامٌ جزائريٌ فقط لا غير..
مسْحٌ للخطاب المنبري المسجدي
في بـحْثٍ مسْحيٍّ للخطاب الـمنبري المسجدي شمل خُطب الجمعة المنبرية (30 خطبة) أُلْقِــيتْ في عدد من مساجد ولاية وهران اختيرت بطريقة عشوائية، غطّى المسح الفترة الزمنية ما بين سبتمبر، وجويلية من سنتيْن متواليتيْن. الهدف الأساس من المسح: الإجابة على عدد من الأسئلة أهمها: إلى أي مدى تـصبّ مضامين الـخُطب المنبرية في سياق مقتضيات الخطاب الرسمي حول المواطنة في الجزائر اليوم؟ وما هي الكتابات المرجعية التي يعود إليها الإمام في بنائه لخطابه حول السياسة بشكل عام، وقضايا المواطنة بشكل خاص؟ كيف تتطرق الخطب المنبرية إلى القضايا، والأحداث الوطنية، مسألة حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص، والمشاركة في الحياة السياسية؟ وما هو خطاب الإمام اليوم حول علاقة الدين بالسياسة في” الفضاء العمومي”؟
الوطنية والـمواطنة في الخطاب الـمسجدي
كان الهدف تحليل طبيعة العلاقة بين الخطاب الديني، والخطاب الرسمي حول الوطنية/ الـمواطنة.
منظمو الـمسح قاموا بمتابعة خطب الجمعة لشهر نوفمبر على افتراض أن عددا من الخطب تتناول موضوع “الثورة التحريرية”، خطب شهر ديسمبر تتناول “حقوق الإنسان” إضافة إلى مظاهرات 11 ديسمبر 1960، خطب شهر مارس تتناول “حقوق المرأة”، وذكرى 19 مارس تاريخ وقْف إطلاق النار بين الجزائر وفرنسا الاستعمارية، ارتباط شهر ماي بمظاهرات الثامن ماي 1945، وشهر جويلية بعيد الاستقلال. أفْـــضت الدراسة إلى ما يلي:
تناولت مُجمل تلك الخُطب الـمنبرية مسألة المواطنة في علاقتها بالإسلام سواء في الماضي، أو الحاضر بالإشارة إلى وضع حقوق غير المسلمين في البلاد العربية – المشرقية بالخصوص–.والمسلمين في غير بلاد المسلمين، يأتي الاستدلال على تلك الحقوق بالرجوع مباشرة إلى النصوص الدينية المتعلقة بحقوق غير المسلمين، أو ما يطلق عليه في الخطاب الفقهي بـمُصطلح “أهل الذمة” إضافة ثنائية الشورى والديمقراطية.. حتى وإن استعان الخطباء بـمراجع تراثية فكرية، سياسية لمفكرين إسلاميين، وفقهاء معاصرين، فإنها في الغالب اتّـسمتْ بالمعالجة الوعظية، الأخلاقية للقضايا السياسية معتمدة في ذلك على قواعد، ونصوص عامة، ولا تنْحو نحْو الطرق العملية الكفيلة بتطبيق تلك القواعد والنصوص.. يطغى الجانب النقلي (قرآن، أحاديث، أقوال مأثورة…) على هذه الخطب حيث تتمّ مقاربة موضوع الحكم من خلال رؤية تراثية بحتة فتبرز كلمات في خطب الجمعة من مثل: طاعة ولي الأمر، نصيحة الإمام، أهل الحل والعقد، البطانة الصالحة وبطانة السوء، حقوق أهل الذمة، نظام الحسبة وغيرها. خطابٌ لا يضع حدث الثورة كحدث هامٍّ من أجل التحرير الوطني لإقليم معين، بل يتناوله في سياق الخطاب الديني حول الصراع بين الحق والباطل، مـمّا يجعل الثورة مجرد مثال البدء للخطاب الأخلاقي الديني. وبالتالي فلسنا هنا أمام خطاب تنشئة مواطنية بقدر ما نحن أمام خطاب تنشئة دينية.
الإمام ووسائل الإعلام الحديثة
على الإمام أن يساير العصر، وأن يفهم أن حياة أغلب الناس ارتبطت في يومياتها بوسائل الإعلام الحديثة، وأنها أكثر تأثيرا من مؤسسات المجتمع، ومنها المسجد، وإمامه، كما أنّ اتـِّساع دائرةِ المُخاطَبين، والسرعة في تبليغِهِم، خاصة ًإذا كان هؤلاء ِالمُتلقـِّينَ يتعاملونَ مع هذه الوسائلِ تعامُلاً يومياً اعتيادياً، فإذا سلـَّمْنا بـمبدإ:” خاطبوا الناسَ على قـَدْرِ عقولِهـِم”، ومستوياتِهم المَعرفية، فإنـَّهُ من اللازم أن يجنح الإمام، والخطيب إلى الوسائل ِالحديثة ِ، مادامت لغة ًمفهومة لدى الأغلب ِالأعَمِّ، وسِمَة ًحياتيـَّة حديثة ًبارزة ًعندهم، فرضت نفسها.
