المجلة الثقافية الجزائرية

إِبْطَالُ قَوْلِ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ، وَهْيَ اُلْمَسْأَلَةُ اُلثَّانِيَةُ مِنْ “تَهَافُتُ اُلْفَلاَسِفَةِ” للإِمَامِ اُلْغَزَالِيِّ

شَرْحُ لطفي خيرالله

©تونس، ربيع الأوّل 1447- سبتمبر 2025.

بِسْمِ الله اُلرَّحْمَنِ اُلرَّحِيمِ

اُلْمَسْأَلَةُ اُلثَّانِيَةُ

فِي إِبْطَالِ2 قَوْلِهِمْ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَاَلَمِ1.

-I قَالَ اُلإِمَامُ اُلْغَزَالِيُّ “لِيُعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةَ فَرْعُ اُلأُولَى3، فَإِنَّ اُلْعَالَمَ عِنْدَهُمْ كَمَا أَنَّهُ أَزَلِيٌّ لاَ بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، فَهْوَ أَبَدِيٌّ لاَنِهَايَةَ لِآخِرِهِ4، وَلاَ يُتَصَوَّرُ فَسَادُهُ وَلاَ فَنَاؤُهُ5، بَلْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، وَلاَ يَزَالُ أَيْضًا كَذَلِكَ6.

   وَأَدِلَّتُهُمْ اُلأَرْبَعَةُ اُلَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي اُلأَزَلِيَّةِ جَارِيَةٌ فِي اُلأَبَدِيَّةِ، وَاُلاِعْتِرَاضُ كَاُلاِعْتِرَاضِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ7. فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ اُلْعَالَمَ مَعْلُولٌ8 وَعِلَّتُهُ أَزَلِيَّةٌ9 أَبَدِيَّةٌ10، فَكَانَ اُلْمَعْلُولُ مَعَ اُلْعِلَّةِ11. وَيَقُولُونَ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ اُلعِلَّةُ لَمْ يَتَغَيَّرْ اُلْمَعْلُولُ، وَعَلَيْهِ بَنَوْا مَنْعَ اُلْحُدُوثِ12، وَهُوَ بِعَيْنِهِ جَارٍ فِي اُلاِنْقِطَاعِ13، وَهَذَا مَسْلَكُهُمُ اُلأَوَّلُ14.

   وَمَسْلَكُهُمُ اُلثَّانِي15 أَنَّ اُلْعَالَمَ إِذَا عَدِمَ فَيَكُونُ عَدَمُهُ بَعْدَ وُجُودِهِ16، فَيَكُونُ لَهُ “بَعْدٌ”، فَفِيهِ إِثْبَاتُ اُلزَّمَانِ17.

   وَمَسْلَكُهُمُ اُلثَّالِثُ18 أَنَّ إِمْكَانَ اُلْوُجُودِ لاَ يَنْقَطِعُ19، فَكَذَلِكَ اُلْوُجُودُ اُلْمُمْكِنُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وِفْقِ اُلإِمْكَانِ20، إِلاَّ أَنَّ هَذَا اُلدَّلِيلَ لاَ يَقْوَى21، فَإِنَّا نُحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا، وَلاَ نُحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَبَدِيًّا لَوْ أَبْقَاهُ اُلله تَعَالَى أَبَدًا22، إِذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ اُلْحَادِثِ أَنْ يَكُونَ لَهُ آخِرٌ23، وَمِنْ ضَرُورَةِ اُلْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَوَّلٌ24. وَلَمْ يُوجِبْ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ لاَ مَحَالَةَ آخِرٌ إِلاَّ أَبُو اُلْهُذَيْلِ اُلْعَلاَّفِ25، فَإِنَّهُ قَالَ كَمَا يَسْتَحِيلُ فِي اُلْمَاضِي دَوْرَاتٌ لاَ نِهَايَةَ لَهَا، فَكَذَلِكَ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ26، وَهْوَ فَاسِدٌ، لِأَنَّ كُلَّ اُلْمُسْتَقْبَلِ قَطُّ لاَ يَدْخُلُ فِي اُلْوُجُودِ لاَ مُتَلاَحِقًا وَلاَ مُتَسَاوِقًا، وَاُلْمَاضِي قَدْ دَخَلَ كُلُّهُ فِي اُلْوُجُودِ مُتَلاَحِقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَسَاوِقًا27. وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّا لاَ نُحِيلُ بَقَاءَ اُلْعَالَمِ أَبَدًا مِنْ حَيْثُ اُلْعَقْلُ، بَلْ نُجُوِّزُ إِبْقَاؤُهُ وَإِفْنَاؤُهُ، فَإِنَّمَا يُعْرَفُ اُلْوَاقِعُ مِنْ قِسْمَيِّ اُلْمُمْكِنِ بِاُلشَّرْعِ، فَلاَ يَتَعَلَّقُ اُلنَّظَرُ فِيهِ بِاُلْعُقُولِ28.

   وَأَمَّا مَسْلَكُهُمُ اُلرَّابِعُ29 فَهْوَ مُحَالٌ30، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ31 إِذَا عَدِمَ اُلْعَالَمُ بَقِيَ إِمْكَانُ وُجُودِهِ، إِذِ اُلْمُمْكِنُ لاَ يَنْقَلِبُ مُسْتَحِيلاً32، وَهْوَ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ33، فَيَفْتَقِرُ كُلُّ حَادِثٍ بِزَعْمِهِمْ إِلَى مَادَّةٍ سَابِقَةٍ34، وَكُلُّ مُنْعَدِمٍ فَيَفْتَقِرُ إِلَى مَادَّةٍ يَنْعَدِمُ عَنْهَا35. فَاُلْمَوَادُّ وَاُلأُصُولُ لاَ تَنْعَدِمُ، وَإِنَّمَا تَنْعَدِمُ اُلصُّوَرُ وَاُلأَعْرَاضُ اُلْحَالَّةُ فِيهَا36.

   وَاُلْجَوَابُ عَنِ اُلْكُلِّ مَا سَبَقَ37. وَإِنَّمَا أَفْرَدْنَا هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةَ لِأَنَّ لَهُمْ فِيهَا دَلِيلَيْنِ آخَرَيْنِ.

شَرْحٌ -I-

1) [… فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَاَلَمِ]، اُلأَبَدُ هُوَ كُلُّ أَوْقَاتِ اُلْمُسْتَقْبَلِ الَّتِي سَتُوجَدُ وَاُلَّتِي لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ أَخِيرٌ إِذَا وُجِدَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتٌ آخَرُ سَيُوجَدُ بَعْدَهُ، كَمَا أَنَّ اُلأَزَلَ هُوَ كُلُّ أَوْقَاتِ اُلْمَاضِي اُلَّتِي وُجِدَتْ وَاُلَّتِي لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ أَوَّلُ لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتٌ آخَرُ قَبْلَهُ كَانَ قَدْ وُجِدَ. وَمَعْنَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ هُوَ أَنَّهُ كُلُّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اُلْمُسْتَقْبَلِ اُلَّتِي لاَ آخِرَ لَهَا، مَتَى وُجِدَ وَافَقَ ضَرُورَةً وُجُودُ اُلْعَالَمِ وُجُودَهُ، كَمَا أَنَّ مَعْنَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَزَلِيٌّ هُوَ أَنَّهُ كُلُّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اُلْمَاضِي اُلَّتِي لاَ أَوَّلَ لَهَا، لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا، فَقَدْ وَافَقَ ضَرُورَةً وُجُودُ اُلْعَالَمِ وُجُودَهُ.

2) [فِي إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَاَلَمِ]، اِعْلَمْ أَنَّ إِبْطَالَ اُلْغَزَالِيِّ لِمَذْهَبِ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ لَيْسَ كَإِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ فِي اُلأَزَلِيَّةِ. لِأَنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ فِي اُلأَبَدِيَّةِ كَمَا فِي اُلأَزَلِيَّةِ إِنَّمَا يُثْبِتُونَ أَمْرَيْنِ اِثْنَيْنِ : اُلأَوَّلَ أَنَّ اُلْعَالَمَ جَائِزُ اُلأَبَدِيَّةِ، أَوِ اُلأَزَلِيَّةِ. وَاُلثَّانِي أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ، وَهْوَ أَزَلِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ. لِذَلِكَ كَانَ فِي اُلْمَسْأَلَةِ اُلأُولَى إِنَّمَا قَصَدَ بِاُلإِبْطَالِ لَيْسَ فَقَطْ اُلضَّرُورَةَ فِي كَوْنِ اُلْعَالَمِ أَزَلِيًّا، فَإِنَّ نَقِيضَ هَذَا اُلصَّادِقَ سَيَكُونُ حِينَئِذٍ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَزَلِيٌّ بِاُلْجَوَازِ. بَلْ إِنَّهُ رَامَ أَيْضًا إِبْطَالَ هَذَا اُلْجَوَازِ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ اُلْعَالَمَ عِنْدَهُ هُوَ وَاجِبُ اُلْحُدُوثِ، إِذَنْ فَهْوَ أَزَلِيٌّ بِاُلاِمْتِنَاعِ. أَمَّا فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ إِبْطَالَ مَذْهَبِ اُلْفَلاَسِفَةِ هُوَ مُتَّجِهٌ فَقَطْ عَلَى حُكْمِهِمْ بِضَرُورَةِ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَبَدِيًّا، وَهَذَا بِمُجَرَّدِهِ غَيْرُ مُقْتَضٍ أَلْبَتَّةَ لِأَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَبَدِيًّا بِاُلاِمْتِنَاعِ.

3) [هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةَ فَرْعُ اُلأُولَى]، يُرِيدُ أَنَّ اُلْمَسْأَلَةَ اُلأُولَى لَوْ صَحَّتْ، وَهْيَ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَزَلِيٌّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صِحَّةُ اُلْمَسْأَلَةِ اُلثَّانِيَةِ، وَهْيَ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَبَدِيٌّ. لِأَجْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ وَاُلْمُتَكَلِّمِينَ مَعًا كَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى اُلْقَوْلِ بِاسْتِحَالَةِ عَدَمِ اُلْقَدِيمِ.

4) [لِيُعْلَمْ أَنَّ… لاَنِهَايَةَ لِآخِرِهِ]، يُرِيدُ أَنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ بَعْدَمَا أَوْجَبَتْ أَنَّ اُلْعَالَمَ قَدِيمٌ بِاُلضَّرُورَةِ لاَ بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، فَهْيَ أَيْضًا مُضْطَرَّةٌ لِأَنْ تَقُولَ بِأَنَّهُ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ لاَ آخِرَ لِوُجُودِهِ.

5) [وَلاَ يُتَصَوَّرُ فَسَادُهُ وَلاَ فَنَاؤُهُ]، أَيْ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ مُمْتَنِعُ اُلْفَسَادِ أَوِ اُلْفَنَاءِ. وَ”اُلْفَسَادُ” عِبَارَةُ اُلْفَلاَسِفَةِ، وَ”اُلْفَنَاءُ” عِبَارَةُ اُلْمُتَكَلِّمِينَ، وَبَيْنَهُمَا فَصْلٌ بَيِّنٌ، إِذْ مَعْنَى اُلْفَسَادِ هُوَ خُرُوجُ اُلشَّيْءِ مِنَ اُلنِّظَامِ إِلَى اُللاَّنِظَامِ، أَوِ اِنْتِقَالُهُ مِنَ اُلصُّورَةِ اُلأَكْمَلِ إِلَى اُلصُّورَةِ الأَخَسِّ، كَفَسَادِ اُلْخَشَبِ إِلَى اُلْعَنَاصِرِ الَّتِي تَرَكَّبَ مِنْهَا. لِذَلِكَ فَاُلْفَسَادُ لاَ يَقْتَضِي بُطْلاَنَ اُلْمَادَّةِ أَصْلاً. أَمَّا “اُلْفَنَاءُ” فَيَدُلُّ عَلَى اِنْتِفَاءِ اُلشَّيْءِ اِنْتِفَاءً كُلِّيًّا، وَاِنْتِقَالِهِ مِنَ اُلْوُجُودِ إِلَى اُلْعَدَمِ اُلْمَحْضِ.

6) [بَلْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، وَلاَ يَزَالُ أَيْضًا كَذَلِكَ]، بَلْ قَدْ كَانَ مَوْجُودًا فِي اُلأَزَلِ، وَسَيَبْقَى مَوْجُودًا فِي اُلأَبَدِ.

7) [وَأَدِلَّتُهُمْ اُلأَرْبَعَةُ اُلَّتِي… مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ]، يُرِيدُ أَنَّ الأَدِلَّةَ اُلأَرْبَعَةَ اُلْمَذْكُورَةَ لَوْ كَانَتْ مُثْبِتَةً لِأَزَلِيَّةِ اُلْعَالَمِ لَصَحَّ أَنْ يُثْبَتَ بِهَا هِيَ أَيْضًا بِأَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَبَدِيٌّ. إِذَنْ فَاُلاِعْتِرَاضُ عَلَيْهَا إِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ كَاُلاِعْتِرَاضِ عَلَيْهَا فِي اُلْمَسْأَلَةِ اُلأُولَى.

8) [فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ اُلْعَالَمَ مَعْلُولٌ]، إِنَّ نِسْبَةَ اُلْعَالَمِ إِلَى اُلْبَارِئِ تَعَالَى كَنِسْبَةِ اُلْمَعْلُولِ إِلَى اُلْعِلَّةِ. وَاُلْعِلَّةُ لاَ تَكُونُ عِلَّةً إِلاَّ إِذَا تَمَّ فِيهَا جَمِيعُ مَا لِأَجْلِهِ تَكُونُ مُؤَثِّرَةً فِي وُجُودِ اُلْمَعْلُولِ. وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ اِمْتَنَعَ تَأَخُّرُ اُلْمَعْلُولِ عَنِ اُلْعِلَّةِ. أَيْ أَنَّ اُلْمَعْلُولَ يُوجَدُ مَعَ وُجُودِهَا هِيَ. وَهْوَ أَيْضًا إِذَا لَمْ تَرْتَفِعْ هِيَ لَمْ يَرْتَفِعْ هُوَ إِطْلاَقًا. مِثَالُ ذَلِكَ إِذَا وُجِدَتِ اُلنَّارُ وُجِدَتْ اُلْحَرَارَةُ. وَمَا لَمْ تَبْطُلِ اُلنَّارُ دَامَتْ اُلْحَرَارَةُ.

9) [وَعِلَّتُهُ أَزَلِيَّةٌ]، أَيْ جَمِيعَ مَا لِأَجْلِهِ كَانَ اُلْبَارِئُ مُؤَثِّرًا فِي وُجُودِ اُلْعَالَمِ كَانَ حَاصِلاً فِي اُلأَزَلِ، لِأَنَّ اُلْبَارِئَ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ بِوُجُودِهِ، وَوُجُودُهُ قَدِيمٌ.

10) [وَعِلَّتُهُ…أَبَدِيَّةٌ]، وَلَمَّا كَانَ أَيْضًا هُوَ عِلَّةً بِوُجُودِهِ، وَوُجُودُهُ قَدِيمٌ مُمْتَنِعُ اُلْعَدَمِ وَاُلتَّغَيُّرِ.

11) [فَكَانَ اُلْمَعْلُولُ مَعَ اُلْعِلَّةِ]، لَزِمَ مِنَ اُلأَوَّلِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ مُصَاحَبَةُ اُلْعَالَمِ لِلْبَارِئِ فِي اُلأَزَلِ، وَمِنَ اُلثَّانِي مُصَاحَبَتُهُ إِيَّاهُ فِي اُلأَبَدِ.

12) [وَيَقُولُونَ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ اُلعِلَّةُ لَمْ يَتَغَيَّرْ اُلْمَعْلُولُ، وَعَلَيْهِ بَنَوْا مَنْعَ اُلْحُدُوثِ]، يُرِيدُ وَيَقُولُونَ إِذَا كَانَ اُلْبَارِئُ هُوَ عِلَّةً لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ بِوُجُودِهِ اُلْقَدِيمِ، وَاُلْمَعْلُولُ مَعَ اُلْعِلَّةِ، فَاُلْعَالَمُ قَدِيمٌ وَاُلْحُدُوثُ مُمْتَنِعٌ. وَقَدْ كَانَ اُلْحُدُوثُ مُمْكِنًا لَوْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُ اُلْعَالَمِ لاَزِمًا مِنْ وُجُودِهِ تَعَالَى فَقَطْ. بَلْ كَانَتِ اُلْعِلَّةُ اُلَّتِي هِيَ وُجُودُ اُلْوَاجِبِ لاَ تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً إِلاَّ بِانْضِمَامِ شَرْطٍ مَا آخَرَ مُتَجَدِّدٍ. وَهَذَا هُوَ اُلْمَقْصُودُ بِتَغَيُّرِ اُلْعِلَّةِ. أَمَّا تَغَيُّرُ اُلْمَعْلُولِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اُلْعَالَمَ إِذَا كَانَ لاَزِمًا عَنْ عِلَّةٍ تَغَيَّرَتْ مِنَ اُلنُّقْصَانِ إِلَى اُلتَّمَامِ، فَهْوَ حَادِثٌ لاَ مَحَالَةَ. وَحُدُوثُهُ إِنَّمَا هُوَ تَغَيُّرٌ فِيهِ مِنَ حَالِ اُلْعَدَمِ إِلَى حَالِ اُلْوُجُودِ. وَإِذْ قَدْ بَانَ اِسْتِحَالَةُ أَنْ تَكُونَ اُلْعِلَّةُ اُلْمُوجِدَةُ لِلْعَالَمِ قَدْ تَغَيَّرَتْ مِنَ اُلنُّقْصَانِ إِلَى اُلتَّمَامِ، بَانَ أَيْضًا اِسْتِحَالَةُ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ قَدْ تَغَيَّرَ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْحُدُوثِ. إِذًا فَاُلْعَالَمُ هُوَ مُمْتَنِعُ اُلْحُدُوثِ.

13) [وَهُوَ بِعَيْنِهِ جَارٍ فِي اُلاِنْقِطَاعِ]، يُرِيدُ أَنَّ مُقَدِّمَاتِ هَذِهِ اُلْحُجَّةِ جَارِيَةٌ أَيْضًا فِي إِثْبَاتِ أَنَّ اُلْعَالَمَ لاَ آخِرَ لَهُ وَأَنَّهُ دَائِمُ اُلْوُجُودِ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ. لَكِنَّ اُلطَّرِيقَةَ فِيهِ غَيْرُ اُلطَّرِيقَةِ اُلأُولَى. إِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ وُجُودَ اُلْوَاجِبِ هُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ. وَاُلْمَعْلُولُ بَاقٍ مَا بَقِيَتِ اُلْعِلَّةُ، فَاُلْعَالَمُ بَاقٍ مَا بَقِيَ وُجُودُ اُلْوَاجِبِ. لَكِنَّ اُلْوَاجِبَ هُوَ قَدِيمٌ مُمْتَنِعُ اُلْعَدَمِ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ مُمْتَنِعُ اُلْعَدَمِ، وَهْوَ دَائِمٌ بِدَوَامِ اُلأَوَّلِ.

14) [وَهَذَا مَسْلَكُهُمُ اُلأَوَّلُ]، وَهَذَا وَجْهُ اِسْتِعْمَالِهِمْ لِلدَّلِيلِ اُلأَوَّلِ فِي هَذَا اُلْمَطْلُوبِ.

15) [وَمَسْلَكُهُمُ اُلثَّانِي]، وَوَجْهُ اِسْتِعْمَالِهِمْ لِلدَّلِيلِ اُلثَّانِي اُلْمَأْخُوذِ مِنَ اُلزَّمَانِ.

16) [أَنَّ اُلْعَالَمَ إِذَا عَدِمَ فَيَكُونُ عَدَمُهُ بَعْدَ وُجُودِهِ]، أَيْ أَنَّ اُلْعَالَمَ اُلْمَوْجُودَ إِذَا عَدِمَ حَصُلَ مِنْهُ مَعَانٍ ثَلاَثَةٌ، مَعْنَى اُلْوُجُودِ، وَمَعْنَى اُلْعَدَمِ، وَمَعْنَى اُلْبَعْدِيَّةِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ تَأَخُّرُ اُلْعَدَمِ عَلَى اُلْوُجُودِ.

17) [فَيَكُونُ لَهُ “بَعْدٌ”، فَفِيهِ إِثْبَاتُ اُلزَّمَانِ]، وَاُلْبَعْدُ كَاُلْقَبْلِ جُزْءٌ مُقَوِّمٌ لِلزَّمَانِ، وَهْوَ غَيْرُ اُلْوُجُودِ اُلْمُتَقَدِّمِ، وَاُلْعَدَمِ اُلْمُتَأَخِّرِ. إِذَنْ فَبَعْدَ فَنَاءِ اُلْعَالَمِ هُنَاكَ اُلزَّمَانُ ثَابِتٌ لاَ فَنَاءَ فِيهِ. وَلَكِنَّ اُلزَّمَانَ هُوَ مَشْرُوطٌ بِاُلْحَرَكَةِ اُلْمَشْرُوطَةِ بِاُلْمُتَحَرِّكِ. فَصَحَّ أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ لاَ آخِرَ لَهُ.

18) [وَمَسْلَكُهُمُ اُلثَّالِثُ]، أَيْ وَوَجْهُ اِسْتِعْمَالِهِمْ لِلدَّلِيلِ اُلثَّالِثِ اُلْمَأْخُوذِ مِنَ اُلإِمْكَانِ، فِي هَذَا اُلْمَطْلُوبِ.

19) [أَنَّ إِمْكَانَ اُلْوُجُودِ لاَ يَنْقَطِعُ]، لِأَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ مَوْجُودٌ، إِذَنْ فَلَيْسَ هُوَ بِمُمْتَنِعٍ، أَعْنِي أَنَّهُ مُمْكِنٌ. وَإِمْكَانُهُ الآنَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ بَاطِلاً فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اُلْمُسْتَقْبَلِ اُللاَّمُتَنَاهِيَةِ، لِمُحَالِ اِنْقِلاَبِ اُلطَّبِيعَةِ مِنَ اُلإِمْكَانِ إِلَى اُلاِمْتِنَاعِ.

20) [فَكَذَلِكَ اُلْوُجُودُ اُلْمُمْكِنُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وِفْقِ اُلإِمْكَانِ]، إِذَنْ فَهَذَا اُلْعَالَمُ اُلْمُمْكِنُ، عَلَى مَعْنَى هَذَا اُلْعَالَمِ اُلْغَيْرِ مُمْتَنِعٍ، هُوَ مُمْكِنٌ أَيْضًا أَنْ يُوجَدَ كَوُجُودِ اُلإِمْكَانِ، وَاُلإِمْكَانُ هُوَ أَبَدِيٌّ، كَذَلِكَ فَاُلْعَالَمُ هُوَ مُمْكِنُ اُلأَبَدِيَّةِ. وَاُلْمُمْكِنُ فِي اُلأَبَدِ وَاجِبٌ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ هُوَ وَاجِبُ اُلأَبَدِيَّةِ.

