كتب: بشير خلف
إن القصة القصيرة بخير، ولا تزال تُــنتج، وتكتب بكثافة عالية في معظم الثقافات العالمية بما في ذلك العالم العربي، كما أنها تقرأ وتنشر في صحف، ومجلات، ومواقع إلكترونية وفي شكل مجموعات قصصية.
القصّة القصيرة بخـــيرٍ
تُــنْــتجُ، وتكتب بكثافة في كل الثقافات العالمية، تنظم لها الجوائز والمسابقات. العديد من المسابقات والجوائز العربية والدولية تُــنظم كل سنة في العديد من البلدان شرقا وغربا، وقد وُجّهت الأنظار مجددا إلى فن القصة القصيرة بعد ما فازت الأديبة الكندية” أليس مونرو” (1931 ـ…)، سنة 2013 بجائزة نوبل للآداب عن إبداعها القصصي، وقد جاء في وصفها بأنها:” سيّدة القصة القصيرة المعاصرة”، حيث أعاد فوزُها المجدَ لأدب القصة القصيرة، ولفت الأنظارَ إلى قِــوام القصة القصيرة في العصر الحديث، الذي شهد تنافسا شديدا بين الرواية والقصة القصيرة.
القصة القصيرة فنّ مراوغ، وحصانٌ جامحٌ
فــنٌّ جميلٌ يقدم إمتاعا فنيا راقيا للمتلقّي، يأخذ من الشعر (الصور الشعرية)، ومن الرواية، (الحدث والشخوص)، ومن المسرح (الحوار)، ومن الـمقال (منطقية السرد)، ومن السينما (طريقة الاسترجاع).
إن القصة القصيرة فــنٌّ مراوغ، وحصان جامح، يحتاج إلى قائد بارع، يُـروِّض هذا الفن المشاكس، والمراوغ معاً، كاتبٌ قديرٌ بكفاءته التقنية، الإبداعية يتمكّن من كبْــح جماح فرس القصة القصيرة.
القصة القصيرة، كما هو معروف لدى كتابها، والنقّاد فنٌّ صعْـبٌ لأنها تتطلب التركيز، وتكثيف اللغة.. بلغت من التجديد أن ظهرت القصة القصيرة جدًّا التي تعــتمد على التكثيف اللغوي الشديد، والمفارقات، والمفاجآت.
النص القصصي يقدّم نفسه كمُحــفِّز متعدد الطبقات، ومتعدد الدلالات، ولذلك هو فنٌّ صعب التلقي، يحتاج إلى قارئ مدرّب ومثقف، يستمتع بسبر أغوار النص لا قارئا كسولًا يبتغي التسلية، وتـمضية الوقت..
القصة صعبة التلقّي، قد لا يستطيع القارئ التوحّد مع شخوصها لأنهم غالباً ما يكونون من الفئات «الـمهمّشة، المغمورة»، بـحسب القاص، والناقد الإرلندي فرانك أوكونر(، 1903 ــ 1966)، مع ملاحظة أن السرد القصصي بطبيعته «الداخلية» والاختزالية لا يتيح للقارئ العادي أن يـجد نفسه فيه، خصوصاً أنه لا يـمثّل أبداً عوالم بديلة، بل غالباً ما يكون حفْـراً في عالم البشر البشع.
لهذا نجحت الرواية في امتحان «السوق»، بينما فشلت فيه القصة، والشعر، هذا مع التشديد على أن الفن والسلعة شيئان مـختلفان، بل ومتناقضان، وأي فن يتحوّل إلى سلعة يفقد مباشرة قيمته الفنيّة. الرواية وجَدَت صناعة النشر.. في الرواية إمكانية التسليع، وإمكانية تسويقها على نطاق واسع، الرواية سهلة التلقي، مشوّقة، يستطيع قارئها أن يتمثّل، أو يـجد نفسه في شخوصها، وتشكل عالماً بديلاً عن الواقع، وتنبني علاقة القارئ معها ببطء وبتمهّل، وبكامل التفاصيل.
القصة والرواية أداتا الحكي المعاصر
القصة والرواية رافدان أساسيان من روافد السّـرد لا يُلغي أحدُهما الآخر، ذلك أن من مـميزات القصة سرعة قراءتها، بينما تتميز الرواية بالإلمام بسعة الموضوع، وطول وقْت قراءتها.
في كتابه ” الصوت المنفرد”، يذهب القاصّ، والناقد الإيرلندي فرانك أوكونر إلى أن صوت الرواية هو صوت تسجيلي للمجتمع، بينما القصة القصيرة صوت الفرد. فالرواية وفقًا لأوكونر فنٌّ تطبيقي، في حين أن القصة القصيرة فن خالص، أمّا الكاتبة التشيلية إيزابيل اللندي (1942ــ…)، وصفت القصة القصيرة بأنها:” كالسهم، تنطلق مرة واحدة لتـــصيب الهدف”، في حين وصفَــها عبقريُّ القصة القصيرة أنطون تشيخوف بأنها: ” القطْــفة من الحياة “.
ظهور فنٍّ جديد لا يُغيّبُ غيره
ظهور فنٍّ في مرحلة زمنية ما تستدعيه ظروف ما ليس معناه موت فن آخر، فـليس غريبا أن يظهر جنسٌ أدبي تستدعيه ظروفٌ خاصة، وتُــسرع في إيـجاده، فيُــقبل عليه كثير من المبدعين، لأنه يناسب الوضعية التي يـحيونها، ويُقبل عليه المتلقّون من جهة، ويناسب حجْم المساحة المتاحة للنشر من جهة أخرى، وهذا واقع الرواية اليوم، وليس معنى هذا أنْ لـمـّا تــتسيّد الرواية تـختفي القصة، ويموت النصّ المسرحي، ويتوارى القصيد الشعريّ.
