وليد الأسطل
أمام طاولة المكتب، سكونٌ يكاد يكون جزءاً من الأثاث،
لكن الخيال في جهة أخرى من الزمن،
جهة لا تصل إليها الأرقام ولا النداءات ولا عقارب الساعات.
الفراغ نافذة، والنافذة طريقٌ يتبدّل،
ومن فتحة لا تُرى، تتسرّب أشياء لا تُمسك:
خيولٌ من هواءٍ مشدود العضلات،
تعدو بلا أرض،
تقفز فوق امتدادٍ بلا خرائط،
وتترك خلفها أثر رغبةٍ خفيفة
في أن يكون العالم أقلّ صلابة.
اتساعٌ أخضر بلا اسم،
مساحات تبتلع الصدى وتعيده موسيقى،
مياه لا تُرى لكنها تُسمع،
كأن الأرض تتذكّر نفسها وهي تتنفس وحدها.
ثمّ صوتٌ حادٌّ صغير،
شرخٌ في زجاجٍ شفاف،
تنبيهٌ عابر،
إشارة نظام،
أو الحقيقة حين تلمس الحلم بلا استئذان.
الجموح يتوقف في منتصف العدو،
كأن يدا خفية أغلقت عليه الهواء،
المسافة ترتبك،
ويسقط شيء في الداخل من ارتفاعٍ بلا قياس.
براري تتشقق،
وحدود تُرسم من جديد داخل الداخل،
سياج غير مرئي يعيد ترتيب الأشياء حوله.
وفي جيب الذاكرة،
رسمٌ هشّ:
طائرٌ أبيض لم يكتمل،
أو فكرة تتعلّم شكل الطائر.
الرسم يرتجف،
كأنه يشعر بأن العيون انتبهت له،
ثم ينسلّ من حبره،
يصبح أثراً خفيفاً،
ويركض بين الفراغات:
بين ما يُكتب وما لا يُقال،
هارباً من أن يُسمّى.
من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”.