21) [إِلاَّ أَنَّ هَذَا اُلدَّلِيلَ لاَ يَقْوَى]، إِلاَّ أَنَّ هَذَا اُلدَّلِيلَ اُلْمَأْخُوذَ مِنَ اُلإِمْكَانِ لاَ يَدُلُّ، لِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ لَدَلَّ عَلَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَزَلِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ، وَاُلْعَالَمُ عِنْدَنَا هُوَ حَادِثٌ بِاُلضَّرُورَةِ. لِذَلِكَ هُوَ كَانَ شُبْهَةً وَجَبَ حَلُّهَا، وَقَدْ حَلَلْنَاهَا. وَإِذْ لَيْسَ يَدُلُّ، فَلَيْسَ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ. لَكِنْ نَحْنُ كَذَلِكَ مَا عِنْدَنَا بُرْهَانٌ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ فَانٍ بِاُلضَّرُورَةِ. بَلْ رُبَّمَا هُنَاكَ فَقَطْ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ جَائِزُ اُلْبَقَاءِ إِلَى مَا لاَنِهَايَةَ، لاَ بِضَرُورَةٍ ذَاتِيَّةٍ، بَلْ بِمَشِيئَةِ اُلْبَارِئِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

22) [فَإِنَّا نُحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا، وَلاَ نُحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَبَدِيًّا لَوْ أَبْقَاهُ اُلله تَعَالَى أَبَدًا]، وَهَذَا اُلدَّلِيلُ وَإِنْ دَلَّ دِلاَلَةً كَاذِبَةً عَلَى أَمْرٍ مُمْتَنِعٍ فِي نَفْسِهِ، وَهْوَ أَزَلِيَّةُ اُلْعَالَمِ، فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ تَكُونَ دِلاَلَتُهُ اُلْكَاذِبَةُ عَلَى أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ دِلاَلَةً عَلَى أَمْرٍ مُمْتَنِعٍ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا. بَلْ اُلْعَالَمُ عِنْدَنَا جَائِزُ اُلأَبَدِيَّةِ، فَلَوْ شَاءَ اُللهُ إِفْنَاءَهُ أَفْنَاهُ، أَوْ شَاءَ إِبْقَاءَهُ بِلاَ نِهَايَةٍ أَبْقَاهُ. أَيْ أَنَّ اُلْعَالَمَ بَاقٍ لَيْسَ بِضَرُورَةٍ ذَاتِيَّةٍ، بَلْ بِإِرَادَةٍ إِلاَهِيَّةٍ.

23) [إِذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ اُلْحَادِثِ أَنْ يَكُونَ لَهُ آخِرٌ]، لِلْفَلاَسِفَةِ قَوَاعِدُ مُتَقَرِّرَةٌ بَيَّنَهَا أَرُسْطُو فِي كِتَابِ اُلسَّمَاءِ وَاُلْعَالَمِ وَهْيَ :

   أَوَّلاً، كُلَّ مَا لَيْسَ بِمُتَكَوِّنٍ لَيْسَ بِفَاسِدٍ.

   ثَانِيًا، كُلُّ مُتَكَوِّنٍ فَاسِدٌ، أَيْ كُلَّ حَادِثٍ فَلَهُ آخِرٌ.

   لِذَلِكَ اِعْتَقَدَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ أَنَّ اُلْمُتَكَلِّمِينَ قَدْ نَاقَضُوا حِينَمَا جَوَّزُوا لِلْعَالَمِ أَنْ يَكُونَ بِلاَ نِهَايَةٍ مَعَ إِثْبَاتِهِمْ أَنَّهُ حَادِثٌ بِاُلضَّرُورَةِ. وَاُلْغَزَالِيُّ هَاهُنَا إِنَّمَا يُذَكِّرُ بِأَنَّ اُلْحُدُوثَ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِلأَبَدِيَّةِ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ بَقَاءُ اُلْعَالَمِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، خِلاَفًا لِلْقِدَمِ، فَفِيهِ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَزَلِيًّا.

24) [وَمِنْ ضَرُورَةِ اُلْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَوَّلٌ]، وَإِذْ أَنَّ مَعْنَى اُلْحُدُوثِ عِنْدَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ هُوَ اُلْمَسْبُوقِيَّةُ بِاُلْعَدَمِ، وَاُلْقِدَمُ عَدَمُ اُلْمَسْبُوقِيَّةِ بِاُلْعَدَمِ، فَإِنَّ اُلَّذِي لِأَجْلِهِ قَدْ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ قَدِيمًا، فَلِأَنَّ قِدَمَهُ مُبْطِلٌ أَصْلاً لِأَنْ يَكُونَ فِعْلاً للهِ تَعَالَى، بَلْ يَجْعَلُهُ فَقَطْ وَاجِبًا عَنْهُ بِاُلطَّبْعِ، كَوُجُوبِ اُلْحَرَارَةِ مِنَ اُلنَّارِ. فَاُلْمُؤَثِّرُ اُلطَّبِيعِيُّ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَثَرُهُ بِاُلذَّاتِ وَبِاُلتَّسْخِيرِ وَبِلاَ عِلْمٍ مِنْهُ وَعَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مَا كَانَ يُمْكِنُ لِلْمُؤَثِّرِ إِذْ هُوَ مُؤَثِّرٌ أَنْ يَلْزَمَ عَنْهُ خِلاَفُهَا. فَمَثَلاً اُلنَّارُ بِذَاتِهَا تَلْزَمُهَا اُلْحَرَارَةُ بِلاَ عِلْمٍ مِنْهَا، وَلَيْسَ يُمْكِنُهَا بِمَا هِيَ نَارٌ أَنْ تَمْنَعَ لُزُومَ ذَلِكَ عَنْهَا. وَلَمَّا كَانَ اُلْفِعْلُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ اُلتَّأْثِيرِ اُلطَّبِيعِيِّ، كَانَتْ شُرُوطُهُ غَيْرَ شُرُوطِهِ : أَعْنِي أَنَّ اُلْفِعْلَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ اُلْفَاعِلُ قَاصِدًا إِلَيْهِ لاَ لاَزِمًا مِنْهُ بِاُلتَّسْخِيرِ، وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَعَلَى خِلاَفِهِ. وَتَرْجِيحُ مَا اُلْقُدْرَةُ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى خِلاَفِهِ، إِنَّمَا يَكُونُ بِاُلْقَصْدِ اُلْمُخَصِّصِ. إِذَنْ فَبِنَاءُ اُلْفِعْلِ عَلَى اُلْقَصْدِ. وَإِذْ أَنَّ وَقْتَ اُلْقَصْدِ إِلَى اُلْفِعْلِ هُوَ غَيْرُ وَقْتِ اُلْفِعْلِ، لِأَنَّ اُلْحَاصِلَ لاَ يَكُونُ مَقْصُودًا، إِذَنْ فَوَقْتُ اُلْقَصْدِ إِلَى اُلْفِعْلِ هُوَ وَقْتُ عَدَمِ اُلْفِعْلِ لاَ مَحَالَةَ، إِذَنْ فَاُلْفِعْلُ لاَ يَكُونُ فِعْلاً إِلاَّ إِذَا كَانَ بِاُلضَّرُورَةِ مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ، أَعْنِي حَادِثًا ذَا أَوَّلٍ.

25) [وَلَمْ يُوجِبْ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ لاَ مَحَالَةَ آخِرٌ إِلاَّ أَبُو اُلْهُذَيْلِ اُلْعَلاَّفِ]، أَيْ وَلَمْ يَقُلْ مِنَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ إِنَّ اُلْعَالَمَ فَانٍ بِاُلضَّرُورَةِ إِلاَّ أَبُو اُلْهُذَيْلِ اُلْعَلاَّف اُلْمُعْتَزِلِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 235 مِنَ اُلْهِجْرَةِ. بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ فَانٍ بِاُلْجَوَازِ فَقَطْ، وَيُظَنُّ أَنَّهُ أَبَدِيٌّ بِاُلسَّمْعِ.

26) [فَإِنَّهُ قَالَ كَمَا يَسْتَحِيلُ فِي اُلْمَاضِي دَوْرَاتٌ لاَ نِهَايَةَ لَهَا، فَكَذَلِكَ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ]، وَاُلَّذِي أَدَّى أَبَا اُلْهُذَيْلِ اُلْعَلاَّفَ إِلَى مُخَالَفَةِ اُلْمُتَكَلِّمِينَ وَرُكُوبِ اُلْقَوْلِ بِفَنَاءِ اُلْعَالَمِ هَذَا اُلإِلْزَامُ : إِذْ أَنَّ اُلدَّلِيلَ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى حُدُوثِ اُلْجِسْمِ لِأَنَّ اُلْحَوَادِثَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَمْضِيَ إِلَى مَا لاَ أَوَّلَ لَهُ، وَاُلْجِسْمُ كَذَلِكَ لاَ يَخْلُو مِنَ اُلْحَوَادِثِ، فَهْوَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا، إِذَنْ فَاُلْجِسْمُ أَيْضًا لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى مَا لاَ أَوَّلَ لَهُ، فَاُلْجِسْمُ حَادِثٌ. وَبَيَانُ أَنَّ اُلْحَوَادِثَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَمُرَّ إِلَى مَا لاَ أَوَّلَ لَهُ، هُوَ أَنَّ اُلْيَوْمَ مَثَلاً لَوْ أَتَى بَعْدَ أَيَّامٍ لاَ أَوَّلَ لَهَا، لَمَا أَتَى، لِأَنَّ حُصُولَهُ سَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى أُمُورٍ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ، وَاِنْقِضَاءُ مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ مُحَالٌ. وَاُلْمَوْقُوفُ عَلَى شَرْطٍ مُحَالٍ مُحَالٌ. إِذَنْ فَكَمَا اِمْتَنَعَتْ حَوَادِثُ لاَ مُتَنَاهِيَةٌ فِي اُلْمَاضِي، فَهْيَ مُمْتَنِعَةٌ أَيْضًا فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ. وَاُلْعَالَمُ لَهُ آخِرٌ بِاُلضَّرُورَةِ، كَمَا كَانَ لَهُ أَوَّلٌ بِاُلضَّرُورَةِ.

27) [لِأَنَّ كُلَّ اُلْمُسْتَقْبَلِ قَطُّ لاَ يَدْخُلُ فِي اُلْوُجُودِ… وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَسَاوِقًا]، وَقِيَاسُ أَبِي اُلْهُذَيْلِ اُلْمُسْتَقْبَلَ عَلَى اُلْمَاضِي قِيَاسٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ اُلأُمُورَ فِي اُلْمَاضِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَسَاوِقَةً، أَيْ مُجْتَمِعَةً مَعًا، كَاُلنُّفُوسِ اُلْمُفَارِقَةِ لِأَبْدَانِهَا، بَلْ مُتَلاَحِقَةٌ، أَيْ مُتَعَاقِبَةً، كَأَدْوَارِ اُلْفَلَكِ، فَهْيَ قَدْ دَخَلَتْ كُلُّهَا فِي اُلْوُجُودِ. لِذَلِكَ فَإِثْبَاتُ مَا لاَ يَتَنَاهَى فِي اُلْمَاضِي يَقْتَضِي لاَ مَحَالَةَ إِثْبَاتَ غَيْرِ مُتَنَاهٍ بِاُلْفِعْلِ. وَهَذَا مُحَالٌ عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي اُلأُمُورِ اُلْمُتَسَاوِقَةِ فَقَطْ، وَعِنْدَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ فِي اُلأُمُورِ اُلْمُتَسَاوِقَةِ وَاُلْمُتَلاَحِقَةِ مَعًا. أَمَّا اُلْمُسْتَقْبَلُ فَغَيْرُ مَوْجُودٍ أَصْلاً، وَإِذَا دَخَلَ فِي اُلْوُجُودِ لَمْ يَدْخُلْ كُلُّهُ، بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. كَذَلِكَ فَاُلأُمُورُ الَّتِي سَتُوجَدُ، عَلَى اُلتَّعَاقُبِ أَوْ مَعًا، إِنَّمَا تَدْخُلُ فِي اُلْوُجُودِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ بِلاَ نِهَايَةٍ، أَيْ مَا يَصِيرُ مِنْهَا بِاُلْفِعْلِ دَائِمًا إِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ مَحْدُودٌ. لِذَلِكَ كَانَ اُلْوُجُودُ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ غَيْرِ اُلْمُتَنَاهِي بِاُلْقُوَّةِ الَّذِي تُقِرُّهُ اُلْفَلاِسِفَةُ، وَلاَ يَأْبَاهُ اُلْمُتَكَلِّمُونَ.

28) [وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّا لاَ نُحِيلُ بَقَاءَ اُلْعَالَمِ أَبَدًا مِنْ حَيْثُ اُلْعَقْلُ… فَلاَ يَتَعَلَّقُ اُلنَّظَرُ فِيهِ بِاُلْعُقُولِ]، وَإِذْ لَيْسَ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ، أَوْ فَانٍ بِاُلضَّرُورَةِ، فَإِنَّ اُلْحُكْمَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ اُلْعَقْلِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ بِأَنَّهُ مُمْكِنُ اُلْبَقَاءِ، وَمُمْكِنُ اُلْفَنَاءِ، بِاُلسَّوِيَّةِ. أَمَّا تَرْجِيحُ اُلطَّرَفِ اُلْوَاقِعِ، فَهْوَ لِلسَّمْعِ، وَاُلْعَقْلُ فِي مَنْأًى مِنْهُ.

29) [وَأَمَّا مَسْلَكُهُمُ اُلرَّابِعُ]، وَوَجْهُ اِسْتِعْمَالِهِمْ لِلدَّلِيلِ اُلرَّابِعِ اُلْمَأْخُوذِ مِنَ اُلْمَادَّةِ.

30) [فَهْوَ مُحَالٌ]، بِمَا بَانَ مِنْ جَوَابٍ عَلَيْهِ فِي اُلْمَسْأَلَةِ اُلأُولَى.

31) [لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ]، وَاِسْتِعْمَالُهُمْ لِهَذَا اُلدَّلِيلِ فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ هَكَذَا :

32) [إِذَا عَدِمَ اُلْعَالِمُ… لاَ يَنْقَلِبُ مُسْتَحِيلاً]، إِنَّ نِسْبَةَ اُلْوُجُودِ إِلَى ذَاتِ اُلْعَالَمِ بِلاَ شَرْطِ اُلْوُجُودِ أَوِ اُلْعَدَمِ، هِيَ اُلإِمْكَانُ. كَذَلِكَ فَلَوْ بَطَلَتْ هَذِهِ اُلنِّسْبَةُ مَعَ عَدَمِ اُلْعَالَمِ لَاقْتَضَى ذَلِكَ اِنْقَلاَبَ طَبِيعَةِ الإِمْكَانِ فِي نَفْسِهَا إِلَى طَبِيعَةِ اُلاِمْتِنَاعِ، وَهَذَا مُحَالٌ. فَاُلإِمْكَانُ إِذَنْ بَاقٍ مَعَ فَرْضِ فَنَاءِ اُلْعَالَمِ.

33) [وَهْوَ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ]، وَاُلإِمْكَانُ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ مَوْجُودٌ عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ، خِلاَفًا لِلْمُتَكَلِّمِينَ اُلْمُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اُلْمُضَافِ. وَلاَ بُدَّ لِهَذَا اُلْوَصْفِ اُلْمَوْجُودِ مِنْ مَحَلٍّ، وَهْوَ اُلْمَادَّةُ. فَاُلْمَادَّةُ بَاقِيَةٌ.

34) [فَيَفْتَقِرُ كُلُّ حَادِثٍ بِزَعْمِهِمْ إِلَى مَادَّةٍ سَابِقَةٍ]، إِذًا فَكُلُّ حَادِثٍ بِزَعْمِ اُلْفَلاَسِفَةِ مُحْتَاجٌ إِلَى مَادَّةٍ سَابِقَةٍ تَكُونُ هِيَ اُلْمَوْضُوعَ اُلْحَامِلَ لِلإِمْكَانِ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى اُلْفِعْلِ صَارَ، أَيِ اُلْمَوْضُوعَ، ذَلِكَ اُلْحَادِثَ بِعَيْنِهِ. وَمَعْنَى اُلْحُدُوثِ حِينَئِذٍ، فَهْوَ أَنْ تَصِيرَ اُلصُّورَةُ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً بْاُلْقوَّةِ فِي اُلْمَادَّةِ، مَوْجُودَةً بِاُلْفِعْلِ.

35) [وَكُلُّ مُنْعَدِمٍ فَيَفْتَقِرُ إِلَى مَادَّةٍ يَنْعَدِمُ عَنْهَا]، كَذَلِكَ فَاُلاِنْعِدَامُ إِنَّمَا هُوَ فَسَادٌ، وَاُلْفَسَادُ إِنَّمَا هُوَ اِنْتِقَالٌ مِنَ اُلْوُجُودِ بِاُلْفِعْلِ، أَعْنِي مِنْ وُجُودِ اُلصُّورَةِ بِاُلْفِعْلِ فِي اُلْمَوْضُوعِ، إِلَى اُلْوُجُودِ بِاُلْقُوَّةِ، أَعْنِي إِلَى اُلْمَادَّةِ الَّتِي كَانَتْ حَامِلَةً لِلإِمْكَانِ اُلأَوَّلِ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى اِفْتِقَارِ اُلْمُنْعَدِمِ إِلَى مَادَّةٍ يَنْعَدِمُ عَنْهَا.

36) [فَاُلْمَوَادُّ وَاُلأُصُولُ لاَ تَنْعَدِمُ، وَإِنَّمَا تَنْعَدِمُ اُلصُّوَرُ وَاُلأَعْرَاضُ اُلْحَالَّةُ فِيهَا]، لِذَلِكَ فَاُلْعَدَمُ لَيْسَ عَدَمَ اُلْمَادَّةِ، بَلْ خُلُوُّ اُلْمَادَّةِ مِنَ اُلصُّورَةِ اُلْحَالَّةِ فِيهَا، كَمَا أَنَّ اُلْحُدُوثَ لَيْسَ حُدُوثَ اُلْمَادَّةِ، بَلْ حُلُولُ اُلصُّورَةِ فِي اُلْمَادَّةِ.

37) [وَاُلْجَوَابُ عَنِ اُلْكُلِّ مَا سَبَقَ]، وَاُلْجَوَابُ عَلَى هَذِهِ اُلأَدِلَّةِ اُلأَرْبَعَةِ وَإِبْطَالُهَا فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ، كَاُلْجَوَابِ عَلَيْهَا فِي اُلْمَسْأَلَةِ اُلأُولَى.

-II قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “اُلأَوَّلُ، مَا تَمَسَّكَ بِهِ جَالِينُوسْ1 إِذْ قَالَ لَوْ كَانَتِ اُلشَّمْسُ مَثَلاً تَقْبَلُ اُلاِنْعِدَامَ لَظَهَرَ فِيهَا ذُبُولٌ فِي مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وَاُلأَرْصَادُ اُلدَّالَّةُ عَلَى مِقْدَارِهَا مُنْذُ آلاَفِ اُلسِّنِينَ لاَ تَدُلُّ إِلاَّ عَلَى هَذَا اُلْمِقْدَارِ2، فَلَمَّا لَمْ تَذْبُلْ فِي هَذِهِ اُلآمَادِ اُلطَّوِيلَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَفْسُدُ3.”

شَرْحٌ -II-

1) [جَالِينُوسْ]، طَبِيبٌ يُونَانِيٌّ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 201 مِنَ اُلْمِيلاَدِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ أَبُو اُلطُّيِّبِ اُلْمُتَنَبِّي اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 354 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، قَدْ ضَرَبَهُ مَثَلاً فِي شِعْرِهِ حَيْثُ قَالَ :

     يَمُوتُ رَاعِي اُلضَّأْنِ فِي جَهْلِهِ … مَوْتَةَ جَالِينُوسَ فِي طِبِّهِ.

وَهَذِهِ اُلْحُجَّةُ لِجَالِينُوسَ فِي أَنَّ اُلْعَالَمَ لاَ يَفْسُدُ قَدْ أَوْرَدَهَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا اُلرَّازِيّ اُلطَّبِيبُ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 313 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، فِي كِتَابِ “اُلشُّكُوكُ عَلَى جَالِينُوسَ”، وَقَالَ إِنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي اُلْمَقَالَةِ اُلرَّابِعَةِ مِنْ كِتَابِ “اُلْبُرْهَانُ” لِجَالِينُوسَ. وَهَذَا نَصُّهَا “لَوْ فَسَدَ اُلْعَالَمُ لَكَانَتْ لاَ تَلْبَثُ اُلأَجْسَامُ الَّتِي فِيهِ بِحَالٍ وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا وَلاَ الأَبْعَادُ الَّتِي فِيمَا بَيْنَهَا وَاُلْمَقَادِيرُ وَاُلْحَرَكَاتُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَفْنَى مَاءُ اُلْبَحْرِ الَّذِي قِبَلَنَا، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ اُلأَشْيَاءِ زَائِلاً عَنْ حَالِهِ أَوْ تَغَيَّرَ، وَقَدْ رَصَدَهَا اُلْمُنَجِّمُونَ أُلُوفًا مِنَ اُلسِّنِينَ كَثِيرَةً، فَيَجِبُ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَلاَّ يَهْرَمَ، فَهْوَ إِذَنْ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْفَسَادِ.”

2) [إِذْ قَالَ لَوْ …لاَ تَدُلُّ إِلاَّ عَلَى هَذَا اُلْمِقْدَارِ]، هَذَا اُلْمِقْدَارُ، هُوَ مِقْدَارُ اُلشَّمْسِ اُلْمُدْرَكُ مِنْهَا اُلْيَوْمَ.

3) [فَلَمَّا لَمْ تَذْبُلْ … دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَفْسُدُ]، لَقَدْ صَحَّ أَنَّ اُلشَّمْسَ، كَسَائِرِ أَجْزَاءِ اُلْعَالَمِ، هِيَ مَوْجُودَةٌ مُنْذُ مُدَّةٍ لاَ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ كَمِّيَتِهَا. وَعُلَمَاءُ اُلرَّصْدِكَانُوا قَدْ رَصَدُوهَا، وَرَصَدُوا أَيْضًا اُلْكَوَاكِبَ اُلأُخْرَى، مُنْذُ آلاَفِ اُلسِّنِينَ. وَكَثِيرٌ مِنْ رَصْدِهِمْ ذَاكَ بَقِيَ مَحْفُوظًا، تَتَوَارَثُهُ اُلأَمَمُ، أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ. لَكِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ قَطُّ لِلْمُتَأَخِّرِينَ بِقِيَاسِ رَصْدِهِمْ إِلَى وَصْفِ اُلْمُتَقَدِّمِينَ، فِي هَذِهِ اُلآمَادِ اُلطَّوِيلَةِ، أَيُّ اِخْتِلاَفٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي مِقْدَارِ اُلشَّمْسِ، أَوْ صُورَتِهَا. فَاُلشَّمْسُ إِذًا لاَ تَقْبَلُ اُلْفَسَادَ.