السؤال:
ــ هل انتهى الفنّ السردي القصصي؟
واقع الساحة الأدبية يؤكد وجود العدد الكبير، الأوفياء لـــفن القصة القصيرة على امتداد الجغرافيا العالمية، والعربية، لم يهجروا كتابتها يوما، وبعضهم لم يكتبْ من جنس الأدب سواها. وهو ما أسهم بشكل، أو بآخر في تجديد طرُق كتابتها، وتنوع في أساليبها وموضوعاتها ومضامينها، وقد استفاد كتابها الجددُ من الفنون الأدبية المختلفة الأخرى.
وللقصة القصيرة على صفحات المواقع، والأندية ما كان لها في الصحف، والمجلات، ومسابقاتها وجوائزها المغرية لا تزال متجددة كل سنة في الكثير من المنابر. فالصحافة التي شجعت ظهور القصة القصيرة وازدهارها، ما تزال في حاجة إليها لتُشبع نـهُم القُـــرّاء الذين يستمتعون بها، حتى في الصحافة الإلكترونية.
تشير الدراسات الإحصائية، في أمريكا مثلاً، إلى أن ما يُنشَر من القصص القصيرة سنوياً يفوق بكثير ما يُنشر من الروايات، وأن ما يُرصَد من جوائز للقصة القصيرة أكثر بكثير من جوائز الرواية، كما أنّ القصة القصيرة ملائمة لروح عصر السرعة، الذي فرض تناسل القصة القصيرة فولدت في أحضانها القصة القصيرة جداً. علاوة على ذلك، فإن طبيعة الإنسان الاجتماعية تدفعه إلى أن يحكي ما يقع له من أحداث طريفة فيبوح بها لصديق حميم يأتمنه، ليخفف من وقْـــع تلك الأحداث على نفسه.
هل عادت القصة القصيرة إلى الواجهة؟
وصفت مقالةٌ لجريدة التلغراف (البريطانيّة)، عن مآلات الأنواع الأدبيّة في القرن الحادي والعشرين، فكانت القصّة القصيرة بأنّها «الشكل الأدبي الأكثر مواءمة لراهننا»، فصيغة الإيجاز التي تميّزها (عن الرّواية) تناسب قدرة البشر الـمُتضائلة على الاحتـــفاظ بالتركيز، في وقت تتسابق فيه منجزات تكنولوجيّة كثيرة لكسْب الانتباه لحظياً.
وصرّح نيل غايمان، وهو كاتب خيال علمي بريطاني معروف، في مقابلة له، بأن:
«القصص القصيرة وحدها من بين الأنواع الأدبيّة الأخرى تأخذ طولاً، وشكلاً مناسباً لأيّامنا: للقراءة سواء على الحاسب اللوحي، أو الهواتف الذكيّة». وقبل هذا نشرت مجلّة أسبوعيّة بريطانيّة (سبيكتاتور) عنواناً مُــــثيراً للاهتمام عن «نهضة قويّة للقصّة القصيرة».
وهناك تقارير في غير ما صحيفة تناولت مبــيعات الكتب، وتحدّثتْ عن أداء غير مسبوق لمجموعات القصة في السوق الآيرلنديّة، حيث يبدو هذا الشكل الأدبي موضع اهتمام متزايد من قِــبل جيل الكتاب الشبان في بلد يكتب ويقرأ بالإنجليزية بتحرر أكثر من التقاليد المحافظة للمؤسسة الثقافية البريطانيّة . فهل فعلاً نقف على بوّابة عصْر ذهبي للقصة القصيرة؟
القصة القصيرة في الجزائر؟
على غرار العالم العربي الفسيح، الكثير من كُــتاب القصة القصيرة في الجزائر قد تحولوا بعد تجربة متباينة زمنيا إلى كتابة الرواية، فكانت الكتابة في هذا الجنس الأدبي – القصة القصيرة – مَعْـبَرًا إبداعيا إلى جنس آخر هو الرواية لسبب، أو لآخر، حتى الرواد كالطاهر وطار، عبد الحميد بن هدوقة، زهور ونيسي، انطلقوا من القصة القصيرة إلى الرواية، وكذلك جيل مجلة “آمال” كأمين الزاوي، واسيني الأعرج، الحبيب السايح، وغيرهم انطلقوا من القصة، والأمثلة كثيرة على هذا التحول من جنس إلى أخر خاصة إلى الرواية من بعد كتابة القصة.
أعتقد أن الدوافع متباينة من كاتب – متنقل- إلى أخر، فالبعض غامر في انتقاله على أساس التجريب، والبعض على أساس ضيقٍ شَعرَ به في جــنس واحد غير قادر على احتواء ذاته، وآفاقه التخييلية، كما لا نــنكر أن البعض ذهب إلى الرواية منجذبا بتيار الموضة الإبداعية من منطلق أن الرواية ديوان هذا العصر، وذلك ما صرّح به عددٌ من كُــتّاب القصة، وحتى الشعراء.
القصة القصيرة تطورت مثلما الرواية
بالرغم من هذا الرحيل الجماعي إلى عوالم الرواية، يبقى للقصة سموها، جمالياتها، وأسئلتها التي تطرحها، ومراميها التي تــتناولها بخصوصياتها، وقد وعى هذا كثيرٌ من القصاصين الجزائريين المعاصرين وأبدعوا أيّــما إبداع شكلا ومضمونا في هذا الفضاء القصصي، وشهدت القصة القصيرة تطورا مهمًّا، خصوصًا بعد أحداث أكتوبر 1988 حيث انفتح هذا الجنس الأدبي على كثير من الآفاق والرؤى بوعي، مثلما ظهر جيل جديد اكتسح فضاء الرواية ولا يزال.