تعدَّدت وسائلُ الإعلامِ، والاتـِّصال، وتعدَّدت معها صُورُ استغلالها حتى صارت تشتهرُ بأنـَّها “سلاح ٌذو حدَّين”، وسائل ترافقنا متحرّكين خارج منازلنا، وفيها ليلًا نهارًا، تماهينا معها، وصارت من مستلزماتنا الحياتية، ولا نرتاح إلّا بها، وتواصلنا مع غيرنا إلّا بها، كـــــ:
ــــ التلفزيون، الإعلام الآلي، الأنترنيت، وما به من وسائل التواصل الاجتماعي محليا، وعالميا كالفيسبوك، والتويتر، واليوتوب، الهاتف الذكيّ وسهولة حمله، وغزارة برامجه، وتنوّعها، وسرعة توظيفه، واستجابته، وتمكّن الجميع من امتلاكه إناثًا وذكورا، صغارًا وكبارًا.
من الواجبِ على الإمامِ أن يُواكِبَ مُعطياتِ عَصرهِ ومُستجدَّاتِه مهما كان نوعُها، كي يَسهُل َعليهِ توجيهُ الناس إلى مَنافِعِها، وتحذيرُهُم من مَضارِّها، فإذا كان الإمامُ مـِمـَّن يَقِفـُونَ مَوقـِفَ الضِّدِّ لهذه المجالات ِالإعلاميَّةِ، خاصة ًبما تـَبُثُّ من سُمُومٍ هَدَّامَةٍ دون أن يَطـَّلـِعَ على خَباياها، بِحُجَّةِ الالتزام ِوالتـَّورُّعِ عن مواطِنِ الفَسادِ، فإنَّ تأثيرَ خطابِهِ الذي يُميزهُ الهُجُومُ عليها وذمُّها، قد يكونُ باهتاً وغيرَ مـُجْدٍ، من باب أنَّ مُتلقـِّي الخطابِ قد يكونُ مِـمَّن يَعرفونَ الجانبَ الإيجابيَّ فيها، ويحسُّ بأنـَّهُ في موضِع ِاتـِّهام ٍوشُبهَةٍ باطلةٍ لـمُجرَّدِ أنَّــــهُ يُشاهِدُ التلفازَ، أو يتصفـَّحُ مواقعَ في الأنترنيت.(َوسَائِلُ الإِعلامِ والاتِّصَال وَكَيفَ يَستَفِيدُ مِنها الإِمَام. وزارة الشؤون الدينية والأوقاف). لذا وَجَبَ على الإمامِ أن يـتـَّبـِعَ أسلوب الترغيب، والتحبيب كما التنبيه إلى المضارّ:(هذا الأمر فيه فوائد جيدة، مثل كذا وكذا….)، بطريقة ِالاستمالة ِبـمدح ِالشيءِ ثم تبيان عيوبـِه، إنّ الإعلام يُعَرَّفُ عند َكثيرينَ بأنَّهُ “سلاح ٌذو حَدَّين”.