-III قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “الاِعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ1 : الأَوَّلِ أَنَّ شَكْلَ هَذَا اُلدَّلِيلِ أَنْ يُقَالَ إِنْ كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَلْحَقَهَا ذُبُولٌ. لَكِنَّ اُلتَّالِي مُحَالٌ، فَاُلْمُقَدَّمُ مُحَالٌ. وَهَذَا قِيَاسٌ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ “اُلشَّرْطِيُّ اُلْمَتَّصِلُ”2. وَهَذِهِ اُلنَّتِيجَةُ غَيْرُ لاَزِمَةٍ3، لِأَنَّ اُلْمُقَدَّمَ غَيْرُ صَحِيحٍ4 مَا لَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ شَرْطٌ آخَرُ وَهْوَ قَوْلُهُ، إِنْ كَانَتْ تَفْسُدُ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ5، فَهَذَا اُلتَّالِي6 لاَ يَلْزَمُ هَذَا اُلْمُقَدَّمَ إِلاَّ بِزِيَادَةِ شَرْطٍ، وَهْوَ أَنْ نَقُولَ، إِنْ كَانَتْ تَفْسُدُ فَسَادًا ذُبُولِيًّا، فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ مُدَّةٍ7، أَوْ يُبَيَّنُ أَنَّهُ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِطَرِيقِ اُلذُّبُولِ حَتَّى يَلْزَمَ اُلتَّالِي لِلْمُقَدَّمِ8. وَلاَ نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّهُ لاَ يَفْسُدُ اُلشَّيْءُ إِلاَّ بِاُلذُّبُولِ، بَلِ اُلذُّبُولُ أَحَدُ وُجُوهِ اُلْفَسَادِ، وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يَفْسُدَ اُلشَّيْءُ بَغْتَةً، وَهْوَ عَلَى حَالِ كَمَالِهِ9. اُلثَّانِي10، أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ هَذَا وَأَنَّهُ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِاُلذُّبُولِ، فَمِنْ أَيْنَ عَرَفَ أَنَّهُ لاَ يَعْتَرِيهَا اُلذُّبُولُ11. أَمَّا اِلْتِفَاتُهُ إِلَى اُلأَرْصَادِ فَمُحَالٌ لِأَنَّهَا لاَ تُعْرَفُ مَقَادِيرُهَا إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ12، وَاُلشَّمْسُ الَّتِي يُقَالُ إِنَّهَا كَاُلأَرْضِ مِائَةً وَسَبْعِينَ مَرَّةً، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ13، وَلَوْ نَقُصَ مِنْهَا مِقْدَارُ جِبَالٍ مَثَلاً لَكَانَ لاَ يَتَبَيَّنُ لِلْحِسِّ، فَلَعَلَّهَا فِي اُلذُّبُولِ وَإِلَى الآنَ قَدْ نَقُصَ مِقْدَارُ جِبَالٍ فَأَكْثَرُ وَاُلْحِسُّ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ، لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ فِي عِلْمِ اُلْمَنَاظِرِ لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ14، وَهَذَا كَمَا أَنَّ اُلْيَاقُوتَ وَاُلذَّهَبَ مُرَكَّبَانِ مِنَ اُلْعَنَاصِرِ عِنْدَهُمْ وَهْيَ قَابِلَةٌ لِلْفَسَادِ15، ثُمَّ لَوْ وُضِعَتْ يَاقُوتَةٌ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَكُنْ نُقْصَانُهَا مَحْسُوسًا. فَلَعَلَّ نِسْبَةَ مَا يَنْقُصُ مِنَ اُلشَّمْسِ فِي مُدَّةِ تَارِيخِ الأَرْصَادِ كَنِسْبَةِ مَا يَنْقُصُ مِنَ اُلْيَاقُوتَةِ فِي مِائَةِ سَنَةٍ، وَذَلِكَ لاَ يَظْهَرُ لِلْحِسِّ16. فَدَلَّ أَنَّ دَلِيلَهُ فِي غَايَةِ اُلْفَسَادِ17.

   وَقَدْ أَعْرَضْنَا عَنْ إِيرَادِ أَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا اُلْجِنْسِ يَتْرُكُهَا اُلْعُقَلاَءُ، وَأَوْرَدْنَا هَهُنَا هَذَا اُلْوَاحِدَ لِيَكُونَ عِبْرَةً وَمِثَالاً لِمَا تَرَكْنَاهُ، وَاُقْتَصَرْنَا عَلَى اُلأَدِلَّةِ اُلأَرْبَعَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ فِي حَلِّ شُبْهَتِهَا كَمَا سَبَقَ.

شَرْحٌ -III-

1) [الاِعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ]، جِهَتَانِ فِي اُلدَّلِيلِ يَشْتَمِلاَنِ عَلَى خَلَلٍ، إِذَا بَيَنَّاهُمَا، ظَهَرَ بُطْلاَنُهُ.

2) [لَكِنَّ اُلتَّالِي مُحَالٌ… عِنْدَهُمْ “اُلشَّرْطِيُّ اُلْمَتَّصِلُ”]، الأَوَّلُ أَنَّهُ دَلِيلٌ إِنَّمَا هُوَ قِيَاسٌ اِسْتِثْنَائِيٌّ مُؤَلَّفٌ مِنْ شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَةٍ، وَمِنْ حَمْلِيَّةٍ هِيَ أَحَدُ جُزْأَيِّ اُلشَّرْطِيَّةِ. وَصُورَتُهُ هِيَ هَكَذَا : “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ”، وَهَذَا اُلْمُقَدَّمُ، “فَيَلْزَمُ أَنْ يَلْحَقَهَا ذُبُولٌ”، وَهَذَا اُلتَّالِي. وَ”لَكِنْ مُحَالٌ أَنْ تَكُونَ اُلشَّمْسُ قَدْ لَحِقَهَا ذُبُولٌ”، وَهَذَا اِسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ اُلتَّالِي. “فَوَجَبَ إذًا أَنَّ اُلشَّمْسَ لاَ تَفْسُدُ”، وَهَذَا نَتِيجَةُ اُلْقِيَاسِ، وَهْوَ إِنْتَاجُ نَقِيضِ اُلْمُقَدَّمِ.

3) [وَهَذِهِ اُلنَّتِيجَةُ غَيْرُ لاَزِمَةٍ]، وَهَذِهِ اُلنَّتِيجَةُ وَإِنْ لَزِمَتْ مِنْ جِهَةِ اُلصُّورَةِ، فَغَيْرُ لاَزِمَةٍ فِي نَفْسِهَا. إِذْ أَنَّهَا قَدِ اِنْبَنَتْ عَلَى مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَهْيَ اُلشَّرْطِيَّةُ اُلْمُتَّصِلَةُ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَلْحَقَهَا ذُبُولٌ.”

4) [لِأَنَّ اُلْمُقَدَّمَ غَيْرُ صَحِيحٍ]، فَاُلْمُقَدَّمُ هُوَ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ”. وَيُرِيدُ بِأَنَّ اُلْمُقَدَّمَ غَيْرُ صَحِيحٍ، أَنَّ اُلتَّالِي “فَلاَ بُدَّ أَنْ يَلْحَقَهَا ذُبُولٌ” إِذَا وُضِعَ لَهُ ذَلِكَ اُلْمُقَدَّمُ، لَمْ يَكُنْ لُزُومُهُ عَنْهُ لُزُومًا صَحِيحًا. مِثَالُ ذَلِكَ هَذَا اُلتَّالِي “فَاُلنَّهَارُ مَوْجُودٌ” هَوَ لاَزِمٌ لُزُومًا صَحِيحًا عَنْ قَوْلِكَ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ طَالِعَةً”. إِذَنْ فَهْوَ مُقَدَّمٌ صَحِيحٌ لِذَلِكَ اُلتَّالِي. وَلَوْ قِيلَ “إِذَا كَانَ اُلْحِمَارُ نَاهِقًا” “فَاُلنَّهَارُ مَوْجُودٌ”، كَانَ اُلْمُقَدَّمُ غَيْرَ صَحِيحٍ.

5) [مَا لَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ شَرْطٌ آخَرُ وَهْوَ قَوْلُهُ، إِنْ كَانَتْ تَفْسُدُ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ]، وَهَذَا اُلْمُقَدَّمُ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ”، لاَ يَصِيرُ ذَلِكَ اُلتَّالِي لاَزِمًا عَنْهُ لُزُومًا صَحِيحًا إِلاَّ إِذَا قُيِّدَ بِشَرْطٍ آخَرَ، وَهْوَ “وَكَانَ فَسَادُهَا بِاُلذُّبُولِ.”

6) [فَهَذَا اُلتَّالِي]، وَهْوَ “فَلاَ بُدَّ أَنْ يَلْحَقَهَا اُلذُّبُولُ”

7) [لاَ يَلْزَمُ هَذَا اُلْمُقَدَّمَ إِلاَّ بِزِيَادَةِ شَرْطٍ… فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ مُدَّةٍ]، يُرِيدُ أَنَّ هَذَا اُلْمُقَدَّمَ لاَ يَلْزَمُ ذَلِكَ اُلتَّالِي عَنْهُ لُزُومًا صَحِيحًا إِلاَّ إِذَا قُيِّدَ بِاُلشَّرْطِ اُلْمَذْكُورِ، وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ شَرْطِيَّةُ اُلْقِيَاسِ هَكَذَا : “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ، وَكَانَ فَسَادُهَا بِاُلذُّبُولِ لاَ مَحَالَةَ، فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ”، أَيْ أَنَّ اُلرَّاصِدَ كَانَ سَيُدْرِكُ مِنْهَا بِاُلضَّرُورَةِ ذَلِكَ اُلذُّبُولَ فِي اُلْمُدَدِ اُلطَّوِيلَةِ، لَوْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فِي اُلْمُدَّةِ اُلْقَصِيرَةِ.

8) [أَوْ يُبَيَّنُ أَنَّهُ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِطَرِيقِ اُلذُّبُولِ حَتَّى يَلْزَمَ اُلتَّالِي لِلْمُقَدَّمِ]، لِكَيْ يَكُونَ اُلْقِيَاسُ مُنْتِجًا لِلنَّتِيجَةِ فَإِمَّا أَنْ يَفْعَلَ كَمَا مَرَّ وَهْوَ أَنْ يَجْعَلَ اُلْمَطْلُوبَ لَيْسَ فَسَادَ اُلشَّمْسِ، بَلْ فَسَادَهَا فَسَادًا ذُبُولِيًّا، وَهَذَا يَقْتَضِي تَقْيِيدَ اُلْمُقَدَّمِ بِاُلشَّرْطِ اُلْمَذْكُورِ. وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ اُلْمَطْلُوبَ بِحَالِهِ وَهْوَ فَسَادُ اُلشَّمْسِ فَقَطْ، ثُمَّ إِنَّهُ يُبَيِّنُ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ فَاسِدٍ فَفَسَادُهُ بِاُلذُّبُولِ. فَإِنْ ثَبُتَ هَذَا صَحَّتْ هَذِهِ اُلشَّرْطِيَّةُ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ فَفَسَادُهَا بِاُلذُّبُولِ”. وَلِنَفْرِضْ صِحَّةَ اُلشَّرْطِيَّةِ اُلثَّانِيَةِ : “إِذَا كَانَ اُلشَّيْءُ فَاسِدًا بِاُلذُّبُولِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَذْبُلَ فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ”. فَيَلْزَمُ إِذَنْ مِنَ اُلشَّرْطِيَّتَيْنِ مَعًا، وُجُوبُ هَذِهِ اُلشَّرْطِيَّةِ اُلثَّالِثَةِ: “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ”. وَإِذْ صَحَّتْ هَذِهِ اُلشَّرْطِيَّةُ، كَانَ اُلتَّالِي فِيهَا هُوَ لاَزِمًا لُزُومًا صَحِيحًا عَنِ اُلْمُقَدَّمِ. وَبَعْدَ اِسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ اُلتَّالِي، نَتَجَ اُلْمَطْلُوبُ بِاُلضَّرُورَةِ، وَهْوَ “اُلشَّمْسُ لاَ تَفْسُدُ”.

9) [وَلاَ نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّهُ … وَهْوَ عَلَى حَالِ كَمَالِهِ]، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِنَفْسِهِ أَنْ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِاُلذُّبُولِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ إِذَنْ لُزُومُ اُلتَّالِي لِلْمُقَدَّمِ فِي هَذِهِ اُلشَّرْطِيَّةِ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ”. لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسَلَّمًا أَنَّ اُلْفَسَادَ يَكُونُ بِاُلذُّبُولِ فَقَطْ، بَلْ قَدْ يَفْسُدُ اُلشَّيْءُ بَغْتَةً وَهْوَ عَلَى حَالِ كَمَالِهِ، كَاُلْبَيْتِ اُلْجَدِيدِ ذِي اُلْبِنَاءِ اُلْقَوِّيِّ، إِذَا تَقَوَّضَ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِسَبَبِ اُلزِّلْزَالِ. فَهْوَ فَاسِدٌ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ ذُبُولٌ أَوْ نُقْصَانٌ. كَذَلِكَ فَاُلشَّمْسُ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّا لَمْ نُدْرِكْ مِنْهَا ذُبُولاً فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ، فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ لاَ تَكُونَ فَاسِدَةً أَيْضًا، إِذْ قَدْ يَكُونُ فَسَادُهَا بَغْتَةً كَفَسَادِ اُلْبَيْتِ اُلْمَذْكُورِ.

10) [اُلثَّانِي]، أَمَّا اُلْجِهَةُ اُلثَّانِيَةُ فِي خَلَلِ اُلدَّلِيلِ.

11) [أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ هَذَا وَأَنَّهُ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِاُلذُّبُولِ، فَمِنْ أَيْنَ عَرَفَ أَنَّهُ لاَ يَعْتَرِيهَا اُلذُّبُولُ]، ثُمَّ هَبْ أَنَّ “اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ بِاُلذُّبُولِ فَقَطْ” قَدْ كَانَ مَعْرُوفًا إِمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِبَيَانٍ، فَمِنْ أَيْنَ اِسْتَيْقَنَ جَالِينُوسُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ اِعْتَرَاهَا ذُبُولٌ أَصْلاً، حَتَّى يَصِحَّ اِسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ اُلتَّالِي.

12) [أَمَّا اِلْتِفَاتُهُ إِلَى اُلأَرْصَادِ فَمُحَالٌ لِأَنَّهَا لاَ تُعْرَفُ مَقَادِيرُهَا إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ]، أَمَّا اُلرُّكُونُ إِلَى الأَرْصَادِ اُلْمُتَّصِلَةِ فِي آلاَفِ اُلسِّنِينَ إِذْ لَمْ تَذْكُرْ اِخْتِلاَفًا أَوْ تَحَلُّلاً وَاحِدًا قَدِ اِعْتَرَى اُلشَّمْسَ، فَمُسْتَحِيلٌ، لِأَنَّ الآلاَتِ اُلْمُسْتَعْمَلَةَ فِي اُلرَّصْدِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُحَصِّلَ مَقَادِيرَ اُلشَّمْسِ فِي اُلْمُدَدِ اُلطَّوِيلَةِ إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ، فَمَا أَدْرَانَا إِذَنْ أَنَّ اُلْمِقْدَارَ اُلْمُتَحَلَّلَ مِنَ اُلشَّمْسِ فِي مُدَّةِ اُلرَّصْدِ مِمَّا لَيْسَ لِلآلَةِ أَنْ تُحَصِّلَهُ.

13) [وَاُلشَّمْسُ الَّتِي يُقَالُ إِنَّهَا كَاُلأَرْضِ مِائَةً وَسَبْعِينَ مَرَّةً، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ]، بَلْ إِنَّ اُلشَّمْسَ كَاُلأَرْضِ 1295029 مَرَّةً، وَهْوُ مُكَعَّبُ اُلْعَدَدِ 109 الَّذِي هُوَ عَدَدُ أَمْثَالِ نِصْفِ قُطْرِ اُلشَّمْسِ مِنْ نِصْفِ قُطْرِ اُلأَرْضِ.

14) [وَلَوْ نَقُصَ مِنْهَا مِقْدَارُ جِبَالٍ… لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ]، وَذَلِكَ أَنَّ إِدْرَاكَ نُقْصَانِ مِقْدَارٍ مِنْ مِقْدَارٍ هُوَ إِدْرَاكٌ تَابِعٌ لِنِسْبَةِ اُلْمَنْقُوصِ مِنْ اُلْمَنْقُوصِ مِنْهُ، حَتَّى أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ اُلْمِقْدَارُ عَظِيمًا، كَانَ اُلْمَنْقُوصُ اُلْوَاجِبُ حَتَّى يُدْرَكَ اُلنُّقْصَانُ، عَظِيمًا. فَإِنْ كَانَ اُلْمَنْقُوصُ أَعْظَمَ مِنَ ذَلِكَ اُلْعِظَمِ، كَانَ تَبَيُّنُ اُلنُّقْصَانِ أَظْهَرَ. وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ اُلنِّسْبَةُ قَلِيلَةً جِدًّا فَقَدْ لاَ يَضْبِطُهُ اُلْحِسُّ، وَلَوْ كَانَ اُلْمِقْدَارُ اُلْمُطْلَقُ اُلْمَنْقُوصُ عَظِيمًا جِدًّا، إِنْ كَانَ اُلْمَنْقُوصُ مِنْهُ وَافِرَ اُلْعِظَمِ. فَمَثَلاً إِنَّهُ يُدْرَكُ اُلنُّقْصَانُ فِي جُمْلَةٍ ذَاتِ ثَلاَثِ حَبَّاتٍ بِنُقْصَانِ حَبَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ لاَ يَتَبَيَّنُ اُلْحِسُّ نُقْصَانَ مِائَةِ حَبَّةٍ فِي جُمْلَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ أَلْفِ حَبَّةٍ. لِأَنَّ نِسْبَةَ وَاحِدٍ إِلَى ثَلاَثَةٍ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ نِسْبَةِ مِائَةٍ إِلَى أَلْفٍ. وَإِذَا زِيدَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اُلْوَسَائِطَ اُلْمُسْتَعْمَلَةَ كَعِلْمِ اُلْمَنَاظِرِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُحَصِّلَ هَذِهِ اُلْمَقَادِيرَ إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ، فَلَمْ يَبْعُدْ إِذَنْ أَنْ تَكُونَ اُلشَّمْسُ قَدْ نَقُصَتْ بِمِقْدَارٍ ذِي نِسْبَةٍ قَلِيلَةٍ إِلَى مِقْدَارِهَا، لَكِنَّ اُلْحِسَّ مَعَ قُصُورِ اُلآلَةِ هُوَ قَاصِرٌ عَنْ ضَبْطِهِ.

15) [وَهَذَا كَمَا أَنَّ اُلْيَاقُوتَ وَاُلذَّهَبَ مُرَكَّبَانِ مِنَ اُلْعَنَاصِرِ عِنْدَهُمْ وَهْيَ قَابِلَةٌ لِلْفَسَادِ]، لِأَنَّ كُلَّ جَوْهَرٍ مُرَكَّبٍ مِنَ اُلْعَنَاصِرِ اُلأَرْبَعَةِ اُلْبَسِيطَةِ، عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ، فَهْوَ مُنْحَلٌّ إِلَيْهَا بِأَخَرَةٍ. إِذَنْ فَكُلُّ مُرَكَّبٍ كَاُلْيَاقُوتِ وَاُلذَّهَبِ، قَابِلٌ لِلْفَسَادِ اِضْطِرَارًا.

16) [ثُمَّ لَوْ وُضِعَتْ يَاقُوتَةٌ مِائَةَ … وَذَلِكَ لاَ يَظْهَرُ لِلْحِسِّ]، وَلَمَّا كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ اُلشَّمْسَ قَدْ تَنْقُصُ بِمِقْدَارٍ نِسْبَتُهُ إِلَى مِقْدَارِهَا لاَ يَظْهَرُ لِلْحِسِّ. لَكِنَّهُ مَعَ طُولِ مُدَّةِ اُلرَّصْدِ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ اُلْمَقَادِيرُ اُلنَّاقِصَةُ اُلْمُجْتَمِعَةُ قَدْ صَارَتْ نِسْبَتُهَا إِلَى مِقْدَارِ اُلشَّمْسِ نِسْبَةً ظَاهِرَةً لِلْحِسَّ. فَقَالَ هَذَا إِنَّمَا يَجِبُ لَوْ كَانَ تَحَلُّلُ اُلشَّمْسِ سَرِيعًا. بَلْ لَعَلَّ نِسْبَةَ مَا يَنْقُصُ مِنْ اُلشَّمْسِ إِلَى مَا يَنْقُصُ مِنَ اُلْيَاقُوتَةِ الَّتِي هِيَ قَابِلَةٌ لِلْفَسَادِ، كَنِسْبَةِ مُدَّةِ اُلأَرْصَادِ إِلَى مِائَةِ سَنَةٍ. وَإِذْ لَمْ يَبِنْ لِلْحِسِّ فِي مِائَةِ سَنَةٍ أَيُّ نُقْصَانٍ فِي اُلْيَاقُوتَةِ، كَذَلِكَ هُوَ لَمْ يَبِنْ لِلْحِسِّ فِي مُدَّةِ اُلرَّصْدِ أَيُّ نُقْصَانٍ فِي اُلشَّمْسِ.

17) [فَدَلَّ أَنَّ دَلِيلَهُ فِي غَايَةِ اُلْفَسَادِ]، فَبَانَ بِمَا رَأَيْنَا أَنَّ دَلِيلَ جَالِينُوسَ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ لاَ يَفْسُدُ بِاُلضَّرُورَةِ، غَيْرُ دَالٍّ أَلْبَتَّةَ.

-IV قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “اُلدَّلِيلُ اُلثَّانِي لَهُمْ فِي اِسْتِحَالَةِ عَدَمِ اُلْعَالَمِ أَنْ قَالُوا1، إِنَّ اُلْعَالَمَ لاَ تَنْعَدِمُ جَوَاهِرُهُ2 لِأَنَّهُ لاَ يُعْقَلُ سَبَبٌ مُعْدِمٌ لَهَا، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُنْعَدِمًا ثُمَّ اِنْعَدَمَ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ3 وَذَلِكَ اُلسَّبَبُ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِرَادَةَ اُلْقَدِيمِ سُبْحَانَهُ وَهْوُ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِعَدَمِهِ ثُمَّ صَارَ مُرِيدًا فَقَدْ تَغَيَّرَ4، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَكُونَ اُلْقَدِيمُ وَإِرَادَتُهُ عَلَى نَعْتٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ اُلأَحْوَالِ، وَاُلْمُرَادُ يَتَغَيَّرُ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْوُجُودِ، ثُمَّ مِنَ اُلْوُجُودِ إِلَى اُلْعَدَمِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اِسْتِحَالَةِ وُجُودِ حَادِثٍ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ يَدُلُّ عَلَى اِسْتِحَالَةِ اُلْعَدَمِ5.

   وَيَزِيدُ هَاهُنَا إِشْكَالٌ آخَرُ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، هُوَ أَنَّ اُلْمُرَادَ فِعْلُ اُلْمُرِيدِ لاَ مَحَالَةَ6، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً ثُمَّ صَارَ فَاعِلاً، إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ هُوَ فِي نَفْسِهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ فِعْلُهُ مَوْجُودًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا7، فَإِنَّهُ لَوْ بَقِيَ كَمَا كَانَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ، وَالآنَ أَيْضًا لاَ فِعْلَ لَهُ، فَإِذَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا8، وَاُلْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَكُونُ فِعْلاً9. فَإِذَا أَعْدَمَ اُلْعَالَمَ وَتَجَدَّدَ لَهُ فِعْلٌ لَمْ يَكُنْ10، فَمَا ذَلِكَ اُلْفِعْلُ11، أَهُوَ وُجُودُ اُلْعَالَمِ، وَهْوَ مُحَالٌ إِذْ اِنْقَطَعَ اُلْوُجُودُ12، أَوْ فِعْلُهُ عَدَمُ اُلْعَالَمِ13، وَعَدَمُ اُلْعَالَمِ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ فِعْلاً14، فَإِنَّ أَقَلَّ دَرَجَاتِ اُلْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وَعَدَمُ اُلْعَالَمِ لَيْسَ شَيْئًا مَوْجُودًا حَتَّى يُقَالَ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ اُلْفَاعِلُ وَأَوْجَدَهُ اُلْمُوجِدُ15. وَلِهَذَا اُلإِشْكَالِ16 زَعَمُوا اِفْتِرَاقَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ فِي اُلتَّفَصِّي17 عَنْ هَذَا أَرْبَعَ فِرَقٍ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ اِقْتَحَمَتْ مُحَالاً18.

   أَمَّا اُلْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا19 فِعْلُهُ اُلصَّادِرُ مِنْهُ مَوْجُودٌ20 وَهْوَ اُلْفَنَاءُ21 يَخْلُقُهُ لاَ فِي مَحَلٍّ22 فَيَنْعَدِمُ اُلْعَالَمُ كُلُّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً23، وَيَنْعَدِمُ اُلْفَنَاءُ اُلْمَخْلُوقُ بِنَفْسِهِ حَتَّى لاَ يَحْتَاجَ إِلَى فَنَاءٍ آخَرَ24 فَيَتَسَلْسَلَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ25، وَهْوَ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ26 :

   أَحَدُهَا أَنَّ اُلْفَنَاءَ لَيْسَ مَوْجُودًا مَعْقُولاً حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى خَلْقِهِ27. ثُمَّ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا فَلِمَ يَنْعَدِمُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُعْدِمٍ28. ثُمَّ بِمَ يَعْدِمُ اُلْعَالَمَ29. فَإِنَّهُ إِنْ خُلِقَ فِي ذَاتِ اُلْعَالَمِ وَحَلَّ فِيهِ فَهْوَ مُحَالٌ30، لِأَنَّ اُلْحَالَّ يُلاَقِي اُلْمَحْلُولَ فِيهِ فَيَجْتَمِعَانِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ31، فَإِذَا جَازَ اِجْتِمَاعُهُمَا لَمْ يَكُونَا ضِدَّيْنِ32، فَلَمْ يُفْنِهِ33. وَإِنْ خَلَقَهُ لاَ فِي اُلْعَالَمِ وَلاَ فِي مَحَلٍّ، فَمِنْ أَيْنَ يُضَادُّ وُجُودُهُ وُجُودَ اُلْعَالَمِ34. ثُمَّ فِي هَذَا اُلْمَذْهَبِ شَنَاعَةٌ أُخْرَى، وَهْيَ أَنَّ اُللهَ تَعَالَى لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْدَامِ بَعْضِ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ، بَلْ لاَ يَقْدِرُ إِلاَّ عَلَى إِحْدَاثِ فَنَاءٍ يُعْدِمُ جَوَاهِرَ اُلْعَالَمِ كُلَّهَا، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ، كَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْكُلِّ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ35.

   اُلْفِرْقَةُ اُلثَّانِيَةُ اُلْكَرَّامِيَّةُ، حَيْثُ قَالُوا إِنَّ فِعْلَهُ اُلإِعْدَامُ36، وَاُلإِعْدَامُ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ يُحْدِثُهُ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ37، فَيَصِيرُ اُلْعَالَمُ بِهِ مَعْدُومًا38. وَكَذَلِكَ اُلْوُجُودُ عِنْدَهُمْ بِإِيجَادٍ يُحْدِثُهُ فِي ذَاتِهِ فَيَصِيرُ اُلْمَوْجُودُ بِهِ مَوْجُودًا39، وَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ40. إِذْ فِيهِ كَوْنُ اُلْقَدِيمِ مَحَلَّ اُلْحَوَادِثِ41. ثُمَّ خُرُوجٌ عَنِ اُلْمَعْقُولِ، إِذْ لاَ يُعْقَلُ مِنَ اُلإِيجَادِ إِلاَّ وُجُودٌ مَنْسُوبٌ إِلَى إِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ42. فَإِثْبَاتُ شَيْءٍ آخَرَ سِوَى اُلإِرَادَةِ وَاُلْقُدْرَةِ، وَوُجُودِ اُلْمَقْدُورِ وَهْوَ اُلْعَالَمُ، لاَ يُعْقَلُ43، وَكَذَا اُلإِعْدَامُ44.

   اُلْفِرْقَةُ اُلثَّالِثَةُ الأَشْعَرِيَّةُ45 إِذْ قَالُوا أَمَّا اُلأَعْرَاضُ فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا وَلاَ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا46، لِأَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ بَقَاؤُهَا لَمَا تُصُوِّرَ فَنَاؤُهَا لِهَذَا اُلْمَعْنَى47، وَأَمَّا اُلْجَوَاهِرُ فَلَيْسَتْ بَاقِيَةً بِأَنْفُسِهَا وَلَكِنَّهَا بَاقِيَةٌ بِبَقَاءٍ زَائِدٍ عَلَى وُجُودِهَا، فَإِذَا لَمْ يَخْلُقِ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اُلْبَقَاءَ، اِنْعَدَمَتْ لِعَدَمِ اُلْبَقَاءِ48، وَهْوَ أَيْضًا فَاسِدٌ49. لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاكَرَةِ اُلْمَحْسُوسِ فِي أَنَّ اُلسَّوَادَ لاَ يَبْقَى وَاُلْبَيَاضَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ مُتَجَدِّدُ اُلْوُجُودِ50، وَاُلْعَقْلُ يَنْبُو عَنْ هَذَا كَمَا يَنْبُو عَنْ قَوْلِ اُلْقَائِلِ إِنَّ اُلْجِسْمَ مُتَجَدِّدُ اُلْوُجُودِ فِي كُلِّ حَالَةٍ51، وَاُلْعَقْلُ يَقْضِي بِأَنَّ اُلشَّعَرَ الَّّذِي عَلَى رَأْسِ اُلإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ هُوَ اُلشَّعَرُ الَّذِي كَانَ بِاُلأَمْسِ لاَ مِثْلُهُ، يَقْضِي أَيْضًا بِهِ فِي سَوَادِ اُلشَّعَرِ52. ثُمَّ فِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ53، وَهْوَ أَنَّ اُلْبَاقِي إِذَا بَقِيَ بِبَقَاءٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَبْقَى صِفَاتُ اللهِ تَعَالِى بِبَقَاءٍ، وَذَلِكَ اُلْبَقَاءُ يَكُونُ بَاقِيًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَقَاءٍ آخَرَ وَيَتَسَلْسَلُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ54.

   وَاُلْفِرْقَةُ اُلرَّابِعَةُ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ اُلأَشْعَرِيَّةِ55 قَالُوا إِنَّ اُلأَعْرَاضَ تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا56 وَأَمَّا اُلْجَوَاهِرُ57 فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْ لاَ يَخْلُقَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا حَرَكَةً وَلاَ سُكُونًا وَلاَ اِجْتِمَاعًا وَلاَ اِفْتِرَاقًا، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَبْقَى جِسْمٌ لَيْسَ بِسَاكِنٍ وَلاَ مُتَحَرِّكٍ فَيَنْعَدِمُ58. وَكَأَنَّ فِرْقَتَيَّ اُلأَشْعَرِيَّةِ مَالُوا إِلَى أَنَّ اُلإِعْدَامَ لَيْسَ بِفِعْلٍ إِنَّمَا هُوَ كَفٌّ عَنِ اُلْفِعْلِ59 لَمَّا لَمْ يَعْقِلُوا كَوْنَ اُلْعَدَمِ فِعْلاً60.”

شَرْحٌ -IV-

1) [اُلدَّلِيلُ اُلثَّانِي لَهُمْ فِي اِسْتِحَالَةِ عَدَمِ اُلْعَالَمِ أَنْ قَالُوا]، وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ اُلْعَالَمِ بَعْدَ وُجُودِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.

2) [إِنَّ اُلْعَالَمَ لاَ تَنْعَدِمُ جَوَاهِرُهُ]، اُلْمُمْتَنِعُ عَنْ اُلْعَدَمِ هُوَ جَوَاهِرُ اُلْعَالَمِ، وَهْيَ اُلْمَادَّةُ فِي اُلْمَوْجُودَاتِ اُلَّتِي تَقَعُ تَحْتَ اُلْكَوْنِ وَاُلْفَسَادِ، وَاُلأَجْرَامُ اُلسَّمَاوِيَّةُ. أَمَّا اُلصُّوَرُ وَاُلأَعْرَاضُ فَمِمَّا يَلْحَقُهَا اُلْعَدَمُ عَلَى رَأْيِ اُلْفَلاَسِفَةِ.

3) [لِأَنَّهُ … بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ]، إِنَّ الاِنْعِدَامَ هُوَ اِنْتِقَالٌ مِنْ حَالِ اُلْوُجُودِ إِلَى حَالِ اُلْعَدَمِ، وَنَفْسُ هَذَا الاِنْتِقَالِ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، كَمَا كَانَ نَفْسُ الاِنْتِقَالِ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْوُجُودِ قَدْ اِقْتَضَى أَيْضًا سَبَبًا. وَاُلتَّرَقِّي فِي مَرَاتِبِ اُلأَسْبَابِ مُنْتَهِيَةٌ لاَ مَحَالَةَ إِلَى أَوَّلٍ قَدِيمٍ. لَكِنَّ الأَوَّلَ اُلْمُعْدِمَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِعْدَامُهُ لِلْعَالَمِ بِسَبَبِ وُجُودِهِ اُلْقَدِيمِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ عَدَمُ اُلْعَالَمِ مُوجَبًا بِاُلذَّاتِ عَنْ ذَاتِهِ، فَلاَ يَكُونُ لِلْعَالَمِ وُجُودٌ أَصْلاً. وَهَذَا مُحَالٌ.

4) [وَذَلِكَ اُلسَّبَبُ … ثُمَّ صَارَ مُرِيدًا فَقَدْ تَغَيَّرَ]، فَوَجَبَ إِذًا أَنْ يَكُونَ فِعْلُ اُلْقَدِيمِ بِالإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ اُلإِرَادَةِ. وَهَذِهِ اُلإِرَادَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَادِثَةً حُدُوثًا مُوَافِقًا لِانْعِدَامِ اُلْعَالَمِ. وَهَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبُ اُلْوُجُودِ مُتَغَيِّرًا.

5) [أَوْ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَكُونَ اُلْقَدِيمُ … يَدُلُّ عَلَى اِسْتِحَالَةِ اُلْعَدَمِ]، أَوْ تَكُونُ اُلإِرَادَةُ قَدِيمَةً، وَهَذَا أَيْضًا مُحَالٌ، إِذْ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا لِأَجْلِهِ كَانَ اُلْبَارِئُ مُؤَثِّرًا بِاُلْعَدَمِ كَانَ حَاصِلاً فِي اُلأَزَلِ مِنْ دُونِ أَثَرِهِ، أَعْنِي اُلْعَدَمَ. عَلَى مِثَالِ مَا قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ أَنَّ حُدُوثَ اُلْعَالَمِ مِنَ اُلْقَدِيمِ مِنْ دُونِ أَيِّ تَغَيُّرٍ فِيهِ أَوْ فِي إِرَادَتِهِ، هُوَ أَيْضًا مُحَالٌ.

6) [وَيَزِيدُ هَاهُنَا إِشْكَالٌ آخَرُ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، هُوَ أَنَّ اُلْمُرَادَ فِعْلُ اُلْمُرِيدِ لاَ مَحَالَةَ]، إِنَّ اُلْمُرَادَ هُوَ أَثَرُ اُلْفَاعِلِ اُلْمُرِيدِ لاَ مَحَالَةَ. أَيْ أَنَّ اُلْغَزَالِيَّ إِنَّمَا يَدُلُّ بِاُلْفِعْلِ هَاهُنَا عَلَى اُلْمَفْعُولِ، أَوِ اُلأَثَرِ.

7) [وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً ثُمَّ صَارَ فَاعِلاً، إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ هُوَ فِي نَفْسِهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ فِعْلُهُ مَوْجُودًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا]، وَبَيِّنٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ فَاعِلاً، ثُمَّ صَارَ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ فَاعِلاً، وَإِنْ لَمْ يَتَجَدَّدْ فِيهِ شَيْءٌ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِعْلٌ، أَيْ أَثَرًا حِينَمَا صَارَ فَاعِلاً، بَعْدَمَا أَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ حِينَمَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً. وَقَدْ اِشْتَرَطَ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَدْرَكُ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لاَزِمٍ، لِأَنَّ ضَرُورَةَ تَجَدُّدِ اُلأَثَرِ بَعْدَ عَدَمِهِ هُوَ وَاجِبٌ، لَوْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى تَجَدُّدٍ مَا، فِي نَفْسِ اُلْفَاعِلِ. فَقِيلَ هَبْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ نَفْسَ الاِنْتِقَالِ مِنْ لاَ وَصْفِ اُلْفَاعِلِ إِلَى وَصْفِ اُلْفَاعِلِ إِنَّمَا يُوجِبُ اُلاِنْتِقَالَ مِنْ عَدَمِ اُلأَثَرِ إِلَى وُجُودِ اُلأَثَرِ.

8) [فَإِنَّهُ لَوْ بَقِيَ كَمَا كَانَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ، وَالآنَ أَيْضًا لاَ فِعْلَ لَهُ، فَإِذَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا]، إِذْ لَوْ بَقِيَ اُلْفَاعِلُ الآنَ بِلاَ أَثَرٍ، كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً، بِلاَ أَثَرٍ، فَهْوَ الآنَ، وَهْوَ اُلْفَاعِلُ، لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا، كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا حِينَمَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً.

9) [وَاُلْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَكُونُ فِعْلاً]، أَيْ فَاُلْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَثَرًا لِفِعْلٍ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَ اُلْقَادِرِ وَاُلْمَقْدُورِ، لِأَنَّ عَدَمَ اُلأَثَرِ هُوَ أَثَرٌ لِعَدَمِ اُلْفِعْلِ. وَاُلْفِعْلُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ اُلأَثَرُ اُلْمَوْجُودُ. إِذَنْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ شَيْئًا مَفْعُولاً.

10) [فَإِذَا أَعْدَمَ اُلْعَالَمَ وَتَجَدَّدَ لَهُ فِعْلٌ لَمْ يَكُنْ]، فَلَوْ أَعْدَمَ اُلْبَارِئُ تَعَالَى اُلْعَالَمَ بَعْدَمَا أَنْ لَمْ يَكُنْ مُعْدِمًا لَهُ، فَلاَ بُدَّ لِهَذَا اُلْفِعْلِ، فِعْلِ اُلإِعْدَامِ مِنْ أَثَرٍ مُتَجَدِّدٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ قَبْلَ اُلإِعْدَامِ. لِأَنَّ تَجَدُّدَ اُلْفِعْلِ يُوجِبُ تَجَدُّدَ اُلأَثَرِ.

11) [فَمَا ذَلِكَ اُلْفِعْلُ]، فَمَا ذَلِكَ اُلأَثَرُ اُللاَّزِمُ عَنِ اُلإِعْدَامِ.

12) [أَهُوَ وُجُودُ اُلْعَالَمِ، وَهْوَ مُحَالٌ إِذِ اِنْقَطَعَ اُلْوُجُودُ]، وَاُلْجَوَابُ لاَ يَخْرُجُ عَنْ وَجْهَيْنِ. اُلْوَجْهُ اُلأَوَّلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اُلأَثَرَ اُللاَّزِمَ عَنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ وُجُودُ اُلْعَالَمِ. وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، لِأَنَّ اُلْعَالَمَ مَوْجُودٌ قَدْ اِنْقَطَعَ وُجُودُهُ، أَيْ تَمَّ وُجُودُهُ، وَإِيجَادُ اُلْمَوْجُودِ مُحَالٌ.

13) [أَوْ فِعْلُهُ عَدَمُ اُلْعَالَمِ]، اُلْوَجْهُ اُلثَّانِي أَنْ يُقَالَ إِنَّ فِعْلَهُ، أَعْنِي اُلأَثَرَ اُلْمُتَجَدِّدَ عَنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ عَدَمُ اُلْعَالَمِ عَدَمًا مَحْضًا.

14) [وَعَدَمُ اُلْعَالَمِ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ فِعْلاً]، وَلَكِنَّ اُلْعَدَمَ اُلْمَحْضَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَثَرًا.

15) [فَإِنَّ أَقَلَّ دَرَجَاتِ اُلْفِعْلِ … وَأَوْجَدَهُ اُلْمُوجِدُ]، فَإِنَّ اُلأَثَرَ اُللاَّزِمَ عَنِ اُلْفِعْلِ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَ اُلْقَادِرِ وَاُلْمَقْدُورِ، لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ مَوْجُودًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَدَمًا مَحْضًا لَكَانَ اُلْفِعْلُ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ، وَاُللاَّفِعْلُ، شَيْئًا وَاحِدًا، وَلَكَانَ كَوْنُ اُلْفَاعِلِ فَاعِلاً وَغَيْرَ فَاعِلٍ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَصْلاً تَجَدُّدٌ مِنَ اُللاَّوُجُودِ إِلَى اُلْوُجُودِ.

16) [وَلِهَذَا اُلإِشْكَالِ]، وَتَلْخِيصُ اُلإِشْكَالِ : لَوْ كَانَ اُلْعَالَمُ قَابِلاً لِلانْعِدَامِ فِي نَفْسِهِ، وَاُلْبَارِئُ مَوْصُوفًا بِاُلْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ، لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ “إِنَّ إِعْدَامَ اُلْبَارِئِ لِلْعَالَمِ مُمْكِنٌ”. وَلَكِنَّ اُلإِعْدَامَ هُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ. وَلُزُومُ اُلْعَدَمِ عَنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْفِعْلِ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ أَثَرًا هُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وَهَذَا مُحَالٌ.

17) [فِي اُلتَّفَصِّي]، فِي اُلنُّسْخَةِ اُلْمَطْبُوعَةِ “تَقَصِّي”، وَهْوَ خَطَأٌ. “يُقَالُ تَفَصَّى اُلإِنْسَانُ، إِذَا تَخَلَّصَ مِنَ اُلْمَضِيقِ وَاُلْبَلِيَّةِ” اُلصِّحَاحُ، اُلْجَوْهَرِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 393 مِنَ اُلْهِجْرَةِ.

18) [وَكُلُّ فِرْقَةٍ اِقْتَحَمَتْ مُحَالاً]، رُكُوبُ اُلْمُتَكَلِّمِينَ لِكَثِيرٍ مِنَ اُلأَعَاجِيبِ مَشْهُورٌ بَيْنَ اُلنَّاسِ، وَمِنْ قُدَمَاءِ اُلأُدَبَاءِ مَنْ أَوْرَدَ بَعْضَهَا فِي كُتُبِهِ، عَلَى سَبِيلِ اُلتَّمَلُّحِ وَاُلتَّنَدُّرِ. وَقَدْ قِيلَ فِيهِمْ أَيْضًا “عَجَائِبُ اُلْكَلاَمِ ثَلاَثٌ، طَفْرَةُ اُلنَّظَّامِ، وَكَسْبُ اُلأَشْعَرِيِّ، وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ”. وَاُلْمُتَكَلِّمُونَ جَمِيعًا أَوْجَبُوا أَنَّ اُلْعَالَمَ جَائِزُ اُلْعَدَمِ غَيْرُ وَاجِبِ اُلْبَقَاءِ. وَاحْتِيَالُهُمْ لِلإِشْكَالِ هُوَ أَنْ يَجِدُوا سَبِيلاً يُعَلِّقُونَ بِهِ عَدَمَ اُلْعَالَمِ بِاُلْبَارِئِ، بِلاَ ضَرُورَة أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ وَاجِبًا عَنِ اُلْفِعْلِ بِعَيْنِهِ لِلاِمْتِنَاعِ اُلْمَذْكُورِ.

19) [أَمَّا اُلْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا]، أَمَّا حَلُّ اُلْمُعْتَزِلَةِ لِلإِشْكَالِ مَعَ قَوْلِهَا بِجَوَازِ عَدَمِ اُلْعَالَمِ، خِلاَفًا لِلْفَلاَسِفَةِ اُلْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ وَاجِبُ اُلأَبَدِيَّةِ، فَبِأَنْ قَالُوا.

20) [فِعْلُهُ اُلصَّادِرُ مِنْهُ مَوْجُودٌ]، إِنَّ اُلْبَارِئَ تَعَالَى إِذَا أَعْدَمَ اُلْعَالَمَ، فَاُلصَّادِرُ مِنْ فِعْلِهِ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ فِعْلاً مَوْجُودًا، أَيْ أَثَرًا مَوْجُودًا.

21) [وَهْوَ اُلْفَنَاءُ]، وَهَذَا اُلأَثَرُ اُلصَّادِرُ مِنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ اُلْفَنَاءُ. وَاُلْفَنَاءُ هُوَ عَرَضٌ مُضَادٌّ لِلْجَوَاهِرِ. إِذًا فَاُلصَّادِرُ مِنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ مَوْجُودٌ.

22) [يَخْلُقُهُ لاَ فِي مَحَلٍّ]، وَاُلْفَنَاءُ هُوَ عَرَضٌ يَخْتَلِفُ عَنِ اُلأَعْرَاضِ اُلْمَعْرُوفَةِ بِأَنَّ هَذِهِ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ مَوْضُوعٍ تَقُومُ بِهِ. وَاُلْفَنَاءُ إِنَّمَا يُوجِدُهُ اللهُ تَعَالَى غَيْرَ قَائِمٍ فِي مَحَلٍّ أَصْلاً. إِذَنْ فَلَيْسَ هُوَ بِذِي مَوْضُوعٍ مُخْتَصٍّ بِهِ.

23) [فَيَنْعَدِمُ اُلْعَالَمُ كُلُّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً]، وَهَذَا اُلْفَنَاءُ اُلْمَخْلُوقُ هُوَ فَنَاءٌ وَاحِدٌ تَنْعَدِمُ بِهِ كُلُّ جَوَاهِرِ اُلْعَالَمِ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِلاَ تَمْيِيزٍ، وَلَيْسَ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ.

24) [وَيَنْعَدِمُ اُلْفَنَاءُ اُلْمَخْلُوقُ بِنَفْسِهِ حَتَّى لاَ يَحْتَاجَ إِلَى فَنَاءٍ آخَرَ]، أَمَّا اُلْفَنَاءُ بِعَيْنِهِ فَلاَ يَكُونُ فَنَاؤُهُ بِفَنَاءٍ. بَلْ إِنَّمَا يَفْنَى بِنَفْسِهِ وَمِنْ تِلْقَائِهِ.

25) [فَيَتَسَلْسَلَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ]، إِذْ لَوْ اِفْتَقَرَ اُلْفَنَاءُ إِلَى فَنَاءٍ، لَافْتَقَرَ فَنَاؤُهُ أَيْضًا إِلَى فَنَاءٍ آخَرَ، فَيَتَسَلْسَلُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ. وَاُلتَّسَلْسُلُ مُحَالٌ.