استفادة الإمام مِن وَسَائِلِ الإعلام؟
يقولُ الله تعالى: {إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأنفُسِهِم)، {الرعد:11}. من الضّروري أن يكونَ الإمامُ في صدارة الـمُغَيِّرينَ في المُجتمَع، لِما لهُ من مكانةٍ واحترام ٍفي النفوس، ينبغي لهُ أن يستثمِرَها فيما مِنْ شأنِهِ أن يَدفَعَ إلى التـَّغيير الأحسَن، بخطابٍ هادئ ٍفعَّال، وبذلك يكونُ مُتفاعِلاً مع قضايا مُجتمَعِهِ ومُؤثراً فيها، كما عليه أن يتـَّخَذ َجميعَ الوسائل التي من شأنِها أن تـُبـَلـِّغَ رسالـَتـَهُ وتـَعْضُدَها بالحُجَج البالغاتِ كي تـُؤتي الأثر الطيِّبَ. قد يعـتـقـِدُ الإمامُ بأنَّ وسائلَ الإعلام الحديثة لا توفـِّرُ له الـمصداقية َالمَوجُودَةَ في أُمَّهاتِ الكـُتـُبِ التي يَـحُوزُها، وهذا صحيحٌ نِسبياً، لكنـَّها تُوفـِّرُ عاملَ الوقتِ وسُرعَة َالبَحث، وهو أمرٌ مطلوبٌ في عمله، ومع ذلك فبعضُ مَواقِع الكتب في الشبكة بها عشرات إنْ لم نقلْ المئات من العناوين المختلفة حول مواضيع خطبه ودروسه لعلماء الإسلام القدماء، والمحدثين، والمعاصرين، فيأخذ منها ما يلائم العصر، وأحداثه، ومتغيّراته المتسارعة. إذا أدرك الإمامُ هذهِ الأمورَ وغيرَها، فإنـَّهُ سيَجِدُ نتائجَ غيرَ تلك َالتي كان يَجِدُها في العادةِ دون تجديد، وتغيير، والتي أساسُها التـَّواصُلُ الجيِّدُ بينـَهُ وبين قضايا مجتمعه، وتحسيس ِالنـَّاس بها، كي يُزاوِجَ لهم بين قضاياهُمُ اليوميـَّةِ من جهةٍ وقضايا أمـَّتِهِم العامَّةِ، ليَصِيروْا عارفِينَ بها ومَسؤُولينَ حِيالها، بعيدًا عن أنانيـَّتِهم في تـَتـَبُّعِ يوميـَّاتِهمُ البسيطِةِ.
وبـهذا تـعـلـُو همَّة ُالفرد المُسلِم ِمنَ الضَّميرِ الفرديِّ إلى الضَّمير الجَمْعِيِّ، الذي يَحمِلُ هَمَّ الأمَّةِ جميعاً. إضافة ًإلى ذلك، فإنَّ الإمامَ عندما يستعملُ وسائلَ الإعلام ويتعاملُ مَعَها، فإنَّ خطابَهُ يكونُ مقبولاً عندَ الشبابِ، الذينَ يعتقدونَ مُسبقاً بأنَّ الإمامَ رجلٌ مُحافِظ ٌلا يُسايـِرُ العَصرَنَة َولا يرغب فيها، فإذا خاطَبَهُم بلـُغـَةِ عصرهِم، ومسّ دواخلهم الحميمية سَهـُلَ اَقـتـِيادَهُم إلى الفضيلة. هذا الأمرُ لا يتأتـَّى على وجهٍ صائبٍ، إلا إذا أدرَكَ الإمامُ أولا ًبأنَّ خِطابَهُ الاعتياديَّ ينبغي أن يـَتـَجَدَّدَ بما يُـحَـــقـِّقُ له التأثيرَ المنشودَ، بـما يَـــفرضُهُ عَصرُهُ من تطـــــوُّراتٍ يـَتـَوجَّبُ عليه تـَفَهُّمُها ومُسايَرَتـُها، خاصة ًإذا وجَدنا المُتلقي يُتابعُ خطاباتٍ دينية ًمـختلفة، وبأساليبَ، مُشوقةٍ في الإذاعاتِ والتلفزيوناتِ، ويتأثـَّر بها، ويـحفَظ ُمواعيدَها وأسماءَ الشيوخ ِالذين يـُقـَدِّمُونها، وبعدَ هذا هل يُلامُ الـمـُتلقي على الـملل الذي قد يشعُرُ به في الخِطابِ الـمـَسجديِّ أحياناً، أو على نـُفـُورهِ من المَساجدِ أصلاً؟
في بعض الحالات لا يُمكنُ أن يُلام لأنـَّهُ عندما يحضُرُ إلى المسجدِ ويستمعُ إلى الإمام، فإنَّ عقلهُ الباطني يُملي عليه مُفاضلة ًعفوية ًبين خطابِ التلفزيون، وخطاب ِالإمام، في الأسلوب، واللغةِ، والموضوع المعالج، واللباس، والصوت، والأدلةِ المستعملةِ، وحينها لا يَجِدُ نفسَهُ إلّا وقلبه مال إلى ذلك، وأنكـَرَ هذا الإمام.
..مع مرجعياتنا الدينية.. لكن
نعم نحن مع المرجعية الدينية الوطنية، إنـما لسنا مع مرجعية دينية تنويـمية مخدِّرة ــــ في صدارتها الخطاب الـمسجدي ــــ تتجاهل عن عمّدٍ، أو غير عمّدٍ واقعًا يوميّا نعايش فيه قضايا محلية متعدّدة، ووطنية وعالمية نعاصرها، تؤثر فينا، ونعايشها إيـجابًا وسلبًا..