26) [وَهْوَ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ]، قَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ وَهَذَا اُلْحَلُّ لِلْمُعْتَزِلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِلأَسْبَابِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا.

27) [أَحَدُهَا أَنَّ اُلْفَنَاءَ لَيْسَ مَوْجُودًا مَعْقُولاً حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى خَلْقِهِ]، إِنَّ إِثْبَاتَ أَنَّ اُلْفَنَاءَ مَوْجُودٌ يَخْلُقُهُ اُلْبَارِئُ كَضِدٍّ تَفْنَى بِهِ جَوَاهِرُ اُلْعَالَمِ هُوَ إِثْبَاتٌ لِشَيْءٍ بِمُجَرَّدِ اُلدَّعْوَى، وَلَسْنَا نَتَصَوَّرُ مَعْنَاهُ كَمَا شَأْنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَ مِنْ سَائِرِ اُلْمَوْجُودَاتِ اُلْمُثْبَتَةِ فِي اُلشَّاهِدِ أَوْ فِي اُلْغَائِبِ. فَإِذْ كَانَ هَذَا اُلْمَوْجُودُ غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ، فَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ خَلْقُهُ أَيْضًا غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ.

28) [ثُمَّ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا فَلِمَ يَنْعَدِمُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُعْدِمٍ]، يُرِيدُ إِنْ كَانَ اُلْفَنَاءُ مَوْجُودًا، وَاحْتَاجَتِ اُلْجَوَاهِرُ إِلَى فَنَاءٍ لِتَفْنَى لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، فَلِمَ اِخْتَصَّ وُجُودُ اُلْفَنَاءِ بِعَدَمِ اُلاِفْتِقَارِ إِلَى مُعْدِمٍ فِي عَدَمِهِ، بَلْ يَفْنَى بِنَفْسِهِ، وَاحْتَاجَهُ وُجُودُ اُلْجَوَاهِرِ فِي عَدَمِهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ وُجُودٍ وَوُجُودٍ فِي أَنَّ فَنَاءَهُ إِنَّمَا بِسَبَبٍ. لَكِنَّ اُلْمُعْتَزِلَةَ لاَ تَقُولُ بِبَقَاءِ اُلْفَنَاءِ، كَاُلأَشَاعِرَةِ لاَ تَقُولُ بِبَقَاءِ اُلأَعْرَاضِ. لِأَنَّ اُلإِعْدَامَ عِنْدَهُمْ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِاُلضِدِّ، وَلاَ ضِدَّ لِلْفَنَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ بَاقٍ لَامْتَنَعَ فَنَاؤُهُ، وَلَوْ اِمْتَنَعَ فَنَاؤُهُ، لَمْ تَصِحَّ كَثِيرٌ مِنَ الآيَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى “هُوَ اُلأَوَّلُ وَاُلآخِرُ”. الحديد، 3.

29) [ثُمَّ بِمَ يَعْدِمُ اُلْعَالَمَ]، ثُمَّ هَذَا اُلْفَنَاءُ عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ، فَكَيْفَ يَخْلُقُهُ اللهُ حَتَّى يُعْدِمَ اُلْعَالَمَ. إِذِ اُلأَمْرُ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَخْلُقَهُ مُبَايِنًا لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُوجِدَهُ فِي ذَاتِ اُلْعَالَمِ حَالاًّ فِيهِ، كَمَا قَدْ يُوجِدُ مَثَلاً أَحَدُنَا اُلسَّوَادَ فِي اُلْجِسْمِ.

30) [فَإِنَّهُ إِنْ خُلِقَ فِي ذَاتِ اُلْعَالَمِ وَحَلَّ فِيهِ فَهْوَ مُحَالٌ]، فَإِنْ كَانَ اُلثَّانِي، فَهْوَ مُحَالٌ.

31) [لِأَنَّ اُلْحَالَّ يُلاَقِي اُلْمَحْلُولَ فِيهِ فَيَجْتَمِعَانِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ]، لِأَنَّ كُلَّ حَالٍّ فِي شَيْءٍ، فَلاَبُدَّ مِنْ أَنْ يُلاَقِيَهُ، وَأَنْ يَصِيرَ بَيْنَهُمَا اِجْتِمَاعٌ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِلاَّ لَمَا صَحَّ اُلْقَوْلُ إِنَّ اُلْحَالَّ قَدْ حَلَّ فِي اُلْمَحْلُولِ فِيهِ. فَمَثَلاً لاَ يُقَالُ اُلسَّوَادُ حَلَّ فِي اُلْجِسْمِ إِلاَّ إِذَا لاَقَاهُ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ. أَعْنِي أَنَّ اُلْمُلاَقَاةَ بَيْنَ اُلْحَالِّ وَاُلْمَحْلُولِ فِيهِ، هِيَ وَاجِبَةٌ لاَ مَحَالَةَ فِي كُلِّ حُلُولٍ فِي مَحَلٍّ.

32) [فَإِذَا جَازَ اِجْتِمَاعُهُمَا لَمْ يَكُونَا ضِدَّيْنِ]، كَذَلِكَ فَلَوْ قُلْنَا اللهُ خَلَقَ اُلْفَنَاءَ حَالاًّ فِي اُلْعَالَمِ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ اِجْتِمَاعٌ بَيْنَ اُلْفَنَاءِ اُلْحَالِّ وَاُلْعَالَمِ اُلْمَحْلُولِ فِيهِ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمَا جَازَ اِجْتِمَاعُهُمَا لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، جَازَ لَهُمَا ذَلِكَ لِأَكْثَرَ مِنْ لَحْظَةٍ. إِذًا فَاُلْفَنَاءُ وَاُلْعَالَمُ لَيْسَا بِضِدَّيْنِ. إِذِ اُلضِّدَّانِ هُمَا مَا لاَ يُوجَدَانِ مَعًا، وَإِنْ كَانَا قَدْ يَرْتَفِعَانِ مَعًا، خِلاَفَ اُلنَّقِيضَيْنِ.

33) [فَلَمْ يُفْنِهِ]، أَيْ فَلَمْ يُفْنِ اُلْفَنَاءُ اُلْعَالَمَ، لِأَنَّهُ إِذَا خُلِقَ فِي اُلْعَالَمِ لَمْ يَكُنْ ضِدًّا لَهُ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضِدًّا لَهُ لَمْ يُفْنِهِ إِفْنَاءَ اُلضِدِّ لِلْضِدِّ، كَمَا تَصَوَّرَتِ اُلْمُعْتَزِلَةُ فِي فَنَاءِ اُلْعَالَمِ.

34) [وَإِنْ خَلَقَهُ لاَ فِي اُلْعَالَمِ وَلاَ فِي مَحَلٍّ، فَمِنْ أَيْنَ يُضَادُّ وُجُودُهُ وُجُودَ اُلْعَالَمِ]، وَإِنْ كَانَ اُلأَوَّلُ، وَهْوَ أَنْ يَخْلُقَ اُلْبَارِئُ تَعَالَى اُلْفَنَاءَ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ، لاَ فِي مَحَلٍّ، فَكَيْفَ يَصِحُّ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ اُلْفَنَاءُ ضِدًّا لِلْعَالَمِ. إِذْ مِنَ اُلْمَعْرُوفِ عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ، وَوَافَقَتْهُمُ اُلأَشَاعِرَةُ أَنَّ اُلتَّضَادَّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي اُلأَعْرَاضِ، وَبَيْنَ اُلأَعْرَاضِ الَّتِي مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. وَاُلأَعْرَاضُ لاَ تُوجَدُ إِلاَّ فِي مَحَلٍّ. لِذَلِكَ كَانَ مِنْ شَرْطِ اُلتَّضَادِّ اِتِّحَادُ اُلْمَحَلِّ اُلَّذِي يَتَعَاقَبُ فِيهِ اُلضِّدَّانِ. أَمَّا عَلَى ذَلِكَ اُلْقَوْلِ فَفِيهِ مُحَالاَنِ : اُلأَوَّلُ، إِثْبَاتُ مُضَادَّةٍ بَيْنَ عَرَضٍ، وَهْوَ اُلْفَنَاءُ، وَبَيْنَ جَوْهَرٍ، وَهْوَ اُلْعَالَمُ، وَاُلتَّضَادُّ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ اُلأَعْرَاضِ كَمَا قُلْنَا. وَاُلثَّانِي، إِثْبَاتُ مُضَادَّةٍ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ لاَ يَشْتَرِكَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، إِذِ اُلْفَنَاءُ مَوْجُودٌ لاَ فِي مَحَلٍّ، وَكَذَلِكَ اُلْجَوْهَرُ مَوْجُودٌ لاَ فِي مَحَلٍّ.

35) [ثُمَّ فِي هَذَا اُلْمَذْهَبِ شَنَاعَةٌ أُخْرَى… كَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْكُلِّ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ]، لَقَدْ كَانَ حَلُّ اُلْمُعْتَزِلَةِ لِلإِشْكَالِ اُلْمَذْكُورِ بِأَنْ قَالُوا إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَخْلُقُ فَنَاءً مَوْجُودًا لاَ فِي مَحَلٍّ، تَفْنَى بِهِ كُلُّ جَوَاهِرِ اُلْعَالَمِ. وَمَنَعَ أَبُو عَلِي اُلْجُبَّائِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 303 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اُلسَّلاَمِ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 301 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، وَهُمَا مِنْ مُعْتَزِلَةِ اُلْبَصْرَةِ، أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِيَ بِاُلْفَنَاءِ بَعْضُ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ. فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اُللهَ اُلْمُفْنِي لِلْعَالَمِ بِوَاسِطَةِ اُلْفَنَاءِ هُوَ قَادِرٌ فَقَطْ عَلَى إِعْدَامِ كُلِّ اُلْعَالَمِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى إِفْنَاءِ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ. وَهَذَا شَنَاعَةٌ فِي اُلْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلِ اُلْفَلاَسِفَةِ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي تَعْجِيزَ اُلْبَارِئِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ “لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ، كَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْكُلِّ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ” فَهْوَ مِنْ تَعْلِيلِ اُلْمُعْتَزِلَةِ لِمَ هِيَ أَوْجَبَتْ أَنْ يَنْتَفِيَ بِاُلْفَنَاءِ كُلُّ اُلْعَالَمِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِيَ بِهِ بَعْضُ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ. فَقَالَتْ : لَمَّا كَانَ اُلْفَنَاءُ مَوْجُودًا لاَ فِي مَحَلٍّ، وَكَانَ عَرَضًا، صَارَتْ حَالُهُ إِلَى جَوَاهِرِ اُلْعَالَمِ حَالاً وَاحِدَةً، لَيْسَ لَهَا اِخْتِصَاصٌ أَصْلاً بِبَعْضِهَا دُونَ جَمِيعِهَا. لِأَنَّ اُلشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا. فَإِنْ كَانَ جَوْهَرًا، كَانَ ذَا جِهَةٍ لاَ مَحَالَةَ، وَهْوَ بِوَاسِطَةِ جِهَتِهِ إِنَّمَا يَصِحُّ اِخْتِصَاصُهُ بِبَعْضِ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ إِذْ هِيَ أَيْضًا ذَوَاتُ جِهَةٍ. وَإِنْ كَانَ عَرَضًا، فَاُلْعَرَضُ إِنَّمَا يَقُومُ بِاُلْمَحَلِّ، وَهْوَ لاَ يَخْتَصُّ إِلاَّ بِمَحَلِّهِ. أَمَّا اُلْفَنَاءُ، فَهْوَ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ، إِذَنْ فَلاَ جِهَةَ لَهُ، وَإِذْ لاَ جِهَةَ، اِمْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ اِخْتِصَاصُهُ بِبَعْضِ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ فِي اُلإِفْنَاءِ، بِوَاسِطَةِ اُلْجِهَةِ. وَهْوَ عَرَضٌ بِلاَ شَكٍّ، لَكِنَّهُ مَوْجُودٌ لاَ فِي مَحَلٍّ، أَيْ هُوَ غَيْرُ حَالٍّ فِي وَاحِدٍ مِنْ تِلْكُمُ اُلْجَوَاهِرِ. إِذَنْ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اِخْتِصَاصُهُ بِاُلإِفْنَاءِ لِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ بِوَاسِطَةِ اُلْحُلُولِ فِيهَا. فَلَزِمَ أَنَّ حَالَ اُلْفَنَاءِ مَعَ كُلِّ اُلْجَوَاهِرِ حَالٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذْ لاَ اِخْتِصَاصَ أَصْلاً، فَيَجِبُ إِذَنْ أَنَّ اُلْفَنَاءَ كَمَا يُفْنِي اُلْبَعْضَ، أَنْ يُفْنِيَ اُلْكُلَّ.

36) [اُلْفِرْقَةُ اُلثَّانِيَةُ اُلْكَرَّامِيَّةُ، حَيْثُ قَالُوا إِنَّ فِعْلَهُ اُلإِعْدَامُ]، أَمَّا اُلْحَلُّ اُلثَّانِي لِلإِشْكَالِ، فَلِلْكَرَّامِيَّةِ اُلْمَنْسُوبَةِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ اُلْمُتَوَفَّي سَنَةَ 255 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، إِذْ قَالَتْ نَعَمْ إِنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مُعْدِمٌ كَوَصْفِهِ بِأَنَّهُ مُوجِدٌ. لَكِنَّ اُلأَثَرَ اُللاَّزِمَ عَنْ قُدْرَتِهِ فِي اُلإِعْدَامِ لَيْسَ هُوَ اُلْعَدَمَ اُلْمَحْضَ، بَلْ فِعْلُ الإِعْدَامِ بِمَعْنَى اُلْحَرَكَةِ. وَمَحَلُّ هَذَا اُلْفِعْلِ هُوَ اُلذَّاتُ. وَهْوَ بِاُلإِعْدَامِ اُلْحَاصِلِ مِنْهُ بِاُلْحَقِيقَةِ إِنَّمَا يَكُونُ اُلْعَدَمُ اُلْمَحْضُ بِعَيْنِهِ. إِذْ أَنَّ اُلْكَرَّامِيَّةَ تُفَرِّقُ بَيْنَ اُلْخَلْقِ وَاُلْمَخْلُوقِ، وَاُلإِيجَادِ وَاُلْمُوجَدِ، وُاُلإِعْدَامِ وَاُلْمُعْدَمِ.

37) [وَاُلإِعْدَامُ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ يُحْدِثُهُ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ]، أَيْ أَنَّ اُلإِعْدَامَ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى اُلْحَرَكَةِ هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ قُدْرَتِهِ بِلاَ وَاسِطَةٍ، لِذَلِكَ فَهْوَ مَوْجُودٌ. وَلِأَنَّهُ مَوْجُودٌ عَنْهُ بِلاَ وَاسِطَةٍ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ اُلْحَادِثُ قَائِمًا بِذَاتِهِ. أَعْنِي أَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا اُلْوَاجِبَ مَحَلاًّ لِلْحَوَادِثِ.

38) [فَيَصِيرُ اُلْعَالَمُ بِهِ مَعْدُومًا]، وَيَتْبَعُ هَذَا اُلإِعْدَامَ اُلْمَوْجُودَ فِي اُلْوَاجِبِ أَنْ يَصِيرَ اُلْعَالَمُ مَعْدُومًا.

39) [وَكَذَلِكَ اُلْوُجُودُ عِنْدَهُمْ بِإِيجَادٍ يُحْدِثُهُ فِي ذَاتِهِ فَيَصِيرُ اُلْمَوْجُودُ بِهِ مَوْجُودًا]، وَقَوْلُهُمْ فِي اُلإِعْدَامِ كَقَوْلِهِمْ فِي اُلإِيجَادِ، إِذْ هُمْ يُفَرِّقُونَ أَيْضًا بَيْنَ اُلإِيجَادِ وَاُلْمُوجَدِ، وَيَجْعَلُونَ اُلإِيجَادَ كَفِعْلٍ بِمَعْنَى اُلْحَرَكَةِ لاَزِمًا عَنِ اُلْقُدْرَةِ بِلاَ وَاسِطَةٍ، مَحَلُّهُ ذَاتُ اُلْوَاجِبِ تَعَالَى. وَهْوَ بِوَاسِطَةِ هَذَا اُلإِيجَادِ إِنَّمَا يَحْدُثُ اُلْحَادِثُ، وَيَصِيرُ اُلْمَوْجُودُ مَوْجُودًا.

   اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ اُلْغَزَالِيُّ فِي اُلْكَرَّامِيَّةِ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا جَاءَ فِي “اُلْمِلَلُ وَاُلنِّحَلُ” لِلشَّهْرِسْتَانِيِّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 548 مِنَ اُلْهِجْرَةِ. لَكِنَّ اُلإِيجِيَّ فِي “اُلْمَوَاقِفُ”، وَ اُلْفَخْرَ اُلرَّازِيَّ فِي “اُلْمُحَصَّلُ”، قَدْ ذَكَرَا أَنَّ اُلْكَرَّامِيَّةَ قَدْ خَالَفَتْ كُلَّ اُلْفِرَقِ اُلإِسْلاَمِيَّةِ فِي قَوْلِهَا، مَعَ قَوْلِهَا بِحُدُوثِ اُلْعَالَمِ، بِأَنَّهُ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ، مُمْتَنِعُ اُلْفَنَاءِ. وَذَكَرَا اُلاِثْنَانِ دَلِيلَ هَذِهِ اُلْفِرْقَةِ فِي ذَلِكَ، وَنَقَضَاهُ. أَمَّا عَبْدُ اُلْقَاهِرِ اُلْبَغْدَادِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 429 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ “اُلْفَرْقُ بَيْنِ اُلْفِرَقِ”، بِأَنَّ اُلْكَرَّامِيَّةَ تَقُولُ بِإِعْدَامِ اُلأَعْرَاضِ، وَأَنَّ أَكْثَرَهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ عَدَمِ اُلأَجْسَامِ.

40) [وَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ]، وَهَذَا اُلْحَلُّ أَيْضًا فَاسِدٌ.

41) [إِذْ فِيهِ كَوْنُ اُلْقَدِيمِ مَحَلَّ اُلْحَوَادِثِ]، وَوَجْهُ فَسَادِهِ اُلأَوَّلُ أَنَّهُ جَعَلَ اُلْقَدِيمَ مَحَلاًّ لِلْحَوَادِثِ، وَهَذَا يُخْرِجُهُ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبَ اُلْوُجُودِ بِذَاتِهِ.

42) [ثُمَّ خُرُوجٌ عَنِ اُلْمَعْقُولِ… إِلَى إِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ]، وَاُلْفَسَادُ اُلثَّانِي أَنَّ اُلْمَفْهُومَ مِنْهُ غَيْرُ اُلْمَفْهُومِ اُلطَّبِيعِيِّ. إِذْ اُلْمَفْهُومُ مِنَ اُلإِيجَادِ إِنَّمَا هُوَ فَقَطْ اُلنِّسْبَةُ الَّتِي بَيْنَ اُلْمَوْجُودِ وَاُلْقُدْرَةِ اُلْمُقْتَرِنَةِ بِإِرَادَةٍ.

43) [فَإِثْبَاتُ شَيْءٍ آخَرَ سِوَى … لاَ يُعْقَل]، فَإِنَّ إِثْبَاتَ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. لِأَنَّ هَذَا اُلشَّيْءَ مَا نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْقُدْرَةِ وَاُلإِرَادَةِ. فَغَيْرُ نِسْبَةِ اُلْمَوْجُودِيَّةِ وَاُلْمَفْعُولِيَّةِ، هُوَ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ اُلنِّسْبَةَ بِعَيْنِهَا، فَهَلْ لَهَا شَيْءٌ آخَرُ يَثْبُتُ مَعَهَا. فَإِنْ كَانَ، تَسَلْسَلَ اُلأَمْرُ بِلاَ نِهَايَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَالإِيجَادُ لاَ مَحَالَةَ هُوَ نِسْبَةُ اُلْمَوْجُودِ بِاُلْقُدْرَةِ وَاُلإِرَادَةِ فَقَطْ، وَلاَ يُعْقَلُ إِثْبَاتُ شَيْءٍ آخَرَ هُوَ اُلإِيجَادُ يَكُونُ حَالاًّ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى.

44) [وَكَذَا اُلإِعْدَامُ]، كَذَلِكَ اُلإِعْدَامُ، لَوْ صَحَّ، فَهْوَ نِسْبَةُ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْقُدْرَةِ وَاُلإِرَادَةِ، وَلاَ يُعْقَلُ إِثْبَاتُ إِعْدَامٍ يَكُونُ حَالاًّ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى.

45) [اُلْفِرْقَةُ اُلثَّالِثَةُ الأَشْعَرِيَّةُ]، أَوِ اُلطَّائِفَةُ اُلأُولَى مِنْهَا، وَهْيَ اُلشَّيْخُ أَبُو اُلْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ بِعَيْنِهِ، صَاحِبُ اُلْمَذْهَبِ، وَأَصْحَابٌ لَهُ.

46) [إِذْ قَالُوا أَمَّا اُلأَعْرَاضُ فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا وَلاَ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا]، إِذْ بَقَاؤُهُ، لَوْ كَانَ اُلْعَرَضُ بَاقِيًا، هُوَ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُهُ لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ زَمَانَيْنِ، زَمَانِ اُلْحُدُوثِ، وَاُلزَّمَانِ اُلثَّانِي بَعْدَ اُلْحُدُوثِ. فَلَوْ بَقِيَ اُلْعَرَضُ زَمَانَيْنِ، لَاحْتَاجَ إِلَى سَبَبٍ فِي فَنَائِهِ. وَإِذْ هُوَ لاَ يَبْقَى زَمَانَيْنِ، فَإِنَّهُ بِذَاتِهِ هُوَ لاَ يَقْوَى أَنْ يَمُرَّ إِلَى اُلزَّمَانِ اُلثَّانِي بَعْدَ اُلْحُدُوثِ. لِذَلِكَ كَانَ زَمَانُ اُلْعَرَضِ زَمَانًا وَاحِدًا وَهْوَ زَمَانُ اُلْحُدُوثِ، وَ فِي اُلْحُدُوثِ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِاُلْقُدْرَةِ اُلْمُحْدِثَةِ إِيّاَهُ، وَهْيَ قُدْرَةُ اُلْقَادِرِ تَعَالَى. فَإِنْ فَاتَ هَذَا اُلزَّمَانُ، فَنَى اُلْعَرَضُ لاَ مَحَالَةَ، وَأَحْدَثَ اُلْقَادِرُ فِي اُلزَّمَانِ اُلثَّانِي عَرَضًا آخَرَ مُمَاثِلاً لِلأَوَّلِ، وَهَكَذَا إِلَى مَا شَاءَ. إِذَنْ فَمَا يُرَى بِأَنَّهُ عَرَضٌ وَاحِدٌ مُسْتَمِرُّ اُلْوُجُودِ، كَهَذَا اُلْبَيَاضِ فِي اُلثَّوْبِ، إِنَّمَا هُوَ بَيَاضٌ مُتَجَدِّدٌ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَكُلُّ بَيَاضٍ فَإِنَّمَا هُوَ مَحْصُورٌ فِي حُدُوثِهِ فَقَطْ.

47) [لِأَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ بَقَاؤُهَا لَمَا تُصُوِّرَ فَنَاؤُهَا لِهَذَا اُلْمَعْنَى]، وَهَذِهِ اُلطَّائِفَةُ تَخْتَصُّ بِإِثْبَاتِهَا اُلْبَقَاءَ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى نَفْسِ اُلْبَاقِي. إِذْ كُلُّ بَاقٍ فَهْوَ بَاقٍ بِبَقَاءٍ. فَلَوْ كَانَ اُلْعَرَضُ بَاقِيًا، لَكَانَ بَاقِيًا بِبَقَاءٍ، وَاُلْبَقَاءُ عَرَضٌ. وَاُلْعَرَضُ لاَ يَقُومُ بِعَرَضٍ. فَيَلْزَمُ أَنَّ اُلْعَرَضَ لَوْ كَانَ بَاقِيًا لَكَانَ بَقَاؤُهُ لِذَاتِهِ، وَلَيْسَ لِلْبَقَاءِ، وَمَا بِاُلذَّاتِ مُحَالُ اُلاِرْتِفَاعِ. فَاُلْعَرَضُ إِذَنْ غَيْرُ مُمْكِنِ اُلْفَنَاءِ. وَقَوْلُهُ “لَمَا تُصُوِّرَ فَنَاؤُهَا لِهَذَا اُلْمَعْنَى” فَمَعْنَاهُ أَنَّ اُلْبَاقِي كَمَا أَنَّ بَقَاءَهُ بِبَقَاءٍ، فَفَنَاؤُهُ بِاُلْمَنْعِ مِنَ اُلْبَقَاءِ. وَإِذِ اُلْبَقَاءُ مُمْتَنِعُ اُلْحُلُولِ فِي اُلْعَرَضِ، إِذَنْ فَفَنَاءُ اُلْعَرَضِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا هُوَ مُمْتَنِعٌ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ هَذَا اُلْمَعْنَى. وَبَيِّنٌ أَنَّ هَذَا اُلْمَعْنَى، وَهْوَ اُلْبَقَاءُ، كَانَ يَكُونُ سَبَبًا فِي فَنَاءِ اُلْعَرَضِ لَيْسَ بِوُجُودِهِ، بَلْ بِارْتِفَاعِهِ.

48) [وَأَمَّا اُلْجَوَاهِرُ فَلَيْسَتْ بَاقِيَةً بِأَنْفُسِهَا … اِنْعَدَمَتْ لِعَدَمِ اُلْبَقَاءِ]، أَمَّا اُلْجَوَاهِرُ فَتَبْقَى بِبَقَاءٍ زَائِدٍ عَلَى وُجُودِهَا يَخْلُقُهُ اللهُ تَعَالَى فِيهَا حَالاً فَحَالاً. فَإِنْ هُوَ كَفَّ عَنْ خَلْقِهِ اُلْبَقَاءَ، اِنْعَدَمَتِ اُلْجَوَاهِرُ بِذَاتِهَا لِعَدَمِ اُلْبَقَاءِ. وَكَذَا يَكُونُ حَلُّ اُلإِشْكَالِ. إِذِ اُلْعَدَمُ هَاهُنَا لَمْ يَعُدْ أَثَرًا لِفِعْلٍ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ اُلأَثُرُ اُلْمَعْدُومُ مَوْجُودًا، بَلْ هُوَ كَفٌّ فَقَطْ عَنْ فِعْلٍ يَلْزَمُهُ عَدَمُ اُلْمَفْعُولِ. وَهَذَا مَعْقُولٌ، لِأَنَّ عَدَمَ اُلْمَفْعُولِ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِعَدَمِ اُلْفِعْلِ.

49) [وَهْوَ أَيْضًا فَاسِدٌ]، أَجَابَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ بِأَنَّ هَذَا اُلْحَلَّ أَيْضًا هُوَ فَاسِدٌ.

50) [لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاكَرَةِ اُلْمَحْسُوسِ … وَأَنَّهُ مُتَجَدِّدُ اُلْوُجُودِ]، وَفَسَادُهُ أَنَّ اُلْقَوْلَ بِأَنَّ اُلْعَرَضَ فِي نَفْسِهِ لاَ يَبْقَى كَهَذَا اُلسَّوَادِ، أَعْنِي أَنَّهُ فِي كُلِّ آنٍ هُنَاكَ سَوَادٌ يَحْدُثُ غَيْرُ اُلسَّوَادِ الَّذِي قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ، وَذَلِكَ تَجَدُّدُ وُجُودِهِ، إِذْ لاَ تَفْهَمَنَّ مِنْ تَجَدُّدِ اُلْوُجُودِ أَنَّ اُلْوُجُودَ اُلْوَاحِدَ بِعَيْنِهِ يُوجَدُ آنًا بَعْدَ آنٍ، لِأَنَّ إِيجَادَ اُلْمَوْجُودِ مُحَالٌ. قُلْتُ إِنَّ اُلْقَوْلَ بِتَجَدُّدِ اُلْعَرَضِ هُوَ إِنْكَارٌ لِلْمَحْسُوسِ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ اُلْحِسُّ اُلطَّبِيعِيُّ.

51) [وَاُلْعَقْلُ يَنْبُو …مُتَجَدِّدُ اُلْوُجُودِ فِي كُلِّ حَالَةٍ]، وَاُلْعَقْلُ وَاُلْبَدِيهَةُ يَدْفَعَانِ هَذَا اُلْقَوْلَ كَدَفْعِهِمَا قَوْلَ مَنْ قَالَ، كَهِرَقْلِيطِسْ اُلْمُتَوَفَّى فِي اُلْقَرْنِ اُلْخَامِسِ قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، بِأَنَّ اُلْجِسْمَ فِي سَيَلاَنٍ دَائِمٍ، وَأَنَّهُ لاَ يُسْبَحُ فِي اُلنَّهْرِ اُلْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ.

52) [وَاُلْعَقْلُ يَقْضِي بِأَنَّ اُلشَّعَرَ … يَقْضِي أَيْضًا بِهِ فِي سَوَادِ اُلشَّعَرِ]، وَاُلْعَقْلُ بِبَدِيهَتِهِ كَمَا يَقْضِي بِأَنَّ هَذَا اُلْجِسْمَ، وَهْوَ اُلشَّعَرُ الَّذِي عَلَى اُلإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ، هُوَ بِعَيْنِهِ اُلْجِسْمُ الَّذِي كَانَ بِاُلأَمْسِ، لاَ أَنَّهُ شَعَرٌ آخَرُ مِثْلُ الأَوَّلِ، كَذَلِكَ هُوَ قَاضٍ لاَ مَحَالَةَ بِأَنَّ سَوَادَ هَذَا اُلشَّعَرِ اُلآنَ، هُوَ سَوَادُهُ بِعَيْنِهِ بِاُلأَمْسِ، لاَ أَنَّهُ سَوَادٌ آخَرُ هُوَ مِثْلُهُ.

53) [ثُمَّ فِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ]، وَهَذَا اُلْحَلُّ لِهَذِهِ اُلطَّائِفَةِ مِنَ اُلأَشَاعِرَةِ فِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ، وَهْوَ إِشْكَالٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِنَفْسِ اُلْحَلِّ، بَلْ بِمَا اِنْبَنَى عَلَيْهِ اُلْحَلُّ، وَهْوَ إِثْبَاتُ بَقَاءٍ زَائِدٍ عَلَى اُلْبَاقِي.

54) [وَهْوَ أَنَّ اُلْبَاقِي … وَيَتَسَلْسَلُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ]، وَهْوَ إِنْ كَانَ كُلُّ بَاقٍ بَاقٍ بِبَقَاءٍ، وَاُلصِّفَةُ بَاقِيَةٌ، فَهْيَ بَاقِيَةٌ بِبَقَاءٍ. وَلَكِنَّ اُلْبَقَاءَ هُوَ صِفَةٌ لِلصِّفَةِ اُلْبَاقِيَةِ. إِذَنْ فَهْوَ بَاقٍ بِبَقَاءٍ، فَيَتَسَلْسَلُ اُلأَمْرُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، إِذْ كُلُّ بَقَاءٍ فَلَهُ بَقَاءٌ.

55) [وَاُلْفِرْقَةُ اُلرَّابِعَةُ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ اُلأَشْعَرِيَّةِ]، وَهَذِهِ اُلطَّائِفَةُ صَاحِبُهَا خَاصَّةً إِمَامُ اُلْحَرَمَيْنِ أَبُو اُلْمَعَالِي اُلْجُوَيْنِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 478 مِنَ اُلْهِجْرَةِ.

56) [قَالُوا إِنَّ اُلأَعْرَاضَ تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا]، أَيْ أَنَّ اُلْعَرَضَ لاَ يَبْقَى زَمَانَيْنِ. وَهَذَا قَوْلٌ لِكُلِّ اُلأَشَاعِرَةِ. إِذَنْ فَلاَ يُطْلَبُ سَبَبُ فَنَائِهِ.

57) [وَأَمَّا اُلْجَوَاهِرُ]، فَإِذْ هِيَ لاَ تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا، وَلاَ تَفْنَى بِإِعْدَامِ مُعْدِمٍ، وَلاَ بِضِدٍّ هُوَ اُلْفَنَاءُ.

58) [فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْ … لَيْسَ بِسَاكِنٍ وَلاَ مُتَحَرِّكٍ فَيَنْعَدِمُ]، فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْ لاَ يَخْلُقَ اُللهُ تَعَالَى بِهَا حَرَكَةً وَلاَ سُكُونًا وَلاَ اِجْتِمَاعًا وَ لاَ اِفْتِرَاقًا، فَإِنَّ فَنَاءَهَا لاَ يَكُونُ بِفِعْلٍ، بَلْ بِاُلْكَفِّ عَنِ اُلْفِعْلِ، وَهْوَ اُلإِمْسَاكُ عَنْ خَلْقِ اُلأَكْوَانِ اُلأَرْبَعَةِ الَّتِي لاَ يَخْلُو مِنْهَا اُلْجَوْهَرُ أَصْلاً. إِذِ اُلْجَوَاهِرُ لَمَّا كَانَتْ لاَ تَخْلُو مِنَ اُلأَعْرَاضِ، لاَ سِيَّمَا اُلأَكْوَانُ اُلأَرْبَعَةُ اُلْمَذْكُورَةُ، كَانَتْ شَرْطًا فِي وُجُودِهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ بُطْلاَنَ اُلشَّرْطِ يُوجِبُ بُطْلاَنَ اُلْمَشْرُوطِ. كَذَلِكَ فَإِنْ بَطَلَتْ اُلأَعْرَاضُ بِقَطْعِهَا عَنِ اُلْجَوْهَرِ، بَطَلَ اُلْجَوْهَرُ بِعَيْنِهِ لاَ مَحَالَةَ.

59) [وَكَأَنَّ فِرْقَتَيَّ اُلأَشْعَرِيَّةِ … إِنَّمَا هُوَ كَفٌّ عَنِ اُلْفِعْلِ]، لَمَّا كَانَ أَصْلُ اُلإِشْكَالِ فِي عَدَمِ اُلْعَالَمِ، أَنَّ اُلْعَدَمَ اُلْمَحْضَ لاَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِفِعْلٍ، لِأَنَّهُ لاَ فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ فِعْلٍ وَلاَ فِعْلٍ، طَلَبَتْ جُمْلَةُ اُلأَشْعَرِيَّةِ اُلْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ اُلْوَجْهِ اُلْمَعْقُولِ، وَهْوَ أَنَّ اُلْعَدَمَ إِنَّمَا يَكُونُ لاَزِمًا عَنْ عَدَمِ اُلْفِعْلِ، مِثْلَمَا أَنَّ اُلْوُجُودَ لاَزِمٌ عَنِ اُلْفِعْلِ، فَجَعَلَتْ عَدَمَ اُلْعَالَمِ هُوَ لاَزِمًا عَنْ عَدَمِ اُلْفِعْلِ مِنْ طَرِيقِ اُلْكَفِّ وَاُلإِمْسَاكِ، إِمَّا بِقَطْعِ اُلْبَقَاءِ عَلَى قَوْلِ اُلشَّيْخِ أَبِي اُلْحَسَنِ، أَوْبِقَطْعِ اُلأَكْوَانِ، عَلَى قَوْلِ أَبِي اُلْمَعَالِي اُلْجُوَيْنِيِّ.

60) [لَمَّا لَمْ يَعْقِلُوا كَوْنَ اُلْعَدَمِ فِعْلاً]، لِمَا ظُنَّ أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ أَثَرًا لِفِعْلٍ.

-V قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “وَقَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ إِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ اُلطُّرُقُ1 لَمْ يَبْقَ وَجْهٌ لِلْقَوْلِ بِجَوَازِ إِعْدَامِ اُلْعَالَمِ2. هَذَا وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ حَادِثٌ3 فَإِنَّهُمْ مَعَ تَسْلِيمِهِمْ حُدُوثَ اُلنَّفْسِ اُلإِنْسَانِيَّةِ يَدَّعُونَ اِسْتِحَالَةَ اِنْعِدَامِهَا بِطَرِيقٍ يَقْرُبُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ4. وَبِاُلْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ كُلُّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لاَ فِي مَحَلٍّ لاَ يُتَصَوَّرُ اِنْعِدَامُهُ بَعْدَ وُجُودِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا5. فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَهْمَا أُوقِدَتِ اُلنَّارُ تَحْتَ اُلْمَاءِ اِنْعَدَمَ اُلْمَاءُ6، قَالُوا لَمْ يَنْعَدِمْ7 وَلَكِنْ اِنْقَلَبَ بُخَارًا ثُمَّ مَاءً8. فَاُلْمَادَّةُ وَهْيَ اُلْهَيُولَى بَاقِيَةٌ فِي اُلْهَوَاءِ9، وَهْيَ اُلْمَادَّةُ اُلَّتِي كَانَتْ مَحَلاًّ لِصُورَةِ اُلْمَاءِ10، وَإِنَّمَا خَلَعَتِ اُلْهَيُولَى صُورَةَ اُلْمَائِيَّةِ11 وَلَبِسَتْ صُورَةَ اُلْهَوَائِيَّةِ12، وَإِذَا أَصَابَ اُلْهَوَاءَ بَرْدٌ تَكَثَّفَ وَاُنْقَلَبَ مَاءً13، لاَ أَنَّ مَادَّةً تَجَدَّدَتْ14، بَلِ اُلْمَادَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اُلْعَنَاصِرِ، وَإِنَّمَا تَتَبَدَّلُ عَلَيْهَا صُوَرُهَا15.”

شَرْحٌ -V-

1) [وَقَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ إِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ اُلطُّرُقُ]، قَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ فَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ اُلطُّرُقُ، وَهْيَ كُلُّ اُلْوُجُوهِ اُلْمُمْكِنَةِ فِي حَلِّ اُلإِشْكَالِ.

2) [لَمْ يَبْقَ وَجْهٌ لِلْقَوْلِ بِجَوَازِ إِعْدَامِ اُلْعَالَمِ]، فَإِنَّ اُلَّذِي أَوْجَبَ اُلإِشْكَالَ، وَهْوَ اُلْقَوْلُ بِجَوَازِ اِنْعِدَامِ اُلْعَالَمِ، بَاطِلٌ. وَإِذَا بَطَلَ، كَانَ نَقِيضُهُ وَاجِبًا بِاُلضَّرُورَةِ، أَعْنِي أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ اِضْطِرَارًا.

3) [هَذَا وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ حَادِثٌ]، وَإِيجَابُ اُلْفَلاَسِفَةِ لِأَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ لَيْسَ مَوْقُوفًا فَقَطْ عَلَى كَوْنِهِ أَزَلِيًّا، بَلْ لَوْ قَالُوا بِحُدُوثِهِ، كَانَ طَرِيقُهُمْ هَذَا يُوجِبُ لَهُمْ أَيْضًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَدِمٍ.

4) [فَإِنَّهُمْ مَعَ تَسْلِيمِهِمْ … يَقْرُبُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ]، بِدَلِيلِ أَنَّ بَعْضَهُمْ، وَهْوَ اِبْنُ سِينَا قَدْ سَلَّمَ بِحُدُوثِ اُلنَّفْسِ، ثُمَّ هُوَ مَنَعَ اِنْعِدَامَهَا بِطَرِيقٍ قَرِيبٍ مِنَ اُلطَّرِيقِ اُلْمَذْكُورِ.

5) [وَبِاُلْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ … كَانَ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا]، بَلْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ، وَهْيَ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ اُلْمَادَّةِ، وَهْيَ اُلْعَقْلُ، وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُنْعَدِمَةٍ أَصْلاً.

6) [فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ … اِنْعَدَمَ اُلْمَاءُ]، أَمَّا اُلأَشْيَاءُ اُلْمَحْسُوسَةُ الَّتِي قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا تَنْعَدِمُ الاِنْعِدَامَ اُلْمَمْنُوعَ عِنْدَنَا، وَهْوَ اِنْقِلاَبُ عَيْنِ اُلْوُجُودِ عَدَمًا مَحْضًا. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ عَيْنَ اُلْمَاءِ اُلْمَوْجُودِ إِذَا أُوقِدَتْ تَحْتَهُ نَارٌ، فَنِيَتْ عَيْنُهُ بِإِطْلاَقٍ.

7) [قَالُوا لَمْ يَنْعَدِمْ]، فَإِنَّ ذَلِكَ اُلْعَدَمَ، كَعَدَمِ اُلْمَاءِ، لَيْسَ هُوَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ هُوَ عَدَمٌ بِاُلْعَرَضِ.

8) [وَلَكِنِ اِنْقَلَبَ بُخَارًا ثُمَّ مَاءً]، وَلَكِنَّ اُلْمَاءَ بِاُلنَّارِ صَارَ هَوَاءً رَطْبًا، وَاُلْهَوَاءُ اُلرَّطْبُ، إِذَا صَارَ بَارِدًا بِاُلْبَرْدِ، اِنْقَلَبَ مَاءً تَارَةً أُخْرَى.

9) [فَاُلْمَادَّةُ وَهْيَ اُلْهَيُولَى بَاقِيَةٌ فِي اُلْهَوَاءِ]، يُرِيدُ أَنَّ اُلْمَادَّةَ الَّتِي كَانَتْ مَكْسُوَّةً بِاُلصُّورَةِ اُلْمَائِيَّةِ لاَ تَفْنَى بِفَسَادِ اُلْمَاءِ. بَلْ فَسَادُ اُلْمَاءِ هُوَ كَوْنٌ لِلْهَوَاءِ، وَاُلْفَاسِدُ هُوَ بِعَيْنِهِ اُلْمُتَكَوِّنُ. إِذْ مَادَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ تَفْسُدُ مِنْ جِهَةِ خَلْعِهَا لِصُورَةِ اُلْمَاءِ، وَهْيَ بِعَيْنِهَا تَتَكَوَّنُ مِنْ جِهَةِ لُبْسِهَا صُورَةَ اُلْهَوَاءِ، لِأَنَّ اُلْهَيُولَى لاَ تَعْرَى عَنِ اُلصُّورَةِ.

10) [وَهْيَ اُلْمَادَّةُ اُلَّتِي كَانَتْ مَحَلاًّ لِصُورَةِ اُلْمَاءِ]، فَهَذِهِ اُلْمَادَّةُ اُلْبَاقِيَةُ لَمَّا كَانَتْ لاَبِسَةً لِلصُّورَةِ اُلْمَائِيَّةِ، كَانَتْ مَعَهَا جَوْهَرًا مُرَكَّبًا وَاحِدًا هُوَ اُلْمَاءُ. وَحِينَئِذٍ فَهْيَ تُسَمَّى بِاُلإِضَافَةِ إِلَى اُلصُّورَةِ اُلْمَائِيَّةِ مَحَلاًّ لِلصُّورَةِ.

11) [وَإِنَّمَا خَلَعَتِ اُلْهَيُولَى صُورَةَ اُلْمَائِيَّةِ]، وَمَا يُظَنُّ أَنَّهُ فَنَاءٌ مُطْلَقٌ لِلْمَاءِ، فَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، بَلْ فَنَاؤُهُ أَنْ تَزُولَ اُلصُّورَةُ اُلْمَائِيَّةُ عَنِ اُلْمَحَلِّ بِلاَ فَنَاءٍ لِلْمَحَلِّ.

12) [وَلَبِسَتْ صُورَةَ اُلْهَوَائِيَّةِ]، وَإِذْ أَنَّ اُلْهَيُولَى لاَ تَعْرَى مِنْ صُورَةٍ، فَإِنَّ اُلْمَادَّةَ الَّتِي زَالَتْ عَنْهَا اُلصُّورَةُ اُلْمَائِيَّةُ بِاُلْفَسَادِ لاَ بُدَّ أَنْ تَقْتَرِنَ بِهَا صُورَةٌ أُخْرَى لاَ مَحَالَةَ. وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ أَيَّ صُورَةٍ، بَلْ اُلصُّورَةُ الَّتِي تِلْكَ اُلْمَادَّةُ هِيَ وُجُودٌ بِاُلْقُوَّةِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْهَا. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ صُورَةَ اُلسَّيْفِ لاَ تَلْبَسُهَا أَيُّ مَادَّةٍ، بَلْ اُلْمَادَّةُ اُلْمُسْتَعِدَّةُ لِصُورَةِ اُلسَّيْفِ، وَهْيَ اُلْحَدِيدُ. كَذَلِكَ فَإِنَّ اُلْمَادَّةَ الَّتِي هِيَ عَدَمُ اُلصُّورَةِ اُلْمَائِيَّةِ هِيَ الَّتِي تَصِيرُ بِإِعْدَادٍ مَخْصُوصٍ اُلْمَادَّةَ اُلْمُسْتَعِدَّةَ لِلُبْسِ اُلصُّورَةِ اُلْهَوَائِيَّةِ. وَكُلُّ هَذَا يُبَيِّنُ لَكَ مَا مَعْنَى أَنَّ مَادَّةً وَاحِدَةً قَدْ خَلَعَتْ صُورَةً، إِذْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ هُوَ عَدَمُ اُلْجَوْهَرِ اُلْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا، وَلَبِسَتْ صُورَةً أُخْرَى، إِذْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ هُوَ وُجُودُ اُلْجَوْهَرِ اُلْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا.

13) [وَإِذَا أَصَابَ اُلْهَوَاءَ بَرْدٌ تَكَثَّفَ وَاُنْقَلَبَ مَاءً]، فَاُلْهَوَاءُ كَمَا يَقُولُ أَرُسْطُو فِي “اُلْكَوْنُ وَاُلْفَسَادُ”، هُوَ حَارٌّ رَطْبٌ. فَإِذَا اِسْتَحَالَتِ اُلْكَيْفِيَّةُ اُلْفِعْلِيَّةُ لِمَادَّتِهِ، مِنْ حَارٍّ إِلَى بَارِدٍ، بِفِعْلِ اُلْبُرُودَةِ اُلْمُتَسِلِّطَةِ عَلَيْهِ، تَكَوَّنَ جَوْهَرًا مَائِيًّا، لِأَنَّ اُلْمَاءَ هُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ.

14) [لاَ أَنَّ مَادَّةً تَجَدَّدَتْ]، يُرِيدُ أَنْ تَكَوُّنَ اُلْمَاءِ مِنَ اُلْهَوَاءِ، لَمْ يَكُنْ بِانْعِدَامِ اُلْهَوَاءِ صُورَةً وَمَادَّةً، وَبِحُدُوثِ اُلْمَاءِ صُورَةً وَمَادَّةً.

15) [بَلِ اُلْمَادَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اُلْعَنَاصِرِ، وَإِنَّمَا تَتَبَدَّلُ عَلَيْهَا صُوَرُهَا]، بَلِ اُلْمَادَّةُ بَاقِيَةٌ فِي اُلْفَنَاءِ وَفِي اُلْكَوْنِ، وَفَنَاءُ اُلْهَوَاءِ هُوَ بِاُلْعَرَضِ، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ زَوَالِ صُورَةِ اُلْمَائِيَّةِ عَنِ اُلْمَادَّةِ اُلْوَاحِدَةِ، وَكَوْنُ اُلْمَاءِ هُوَ لُبْسُ تِلْكَ اُلْمَادَّةِ بِعَيْنِهَا لِصُورَةِ اُلْمَاءِ بَعْدَ خَلْعِهَا لِلصُّورَةِ اُلأُولَى.

-VI قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “اُلْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ اُلأَقْسَامِ1 وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ نَذُبَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ2 وَنُبَيِّنَ أَنَّ إِبْطَالَهُ عَلَى أَصْلِكُمْ لاَ يَسْتَقِيمُ لِاشْتِمَالِ أُصُولِكُمْ عَلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ3، وَلَكِنَّا لاَنُطَوِّلُ بِهِ وَنَقْتَصِرُ عَلَى قِسْمٍ وَاحِدٍ4 وَنَقُولُ، بِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ اُلإِيجَادُ وَالإِعْدَامُ بِإِرَادَةِ اُلْقَادِرِ، فَإِذَا أَرَادَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْجَدَ، وَإِذَا أَرَادَ أَعْدَمَ5، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ سُبْحَانُهُ قَادِرًا عَلَى اُلْكَمَالِ6، وَهْوَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ لاَ يَتَغَيَّرُ فِي نَفْسِهِ7 وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ اُلْفِعْلُ8. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إِنَّ اُلْفَاعِلَ لاَ بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ فِعْلٌ فَمَا اُلصَّادِرُ مِنْهُ9، قُلْنَا اُلصَّادِرُ مِنْهُ مَا تَجَدَّدَ وَهْوَ اُلْعَدَمُ، إِذْ لَمْ يَكُنْ عَدَمٌ ثُمَّ تَجَدَّدَ اُلْعَدَمُ. فَهْوَ اُلصَّادِرُ عَنْهُ10. فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ صَدَرَ عَنْهُ11. قُلْنَا وَهْوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ وَقَعَ12. وَلَيْسَ مَعْنَى صُدُورِهِ عَنْهُ إِلاَّ أَنَّ مَا وَقَعَ مُضَافٌ إِلَى قُدْرَتِهِ13، فَإِذَا عُقِلَ وُقُوعُهُ، لِمَ لاَ تُعْقَلُ إِضَافَتُهُ إِلَى اُلْقُدْرَةِ14، وَمَا اُلْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ يُنْكِرُ طَرَيَانَ اُلْعَدَمِ أَصْلاً عَلَى اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ، وَيَقُولُ اُلْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَطْرَأُ وَكَيْفَ يُوصَفُ بِاُلطَّرَيَانِ وَاُلتَّجَدُّدِ15. وَلاَ نَشُكُّ فِي أَنَّ اُلْعَدَمَ يُتَصَوَّرُ طَرَيَانُهُ عَلَى اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ. فَاُلْمَوْصُوفُ بِاُلطَّرَيَانِ مَعْقُولٌ وُقُوعُهُ سُمِّيَ شَيْئًا أَوْ لَمْ يُسُمَّ، فَإِضَافَةُ ذَلِكَ اُلْوَاقِعِ اُلْمَعْقُولِ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ أَيْضًا مَعْقُولٌ16. فَإِنْ قِيلَ هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ عَدَمَ اُلشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ فَيُقَالُ لَهُ مَا الَّذِي طَرَأَ17. وَعِنْدَنَا لاَ يَنْعَدِمُ اُلشَّيْءُ اُلْمَوْجُودُ18 وَإِنَّمَا مَعْنَى اِنْعِدَامِ اُلأَعْرَاضِ طَرَيَانُ أَضْدَادِهَا الَّتِي هِيَ مَوْجُودَاتٌ، لاَ طَرَيَانُ اُلْعَدَمِ اُلْمُجَرَّدِ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءٍ19، فَإِنَّ مَا لَيْسَ بِشَيْءٍ كَيْفَ يُوصَفُ بِاُلطَّرَيَانِ. فَإِذَا اِبْيَضَّ اُلشَّعَرُ، فَاُلطَّارِئُ هُوَ اُلْبَيَاضُ فَقَطْ وَهْوَ مَوْجُودٌ، وَلاَ نَقُولُ اُلطَّارِئُ عَدَمُ اُلسَّوَادِ20.

   وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ21 :

   أَحَدُهُمَا أَنَّ طَرَيَانَ اُلْبَيَاضِ هَلْ تَضَمَّنَ عَدَمَ اُلسَّوَادِ أَمْ لاَ22. فَإِنْ قَالُوا لاَ، فَقَدْ كَابَرُوا اُلْعُقُولَ23، وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، فَاُلْمُتَضَمِّنُ غَيْرُ اُلْمُتَضَمَّنِ أَمْ عَيْنُهُ24. فَإِنْ قَالُوا هُوَ عَيْنُهُ، كَانَ مُتَنَاقِضًا، إِذِ اُلشَّيْءُ لاَ يَتَضَمَّنُ نَفْسَهُ25، وَإِنْ قَالُوا غَيْرُهُ، فَذَلِكَ اُلْغَيْرُ مَعْقُولٌ أَمْ لاَ26. فَإِنْ قَالُوا لاَ، قُلْنَا فَبِمَ عَرَفْتُمْ أَنَّهُ مُتَضَمَّنٌ، وَاُلْحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُتَضَمَّنًا اِعْتِرَافٌ بِكَوْنِهِ مَعْقُولاً27، وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، فَذَلِكَ اُلْمُتَضَمَّنُ اُلْمَعْقُولُ وَهْوَ عَدَمُ اُلسَّوَادِ قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ28. فَإِنْ قَالُوا قَدِيمٌ فَهْوَ مُحَالٌ29، وَإِنْ قَالُو حَادِثٌ، فَاُلْمَوْصُوفُ بِاُلْحُدُوثِ كَيْفَ لاَ يَكُونُ مَعْقُولاً30. وَإِنْ قَالُوا لاَ قَدِيمٌ وَلاَ حَادِثٌ فَهْوَ مُحَالٌ31، لِأَنَّهُ قَبْلَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ، لَوْ قِيلَ اُلسَّوَادُ مَعْدُومٌ كَانَ كَذِبًا، وَبَعْدَهُ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ مَعْدُومٌ كَانَ صِدْقًا، فَهْوَ طَارِئٌ لاَ مَحَالَةَ32. فَهَذَا اُلطَّارِئُ مَعْقُولٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إِلَى قُدْرَةِ قَادِرٍ33.

   اُلْوَجْهُ اُلثَّانِي، أَنَّ مِنْ اُلأَعْرَاضِ مَا يَنْعَدِمُ عِنْدَهُمْ لاَ بِضِدِّهِ34، فَإِنَّ اُلْحَرَكَةَ لاَ ضِدَّ لَهَا، وَإِنَّمَا اُلتَّقَابُلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اُلسُّكُونِ عِنْدَهُمْ تَقَابُلَ اُلْمَلَكَةِ وَاُلْعَدَمِ، أَعْنِي تَقَابُلَ اُلْوُجُودِ وَاُلْعَدَمِ35، وَمَعْنَى اُلسُّكُونِ عَدَمُ اُلْحَرَكَةِ36، فَإِذَا عَدِمَتِ اُلْحَرَكَةُ لَمْ يَطْرَأْ سُكُونٌ هُوَ ضِدُّهَا، بَلْ هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ37، وَكَذَلِكَ اُلصِّفَاتُ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ اُلاِسْتِكْمَالِ38 كَاِنْطِبَاعِ أَشْبَاحِ اُلْمَحْسُوسَاتِ فِي اُلرُّطُوبَةِ اُلْجَلِيدِيَّةِ مِنَ اُلْعَيْنِ39، بَلِ اِنْطِبَاعُ صُوَرِ اُلْمَعْقُولاَتِ فِي اُلنَّفْسِ40 فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى اِسْتِفْتَاحِ وُجُودٍ مِنْ غَيْرِ زَوَالِ ضِدِّهِ41، وَإِذَا عَدِمَتْ كَانَ مَعْنَاهَا زَوَالَ اُلْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ اِسْتِعْقَابِ ضِدِّهِ42. فَزَوَالُهَا عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمٍ مَحْضٍ قَدْ طَرَأَ43. فَعُقِلَ وُقُوعُ اُلْعَدَمِ اُلطَّارِئِ44، وَمَا عُقِلَ وُقُوعُهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، عُقِلَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ45. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ مَهْمَا تُصُوِّرَ وُقُوعُ حَادِثٍ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ، لَمْ يَفْتَرِقْ اُلْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اُلْوَاقِعُ عَدَمًا أَوْ وُجُودًا46. وَاللهُ أَعْلَمُ.”

شَرْحٌ -VI-

1) [اُلْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ اُلأَقْسَامِ]، وَهْيَ اُلأَقْوَالُ اُلْخَمْسَةُ : قَوْلٌ أَوَّلٌ وَهْوَ أَصْلُ اُلإِشْكَالِ، أَعْنِي أَنَّ عَدَمَ اُلْعَالَمِ هُوَ فِعْلٌ لِلْقَادِرِ، وَاُلأَقْوَالُ اُلأَرْبَعَةُ اُلْبَاقِيَةُ لِلْفِرَقِ اُلأَرْبَعَةِ اُلْمَذْكُورَةِ فِي حَلِّ اُلإِشْكَالِ.

2) [وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ نَذُبَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ]، لَيْسَ مَعْنَى اُلذَّبِّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ اُلأَقْسَامِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي نَفْسِهِ هُوَ جَوَابٌ صَحِيحٌ، وَإِذْ هُوَ صَحِيحٌ فَيُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِإِطْلاَقٍ، إِذِ اُلْحُلُولِ فِيهَا هِيَ مُتَنَافِيَةٌ، بَلِ اُلْمَقْصُودُ أَنَّ اُلْحُجَجَ الَّتِي قِيلَتْ فِي إِبْطَالِ كُلِّ قِسْمٍ يُمْكِنُ فَسْخُهَا وَبَيَانُ خَلَلِهَا، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ وَإِنْ لَيْسَ يُمْكِنُ اُلْقَطْعُ بِصِحَّةِ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُمْكِنُ اُلْقَطْعُ بِبُطْلاَنِهَا. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ كَلاَمِ اُلْغَزَالِيِّ.

3) [وَنُبَيِّنَ أَنَّ إِبْطَالَهُ … عَلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ]، وَاُلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اُلْقَطْعُ بِبُطْلاَنِ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنَّ أُصُولَكُمْ قَدِ اِشْتَمَلَتْ عَلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا تُبْطِلُونَهُ فِيهَا. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ اُلْقِسْمَ اُلثَّانِي يُقِرُّ بِأَنَّ اُلْعَدَمَ يَكُونُ بِطُرُوِّ اُلضِّدِّ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَا تُثْبِتُونَهُ فِي فَنَاءِ اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ. لَكِنَّ هَذِهِ اُلْحُجَّةَ فِي أَدْنَى مَرَاتِبِ اُلْجَدَلِ، لِأَنَّهُ هَبْ أَنَّ اُلْمُحْتَجَّ بِاُلْحُجَجِ اُلْمَذْكُورَةِ هُوَ شَخْصٌ آخَرُ غَيْرُ اُلْفَلاَسِفَةِ، أُصُولُهُ مُخَالِفَةٌ لِأُصُولِهِمْ. إِذَنْ فَلَيْسَ هَذَا اُلْكَلاَمُ يَقُومُ أَلْبَتَّةَ رَدًّا عَلَيْهَا.

4) [وَلَكِنَّا لاَنُطَوِّلُ بِهِ وَنَقْتَصِرُ عَلَى قِسْمٍ وَاحِدٍ]، أَيْ وَإِنَّا قَدْ نَقْتَصِرُ عَلَى قِسْمٍ وَاحِدٍ لِنُبَيِّنَ أَنَّ حُجَّتَكُمْ فِي بُطْلاَنِهِ بِاُلضَّرُورَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.

5) [وَنَقُولُ، بِمَ تُنْكِرُونَ … وَإِذَا أَرَادَ أَعْدَمَ]، لَقَدْ كَانَ أَصْلُ اُلإِشْكَالِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اُلْعَالَمُ يَنْعَدِمُ لَانْعَدَمَ بِإِعْدَامٍ، وَالإِعْدَامُ فِعْلٌ، وَأَثَرُ اُلْفِعْلِ مَوْجُودٌ اِضْطِرَارًا. وَاُلْعَدَمُ هُوَ لاَشَيْءٌ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِفِعْلٍ. فَعَدَمُ اُلْعَالَمِ مُحَالٌ. قَالَ اُلْغَزَالِيُّ اُلْمُحَالُ غَيْرُ ثَابِتٍ، بَلِ اُلإِعْدَامُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلاً لِلْمُرِيدِ اُلْقَادِرِ عَلَى مِثَالِ مَا أَنَّ اُلإِيجَادَ هُوَ أَيْضًا فِعْلٌ لَهُ.

6) [وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ سُبْحَانُهُ قَادِرًا عَلَى اُلْكَمَالِ]، لِأَنَّ اُلْقَادِرَ اُلتَّامَّ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ فِي نَفْسِهِ. وَتَعَلُّقُ نَفْسِ اُلْعَدَمِ بِقُدْرَتِهِ مُمْكِنٌ.

7) [وَهْوَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ لاَ يَتَغَيَّرُ فِي نَفْسِهِ]، وَقَوْلُنَا هَذَا لَيْسَ كَقَوْلِ اُلكَرَّامِيَّةِ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ اُلإِعْدَامِ وَاُلْمُعْدَمِ، وَالإِيجَادِ وَاُلْمُوجَدِ، وَتَجْعَلُ اُلْمَوْجُودَ وَاُلْمَعْدُومَ مُبَايِنَيْنِ لِلْقَادِرِ، أَمَّا اُلإِعْدَامُ وَاُلإِيجَادُ فَحَادِثَانِ قَائِمَانِ فِي ذَاتِهِ يُوجِبَانِ لَهُ اُلتَّغَيُّرَ فِي نَفْسِهِ. أَمَّا عِنْدَنَا فَاُلإِعْدَامُ، كَاُلإِيجَادِ، إِنَّمَا هُو نِسْبَةٌ فَقَطْ بَيْنَ اُلْمُعْدَمِ وَاُلْقَادِرِ بِعَيْنِهِ. لِذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ إِحْدَاثُهُ لِلْعَدَمِ بِاُلإِعْدَامِ، أَوْ إِحْدَاثُهُ لِلْوُجُودِ بِاُلإِيجَادِ أَيَّ تَغَيُّرٍ فِي نَفْسِهِ.

8) [وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ اُلْفِعْلُ]، بَلِ اُلتَّغَيُّرُ فِي اُلأَثَرِ اُللاَّزِمِ عَنِ اُلْفِعْلِ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ بَيْنَ اُلْقَادِرِ وَاُلْمَقْدُورِ، كَاُلْوُجُودِ بَعْدَ اُلْعَدَمِ، فِي اُلإِيجَادِ، أَوِ اُلْعَدَمِ بَعْدَ اُلْوُجُودِ فِي اُلإِعْدَامِ.

9) [وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إِنَّ اُلْفَاعِلَ لاَ بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ فِعْلٌ فَمَا اُلصَّادِرُ مِنْهُ]، لَقَدْ كَانَ اِعْتِرَاضُكُمْ عَلَى هَذَا اُلْقِسْمِ أَنَّ اُلْفَاعِلَ لاَ يُقَالُ فَاعِلٌ إِلاَّ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ أَثَرٌ مَوْجُودٌ. وَإِذِ اُلْعَدَمُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، اِمْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِفَاعِلِ اُلْعَدَمِ، وَهْوَ اُلْمُعْدَمُ.

10) [قُلْنَا اُلصَّادِرُ مِنْهُ … فَهْوَ اُلصَّادِرُ عَنْهُ]، فَإِنَّا نَحُلُّ هَذَا اُلاِعْتِرَاضَ بِأَنْ نَقُولَ لَيْسَ اُلْعَدَمُ الَّذِي نَجْعَلُهُ أَثَرًا لِلإِعْدَامِ، اُلْعَدَمَ اُلأَصْلِيَّ اُلْمُسْتَمِرَّ، كَاُلْعَدَمِ اُلأَزَلِيِّ قَبْلَ حُدُوثِ اُلْعَالَمِ، فَهَذَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى فَاعِلٍ، كَمَا أَنَّ اُلْمَوْجُودَ اُلأَصْلِيَّ اُلْمُسْتَمِرَّ لاَ يَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى فَاعِلٍ. بَلْ كُلُّ فِعْلٍ فَإِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ. فَحَيْثُمَا هُنَاكَ مُتَجَدِّدٌ، فَلاَ بُدَّ مِنْ فَاعِلٍ. وَاُلتَّجَدُّدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عَدَمٍ إِلَى وُجُودٍ، وَإِمَّا مِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ. إِذَنْ فَاُلصَّادِرُ مِنَ اُلْقَادِرِ بِإِعْدَامِهِ اُلْعَالَمَ إِنَّمَا هُوَ مَا قَدْ تَجَدَّدَ بَعْدَ اُلْوُجُودِ، وَهْوَ اُلْعَدَمُ بِعَيْنِهِ، كَمَا كَانَ اُلصَّادِرُ مِنَ اُلْقَادِرِ بِإِحْدَاثِهِ اُلْعَالَمَ مَا تَجَدَّدَ بَعْدَ اُلْعَدَمِ، وَهْوَ اُلْوُجُودُ بِعَيْنِهِ.

11) [فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ صَدَرَ عَنْهُ]، فَإِنْ أَعَدْتُمْ اُلسُّؤَالَ بِعَيْنِهِ، وَهْوَ أَنَّ اُلْعَدَمَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِفَاعِلٍ.

12) [قُلْنَا وَهْوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ وَقَعَ]، قُلْنَا إِنَّ اُلْحِسَّ شَاهِدٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ اُلأَشْيَاءِ مِنْ حَوْلِنَا تَكُونُ مَوْجُودَةً ثُمَّ تَضْمَحِلُّ، أَيْ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ مِنْ كَوْنِهَا شَيْئًا إِلَى كَوْنِهَا لاَشَيْئًا. فَهَذَا اُلاِنْتِقَالُ وَاقِعٌ لاَ يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ. وَحَقِيقَةُ وُقُوعِهِ أَنَّ حَالاً مَا قَدْ وَقَعَتْ بَعْدَ وُقُوعِ حَالٍ أُخْرَى قَبْلَهَا. وَمَا اُلْحَالُ اُلْمُتَجَدِّدَةُ هَذِهِ إِلاَّ اُلْعَدَمُ اُلْحَاصِلُ بَعْدَ اُلْوُجُودِ. إِذَنْ فَاُلْعَدَمُ اُلْمُتَجَدِّدُ فِي هَذِهِ اُلْمَحْسُوسَاتِ اُلْفَاسِدَةِ إِنَّمَا يُوصَفُ أَيْضًا بِاُلْوُقُوعِ، مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

13) [وَلَيْسَ مَعْنَى صُدُورِهِ عَنْهُ إِلاَّ أَنَّ مَا وَقَعَ مُضَافٌ إِلَى قُدْرَتِهِ]، فَإِنْ صَحَّ وُقُوعُ اُلْعَدَمِ، فَقَدْ صَحَّ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْقَادِرِ، لِأَنَّ اُلْقَادِرَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ. وَإِذْ صَحَّ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْقَادِرِ، فَقَدْ صَحَّ اُلْحُكْمُ بِأَنَّ اُلْعَدَمَ هُوَ صَادِرٌ عَنْهُ.

14) [فَإِذَا عُقِلَ وُقُوعُهُ، لِمَ لاَ تُعْقَلُ إِضَافَتُهُ إِلَى اُلْقُدْرَةِ]، إِذْ مَا جَازَ تَصَوُّرُ وُقُوعِهِ جَازَ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى اُلْقُدْرَةِ، وَمَا جَازَ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى اُلْقُدْرَةِ جَازَ تَصَوُّرُ صُدُورِهِ عَنْ اُلْقَادِرِ.

15) [وَمَا اُلْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ يُنْكِرُ … وَكَيْفَ يُوصَفُ بِاُلطَّرَيَانِ وَاُلتَّجَدُّدِ]، إِنَّكُمْ إِنَّمَا أَنْكَرْتُمْ صُدُورَ عَدَمِ اُلْعَالَمِ عَنِ اُلْقَادِرِ، لاَ لِأَنَّكُمْ تَمْنَعُونَ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِ، إِذِ اُلْقَادِرُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ، بَلْ لِأَنَّكُمْ تَمْنَعُونَ أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ شَيْئًا وَاقِعًا، لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ هُوَ لاَشَيْءٌ. لَكِنَّكُمْ إِنْ أَحَلْتُمْ أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ شَيْئًا وَاقِعًا، فَمَا اُلْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ يُنْكِرُ وُقُوعَ اُلْعَدَمِ عَلَى اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ، لِلْعِلَّةِ نَفْسِهَا، وَهْيَ أَنَّ اُلْعَدَمَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَلاَ يَقَعُ وَلاَ يَطْرَأُ.

16) [وَلاَ نَشُكُّ فِي أَنَّ اُلْعَدَمَ يُتَصَوَّرُ … إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ أَيْضًا مَعْقُولٌ]، وَلاَ شَكَّ بِشَهَادَةِ اُلْحِسِّ أَنَّ اُلْعَدَمَ يُتَصَوَّرُ طَرَيَانُهُ عَلَى اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ. لِأَنَّا مَثَلاً قَدْ نَتَصَوَّرُ تَجَدُّدًا مِنْ حَالِ اُلسَّوَادِ إِلَى حَالٍ لاَ يَكُونُ فِيهَا اُلسَّوَادُ حَاضِرًا. فَهَذَا اُلتَّجَدُّدُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُتَجَدِّدٍ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ، وَإِلاَّ لَكَانَ اُلْمُتَصَوَّرُ اِسْتِمْرَارَ حَالٍ، لاَ تَجَدُّدُ حَالٍ. وَإِذْ جَازَ تَصَوُّرُهُ، فَقَدْ صَحَّ وُقُوعُهُ. إِذَنْ فَاُلْعَدَمُ مَوْصُوفٌ بِاُلطَّرَيَانِ، مُتَصَوَّرٌ وُقُوعُهُ. وَلاَ فَرْقَ إِنْ سُمِّيَ شَيْئًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ. وَإِذْ صَحَّ وُقُوعُ اُلْعَدَمِ، فَقَدْ جَازَ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ، وَإِذَا جَازَ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى اُلْقَادِرِ، فَقَدْ صَحَّ إِذَنْ أَنْ يُتَصَوَّرَ صُدُورُ اُلْعَدَمِ عَنِ اُلْقَادِرِ. وَهْوَ اُلْمَطْلُوبُ.

17) [فَإِنْ قِيلَ هَذَا … فَيُقَالُ لَهُ مَا الَّذِي طَرَأَ]، فَإِنْ أَجَابَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ إِنَّ عَدَمَ اُلْعَرَضِ الَّذِي يَلْزَمُهُ مَعْنًى مُتَجَدِّدٌ وَاقِعٌ بَعْدَ وُجُودِهِ إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ اُلْعَدَمَ هُوَ قَلْبُ عَيْنِ اُلْعَرَضِ اُلْمَوْجُودِ عَدَمًا مَحْضًا أَوَّلاً وَبِاُلذَّاتِ.

18) [وَعِنْدَنَا لاَ يَنْعَدِمُ اُلشَّيْءُ اُلْمَوْجُودُ]، أَمَّا عِنْدَنَا فَلَيْسَ اِنْعِدَامُ اُلشَّيْءِ اِنْقِلاَبَ عَيْنِهِ اُلْمَوْجُودَةِ عَدَمًا مَحْضًا بِعَيْنِهِ، فَيَكُونَ هُنَاكَ اِنْتِقَالٌ مِنْ شَيْءٍ وَاقِعٍ إِلَى لاَشَيْءٍ وَاقِعٍ.

19) [وَإِنَّمَا مَعْنَى اِنْعِدَامِ اُلأَعْرَاضِ … اُلْعَدَمِ اُلْمُجَرَّدِ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءٍ]، بَلْ اِنْعِدَامُ اُلْعَرَضِ اُلْمَوْجُودِ إِنَّمَا هُوَ ظُهُورُ ضِدِّهِ، وَهَذَا أَيْضًا مَوْجُودٌ. لاَ أَنَّ اُلْعَرَضَ بَعْدَ وُجُودِهِ هُوَ يَطْرَأُ عَلَيْهِ عَدَمُهُ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءٍ. فَاُلاِنْتِقَالُ لَيْسَ مِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ، بَلْ مِنْ ضِدٍّ إِلَى ضِدٍّ. إِذَ مَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لاَ يُوصَفُ بِشَيْءٍ، فَلاَ يُوصَفُ بِاُلطَّرَيَانِ أَيْضًا.

20) [فَإِذَا اِبْيَضَّ اُلشَّعَرُ … وَلاَ نَقُولُ اُلطَّارِئُ عَدَمُ اُلسَّوَادِ]، مِثَالُ ذَلِكَ إِذَا اِبْيَضَّ اُلشَّعَرُ بَعْدَ سَوَادِهِ، فَلَيْسَ اُلطَّارِئُ هُوَ عَدَمَ اُلسَّوَادِ، بَلِ اُلْبَيَاضُ الَّذِي هُوَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ.

21) [وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ]، فَإِذَا قَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ مَا قَالَتْ أَجَبْنَا بِفَسَادِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ.

22) [أَحَدُهُمَا أَنَّ طَرَيَانَ … عَدَمَ اُلسَّوَادِ أَمْ لاَ]، فَاُلْوَجْهُ اُلأَوَّلُ، إِنَّ اُلْبَيَاضَ اُلطَّارِئَ بَعْدَ سَوَادِ اُلشَّعَرِ هَلْ اِقْتَضَى عَدَمَ اُلسَّوَادِ أَمْ لاَ.

23) [فَإِنْ قَالُوا لاَ، فَقَدْ كَابَرُوا اُلْعُقُولَ]، فَإِنْ قَالُوا لَمْ يَقْتَضِهِ، فَقَدْ دَفَعُوا أَمْرًا بَدِيهِيًّا. لِأَنَّ عَدَمَ اُلسَّوَادِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضًى عَنِ اُلْبَيَاضِ اُلطَّارِئِ، فَاُلْمَوْجُودُ إِذًا مَعَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ إِنَّمَا هُوَ اُلسَّوَادُ، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ اُلضِّدَّيْنِ مُحَالٌ.

24) [وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، فَاُلْمُتَضَمِّنُ غَيْرُ اُلْمُتَضَمَّنِ أَمْ عَيْنُهُ]، وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، وَلاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَعَدَمُ اُلسَّوَادِ اُلْمُقْتَضَى عَيْنُ اُلْبَيَاضِ اُلطَّارِئِ أَمْ غَيْرُهُ.

25) [فَإِنْ قَالُوا هُوَ عَيْنُهُ، كَانَ مُتَنَاقِضًا، إِذِ اُلشَّيْءُ لاَ يَتَضَمَّنُ نَفْسَهُ]، فَإِنْ قَالُوا إِنَّ اُلْمُقْتَضِي عَيْنُ اُلْمُقْتَضَى، كَانَ مُتَنَاقِضًا. لِأَنَّ اُلاِقْتِضَاءَ هُوَ نِسْبَةٌ، وَاُلنِّسْبَةُ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، لاَ بَيْنَ اُلشَّيْءِ وَنَفْسِهِ. فَلَوْ قِيلَ اُلْمُقْتَضِي عَيْنُ اُلْمُقْتَضَى، لَكَانَ كَقَوْلِنَا إِنَّ اُلشَّيْءَ اُلْوَاحِدَ بِعَيْنِهِ هُوَ مَعًا هُوَهُوَ نُفْسُهُ، وَلَيْسَ هُوَهُوَ نَفْسَهُ. وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ.

26) [وَإِنْ قَالُوا غَيْرُهُ، فَذَلِكَ اُلْغَيْرُ مَعْقُولٌ أَمْ لاَ]، وَإِنْ قَالُوا بَلِ اُلْمُقْتَضِي غَيْرُ اُلْمُقْتَضَى، أَعْنِي أَنَّ اُلْبَيَاضَ اُلطَّارِئَ غَيْرُ عَدَمِ اُلسَّوَادِ، فَهَذَا اُلْغَيْرُ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ أَمْ لاَ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ.

27) [فَإِنْ قَالُوا لاَ … اِعْتِرَافٌ بِكَوْنِهِ مَعْقُولاً]، فَإِنْ قَالُوا لَيْسَ بِمُتَصَوَّرٍ، أَجَبْنَاهُمْ فَكَيْفَ حَكَمْتُمْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُقْتَضًى عَنِ اُلْمُقْتَضِي، وَاُلْحُكْمُ عَلَى اُلشَّيْءِ فَرْعٌ لِتَصَوُّرِهِ. فَمَثَلاً أَنَا مَا لَمْ أَتَصَوَّرْ طُولَ زَيْدٍ وَقِصَرَ عَمْرٍو، اِمْتَنَعَ حُكْمِي عَلَى زَيْدٍ بِأَنَّهُ أَطْوَلُ مِنْ عَمْرٍو.

28) [وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ… قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ]، فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ إِنَّ اُلْمُقْتَضَى، وَهْوَ عَدَمُ اُلسَّوَادِ، هُوَ مُتَصَوَّرٌ، إِذْ كُلُّ مُتَصَوَّرٍ فَقَدْ صَحَّ اُلْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي قَضِيَّةٍ مَنْطِقِيَّةٍ تَحْتَمِلُ اُلصِّدْقَ وَاُلْكَذِبَ، فَأَيُّهُمَا اُلصَّادِقُ قَوْلُنَا إِنَّ اُلْمُقْتَضَى اُلْمُتَصَوَّرُ قَدِيمٌ، أَمْ إِنَّ اُلْمُقْتَضَى اُلْمُتَصَوَّرُ هُوَ حَادِثٌ.

29) [فَإِنْ قَالُوا قَدِيمٌ فَهْوَ مُحَالٌ]، فَإِنْ قَالُوا قَدِيمٌ، فَقَوْلُهُمْ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ لاَزِمٌ عَنْ مَوْجُودٍ طَارِئٍ وَهْوَ اُلْبَيَاضُ، فَوَجَبَ أَلاَّ يَكُونَ قَدِيمًا.

30) [وَإِنْ قَالُو حَادِثٌ، فَاُلْمَوْصُوفُ بِاُلْحُدُوثِ كَيْفَ لاَ يَكُونُ مَعْقُولاً]، فَلاَ بُدَّ مِنَ اُلْقَوْلِ إِنَّهُ حَادِثٌ. إِذَنْ فَهَذَا اُلْمُقْتَضَى اُلْمُتَصَوَّرُ هُوَ مَعًا مُتَصَوَّرٌ وَحَادِثٌ.

31) [وَإِنْ قَالُوا لاَ قَدِيمٌ وَلاَ حَادِثٌ فَهْوَ مُحَالٌ]، وَمَا كَانَ قَبْلَ هَذَا أَنْ يُجِيبُوا بِاُلسَّلْبِ بِأَنَّهُ لاَ قَدِيمٌ وَلاَ حَادِثٌ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُوصَفَ وَلَوْ بِوَاحِدٍ مِنْ اُلْمُتَقَابِلَيْنِ. كَقَوْلِكَ إِنَّ اُلصَّوْتَ لاَ أَسْوَدُ وَ لاَ أَبْيَضُ، أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ بِأَنْ يُوصَفَ وَلَوْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلاَ بِلَوْنٍ مِنْ اُلأَلْوَانِ. قَالَ هَذَا مُحَالٌ.

32) [لِأَنَّهُ قَبْلَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ… فَهْوَ طَارِئٌ لاَ مَحَالَةَ]، بَلِ اُلْمُقْتَضَى اُلْمُتَصَوَّرُ، وَهْوَ عَدَمُ اُلسَّوَادِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ كِلاَ اُلْمَحْمُولَيْنِ، وَهُمَا اُلْقَدِيمُ وَاُلْحَادِثُ. وَاُلدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ قَبْلَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ اُلسَّوَادُ مَعْدُومٌ كَانَ كَذِبًا. إذًا فَبَعْدَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ اُلْمُقْتَضِي لِعَدَمِ اُلسَّوَادِ يَصِيرُ قَوْلُنَا اُلسَّوَادُ مَعْدُومٌ صِدْقًا. وَاُلصِّدْقُ اُلْمُتَعَلِّقُ بِعَدَمِ اُلسَّوَادِ مُتَعَلِّقٌ بِعَدَمِ سَوَادٍ كَانَ كَذِبًا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَ مَا كَانَ لِيَثْبُتَ لَهُ وَصْفٌ مِنْهُمَا إِلاَّ وَ قَدْ حَصُلَ مُتَصَوَّرًا قَطْعًا. إِذًا فَهَذَا اُلْعَدَمُ اُلْمُتَصَوَّرُ هُوَ طَارِئٌ لاَمَحَالَةَ.

33) [فَهَذَا اُلطَّارِئُ مَعْقُولٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إِلَى قُدْرَةِ قَادِرٍ]، فَإِذْ صَحَّ أَنَّ عَدَمَ اُلسَّوَادِ هُوَ مَعْنًى طَارِئٌ وَمُتَصَوَّرٌ، إِذَنْ فَقَدْ جَازَ نِسْبَتُهُ إِلَى قُدْرَةِ قَادِرٍ، وَإِذْ جَازَ نِسْبَتُهُ إِلَى قُدْرَةِ قَادِرٍ، فَقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُ صُدُورِهِ عَنِ اُلْقَادِرِ. وَهْوَ اُلْمَطْلُوبُ.

34) [اُلْوَجْهُ اُلثَّانِي، أَنَّ مِنْ اُلأَعْرَاضِ مَا يَنْعَدِمُ عِنْدَهُمْ لاَ بِضِدِّهِ]، وَاُلْوَجْهُ اُلثَّانِي فِي فَسَادِ مَا قَالَتْهُ اُلْفَلاَسِفَةُ أَنَّ مِنْ اُلأَعْرَاضِ مَا لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ مَوْجُودٌ، وَهْيَ عِنْدَهُمْ مُنْعَدِمَةٌ بِنَفْسِهَا وَفَنَاءِ ذَاتِهَا، لاَ بِطُرُوِّ ضِدِّهَا، إِذْ لاَ ضِدَّ لَهَا.

35) [فَإِنَّ اُلْحَرَكَةَ لاَ ضِدَّ لَهَا … أَعْنِي تَقَابُلَ اُلْوُجُودِ وَاُلْعَدَمِ]، مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ اُلْحَرَكَةَ إِذَا كَفَّتْ فَقَدْ اِنْعَدَمَتْ فِي نَفْسِهَا، وَلاَ يُقَالُ إِنَّ عَدَمَهَا هُوَ طُرُوُّ ضِدِّهَا اُلسُّكُونِ، لِأَنَّ اُلسُّكُونَ لاَ يُقَابِلُ اُلْحَرَكَةَ مُقَابَلَةَ مَوْجُودٍ لِمَوْجُودٍ، بَلْ مُقَابَلَةَ عَدَمٍ لِمَوْجُودٍ. هَذَا فِي رَأْيِ اُلْفَلاَسِفَةِ. أَمَّا عِنْدَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ، فَإِنَّ اُلسُّكُونَ هُوَ مَعْنَى كَاُلْحَرَكَةِ، وَضِدٌّ لَهَا. وَاُلاِثْنَانِ مَعًا كَوْنَانِ يُضَافَانِ إِلَى كَوْنَيْنِ آخَرَيْنِ، أَعْنِي اُلاِجْتِمَاعَ وَاُلاِفْتِرَاقَ. وَاُلْمَلَكَةُ وَاُلْعَدَمُ مَعْنَيَانِ لِلْفَلاَسِفَةِ مُتَقَابِلاَنِ بَيَّنَهُمَا أَرُسْطُو فِي كِتَابِ “اُلْمَقُولاَتُ”. فَاُلْمَلَكَةُ هِيَ اُلصِّفَةُ اُلْمَوْجُودَةُ فِي اُلشَّيْءِ الَّذِي إِذَا سُلِبَتْ مِنْهُ عَلَى شُرُوطٍ، وُصِفَ حَالُ اُلسَّلْبِ لِلشَّيْءِ بِاُلْعَدَمِ. فَإِنْ غَابَ شَرْطٌ مِنْهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَدَمُ اُلْمَلَكَةِ، بَلْ تُسْلَبُ مِنْهُ اُلصِّفَةُ فَقَطْ. مِثَالُ ذَلِكَ اُلْبَصَرُ هُوَ مَلَكَةٌ لِلْمُبْصِرِ. لَكِنَّ اُلْحَجَرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ هَذِهِ اُلْمَلَكَةُ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنَ اُلأَوْقَاتِ، لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلصِّفَةَ تُسْلَبُ عَنْهُ فَيُقَالُ لَيْسَ اُلْحَجَرُ بِمُبْصِرٍ، وَلاَ يُثْبَتُ لَهُ اُلْعَدَمُ فَيُقَالُ إِنَّ اُلْحَجَرَ أَعْمَى. كَذَلِكَ اُلْكَلْبُ حِينَمَا يَكُونُ جِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِرْوًا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مُبْصِرًا، لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلصِّفَةَ فِي ذَلِكَ اُلْوَقْتِ تُسْلَبُ عَنْهُ، وَلاَ يُقَالُ اُلْجِرْوُ أَعْمَى أَلْبَتَّةَ.

36) [وَمَعْنَى اُلسُّكُونِ عَدَمُ اُلْحَرَكَةِ]، أَيْ أَنَّ اُلسُّكُونَ لَيْسَ هُوَ مَوْجُودًا حَتَّى إِذَا بَطَلَتِ اُلْحَرَكَةُ كَانَ عَدَمُ اُلْحَرَكَةِ إِنَّمَا هُوَ طُرُوُّ هَذَا اُلْمَوْجُودِ بِعَيْنِهِ بَدَلاً عَنْهَا.

37) [فَإِذَا عَدِمَتِ اُلْحَرَكَةُ لَمْ يَطْرَأْ سُكُونٌ هُوَ ضِدُّهُ، بَلْ هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ]، أَيْ أَنَّ اُلسُّكُونَ اُلطَّارِئَ إِذَا اِنْعَدَمَتِ اُلْحَرَكَةُ لَيْسَ هُوَ مَوْجُودًا هُوَ ضِدٌّ لِلْحَرَكَةِ. بَلِ اُلسُّكُونُ اُلطَّارِئُ إِنَّمَا هُوَ اِضْمِحْلاَلٌ لِلْحَرَكَةِ فِي نَفْسِهَا، وَفَنَاءُ عَيْنِهَا فَنَاءً مَحْضًا.

38) [وَكَذَلِكَ اُلصِّفَاتُ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ اُلاِسْتِكْمَالِ]، وَهَذَا عِنْدَكُمْ وَاجِبُ اُلإِثْبَاتِ أَيْضًا، أَعْنِي أَنْ يَكُونَ فَنَاءُ اُلشَّيْءِ لَيْسَ بِطُرُوِّ ضِدِّهِ، بَلْ بِانْعِدَامِهِ فِي نَفْسِهِ، لَيْسَ فَقَطْ فِي اُلْمَعَانِي اُلْمُتَقَابِلَةِ تَقَابُلَ اُلْعَدَمِ وَاُلْمَلَكَةِ، بَلْ فِي اُلصِّفَاتِ اُلَّتِي تَكُونُ كَمَالاً لِلشَّيْءِ. وَاُلْكَمَالُ هُوَ نِهَايَةُ اُلشَّيْءِ، وَاُلنِّهَايَةُ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ وُجِدَتْ وُجِدَتْ دُفْعَةً، وَإِنْ بَطَلَتْ بَطَلَتْ دُفْعَةً.

39) [كَاِنْطِبَاعِ … مِنْ اُلْعَيْنِ]، كَالَّذِي تُثْبِتُونَهُ فِي اُلإِبْصَارِ، إِذْ عِنْدَكُمْ هُوَ اِنْطِبَاعٌ وَاحِدٌ لِصُوَرِ اُلْمَحْسُوسَاتِ فِي اُلرُّطُوبَةِ اُلْجَلِيدِيَّةِ مِنَ اُلْعَيْنِ. وَاُلرُّطُوبَةُ اَلْجَلِيدِيَّةُ لِلْعَيْنِ هِيَ اُلْمُسَمَّاةُ اُلْيَوْمَ بِاُلْجِسْمِ اُلزُّجَاجِيِّ اُلَّذِي هُوَ تَحْتَ اُلْعَدَسَةِ، وَفَوْقَ اُلشَّبَكِيَّةِ.

40) [بَلِ اِنْطِبَاعُ صُوَرُ اُلْمَعْقُولاَتِ فِي اُلنَّفْسِ]، أَوْ كَاُلَّذِي تُثْبِتُونَهُ فِي تَصَوُّرِ اُلْمَعْقُولاَتِ، إِذْ عِنْدَكُمْ إِنَّمَا هُوَ حُلُولٌ وَاحِدٌ لِلصُّورَةِ اُلْعَقْلِيَّةِ فِي اُلْقُوَّةِ اُلنَّاطِقَةِ.

41) [فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى اِسْتِفْتَاحِ وُجُودٍ مِنْ غَيْرِ زَوَالِ ضِدِّهِ]، إِذْ أَنَّ اِنْطِبَاعَ اُلصُّورَةِ اُلْمَحْسُوسَةِ، أَوْ اِنْطِبَاعَ اُلصُّورَةِ اُلْمَعْقُولَةِ، إِنَّمَا هُوَ اِسْتِفْتَاحٌ مَحْضٌ لِوُجُودٍ، وَلَيْسَ هُوَ طُرُوًّا لِشَيْءٍ عَلَى ضِدِّهِ اُلزَّائِلِ.

42) [وَإِذَا عَدِمَتْ … مِنْ غَيْرِ اِسْتِعْقَابِ ضِدِّهِ]، وَكَذَلِكَ عَدَمُهُمَا فَلَيْسَ بِطُرُوِّ ضِدِّهِمَا عَلَيْهِمَا. بَلْ هُوَ اِضْمِحْلاَلٌ لِكِلَيْهِمَا فِي نَفْسِهِ، وَفَنَاؤُهُ فَنَاءً مَحْضًا.

43) [فَزَوَالُهَا عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمٍ مَحْضٍ قَدْ طَرَأَ]، فَزَوَالُ اُلصُّورَةِ اُلْمُنْطَبِعَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي نَفْسِهِ عَدَمُ تِلْكَ اُلصُّورَةِ عَدَمًا مَحْضًا طَارِئًا.

44) [فَعُقِلَ وُقُوعُ اُلْعَدَمِ اُلطَّارِئِ]، فَجَازَ إِذَنْ، عِنْدَكُمْ، تَصَوُّرُ اُلْعَدَمِ اُلطَّارِئِ، وَإِذَا جَازَ تَصَوُّرُهُ جَازَ تَصَوُّرُ وُقُوعِهِ.

45) [وَمَا عُقِلَ وُقُوعُهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا عُقِلَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ]، وَمَا جَازَ تَصَوُّرُ وُقُوعِهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ جَازَ تَصَوُّرُ إِلْحَاقِهِ بِقُدْرَةِ اُلْقَادِرِ. وَمَا صَحَّ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ، فَقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُ صُدُورِهِ عَنْهُ لاَ مَحَالَةَ.

46) [فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ …أَنْ يَكُونَ اُلْوَاقِعُ عَدَمًا أَوْ وُجُودًا]، يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ اُلْمُحَاجَّجَةِ أَنَّهُ إِذَا تُصُوِّرَ وُقُوعُ حَادِثٍ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ، أَيْ أَنَّ اُلْحَادِثَ كَانَ أَثَرًا لِفَاعِلٍ مُخْتَارٍ، فَحَاجَةُ ذَلِكَ اُلْحَادِثِ لِلْفَاعِلِ اُلْقَدِيمِ اُلْمُخْتَارِ إِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِ تَجُدُّدِهِ. وَهَذَا اُلتَّجَدُّدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عَدَمٍ إِلَى وُجُودٍ، وَهْوَ اُلْحُدُوثُ، فَاُفْتَقَرَ هَذَا اُلْحُدُوثُ إِلَى فَاعِلِهِ، وَهْوَ اُلْقَادِرُ اُلْمُخْتَارُ، وَإِمَّا مِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ، وَهْوَ اُلاِنْعِدَامُ، فَاُفْتَقَرَ هَذَا اُلاِنْعِدَامُ اُلْوَاقِعُ إِلَى فَاعِلِهِ، وَهْوَ اُلْقَادِرُ اُلْمُخْتَارُ.

   وَلِتَعْلَمْ أَنَّ تَقْرِيرَ اُلْقَوْلِ بِأَنَّ اِنْعِدَامَ اُلْعَالَمِ إِنَّمَا هُوَ حَالٌ مُتَجَدِّدَةٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ، وَلَيْسَ يَكُونُ عَدَمُهُ بِطَرِيقٍ مِنَ اُلطُّرُقِ اُلأَرْبَعَةِ اُلْمَذْكُورَةِ، إِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ اُلْقَاضِي أَبِي بَكْرِ اُلْبَاقَلاَنِيِّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 403 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ.

ــــــ

   تَمَّ شَرْحُ اُلْمَسْأَلَةِ اُلثَّانِيَةِ، وَسَيَأْتِي بِإِذْنِهِ تَعَالَى شَرْحُ اُلْمَسْأَلَةِ اُلثَّالِثَةِ اُلَّتِي هِيَ فِي تَلْبِيسِ اُلْفَلاَسِفَةِ بِقَوْلِهِمْ إِنَّ اُللهَ فَاعِلُ اُلْعَالَمِ.