الكذب والسّرقة من تعميم الوعظ الأخلاقيّ وتبسيطه إلى تفصيل التفكير ألعلاماتيّ وتعقيداته
محمّد خريّف*
الوعظ الأخلاقيّ نشاط علاماتيّ ينشأ بحجّة التّوَهّم البدائيّ من رحم الفلسفة المثاليّة يُجسّده الكلام الفوقي، لا بِاعْتباره نتاج جهاز تصويت علاماتيّ إنسانيّ كما يذهب إليه علماء الصّوتيات واللسانيات فالسّيميائيّات ،وإنّما باعْتباره هِبة ربّانية تغدو بمفعول تأثير الآية ترث عن القصيدة قيم العرض فتكون لسان حال “واعظ أكبر” هو “الله” يُوحي لأصفيائه من البشر الأنبياء والرّسل بقدرته على تعليمه آدم الأسماء كلها فيبلغون رسالته من السماء إلى الأرض ،وما سبيل تبليغ الرسالة إلاّ كلام الفرقان المُبين ولا بيان إلاّ بالاتّكاء الافتراضيّ على صرامة إسناد نحويّ مُفيد- مستلهم من صرامة عُمْدة بثّ الوَحي وتلقّيه في منظور فقه الكلام المفيد وعمدة إسناده النّحويّ من عُمدة اللغة لا اللّغو – وما إسْناد اللغة إلاّ إسْناد صِدْق مُستلهم بدوْره من صدق الإيمان القسْريّ في زيّه الاختياريّ وهيكله معادلة إيقاع تربية تلقين الوزن والقافية فالجناس في الشعر والسجع في النثر بمايقتضيه منطق حكمة الترغيب والترهيب المُتمَاهِيَة بدورها مع رغبة النفس الحائرة الخائفة من المصير أمام واقع الموت وحكمة الوجود الروحي من حكمة منطق الفلسفة المثاليّة التي تتّخذ من الوعظ الأخلاقيّ سبيل إقْناع واِقتناع بدَوام الآخرة وزَوَال العاجلة بالحق وصدق اليقين ،وما صدقُ اليقين المنشود سوى يقين الرّسالة السّماويّة الافتراضيّة موروثة أخبارها متداولة بين الناس في غير وفاء بسبب هشاشة مادة الرسالة المتناغمة مع هشاشة إيقاع رواية أخبار الأحداث والأحاديث وما تتعرض له من انحراف وتحريف ناتج عما تتركه فيها آثار روايات المُعتقدات سواء أكانت من خوارق الأساطير أو من الخرافات والعجائب وقد أضحت بفتوى الإعجاز حقائق سواء أكانت قيما اجتماعية أو وثنية أو حتى دينية سماوية مجرّدة بالتسمية،تنهل في الغالب من منسوخ ما قبْلها وممسوخه من الأفكار التي تصير عقائد تدور في فلك تبسيط مفاهيم الوجود وما قبل الوجود وبعده و هي من مفاهيم معتقدات الأديان التي وان كانت تدّعي الاِختلاف بمعنى “الفرقان” عن تلك المعتقدات السابقة لها في فهم مبادئ العدْل وإمكانات تطبيقها ،ومن العدل عند أصحاب تلك المبادئ : الاِتّصاف بالصّدق وأداء الأمانة دون الكذب والسّرقة، و مبادئ العدل ظلت حُلما بمشروع روحيّ شموليّ كما ظلت هاجسا عالقا بنفوس القائلين على امْتداد القرون بالفكر التنويري منذ أفلاطون و أرسطو إلى كانط و الكانْطيين الجُدد وهم من مُريدي الصّدق ودعاته من أجل بناء المدينة الفاضلة ولا مدينة أفضل من الأخرى في منطق التفكير السيمائيّ المعقّد، وإن أفنى المؤمنون بجدوى الوعظ الأخلاقي أعمارهم في جدل النهي والأمر وما يقتضيه من تعريفات الحقيقة والأمانة من كذب وخيانة أمانة فسرقة بعنوان الوفاء لمقولة إعطاء قيصر ما لقيصر عملا بما توصي به بنود منظومة تهذيب الأخلاق وسندها في ذلك الحِجاج بالصدق المحمود دون الكذب المنبوذ وقد يسطع نجم التشيّع للصدق وأداء الأمانة بفضل مايعرف بسطوة الوازع الأخلاقيّ فيهيمن الاِهتمام بالصدق دون الكذب على معارف البناء دون تفكيك البناء ويغلب على اهتمامات الفلاسفة والمفكرين التنويريين المنخرطين في ثقافة المماثلة لا المفارقة بما يدعو الى ترك أمر الكذب والسرقة إلى غيرهم من المهمشين المتمرّدين المبشرين بخطاب الفلسفة السلبانيّة التفكيكيّة و ومنه خطاب الأدب السّلبانيّ المختلف، وهو خطاب التمرّد العلاماتيّ تتّقد ناره لتخمدَ وقتيا فيصّاعد دُخانها من رماد الحطام السيمائيّ المختلف منذ ظهور بشائر الرّواية السّلبانيّة الوجوديّ مع دون قيشوط وصاد و سارتر وكونستون وبلانشو وغيرهم من علماء السّيمياء أمثال امبرتو أيكو ورولان بارط وغيرهما من فلاسفة البحث في الحقيقة والكذب بالمختلف أمثال دريدا وغيره من فلاسفة الكذب عامة والكذب السياسي خاصة .فكانت كتابات كواري وحنة أرندت ونيتشه ساعية إلى التخلص من تأثير الوعظ الأخلاقي الذي صار قابلا بدوره التفكيك، ولدرّيدا في كتابه ” تاريخ الكذب”*و لعله مستلهم من عنوان كتاب نيتشه “تاريخ الخطأ” ما يدعم هذا التوجه الذي يجعل التركيز على مسالة الكذب في غير مفهومه الأخلاقيّ التعميميّ التنكيليّ من مشمولات فلسفة التفكير السّيميائيّ التفصيليّ الحديث وفلسفته قائمة أساسا على اِعْتبار التسمية “أمّ باب” الكذب والسّرقة وهي غاية الكذب ، وما الاسم إلا سارق بتدبير باثه ومتقبله يمحو طبيعة الذات وهي مادة بيولوجية خام- قبل أن تمحي وتمسخ بعلامة الاسم -وما علامة الاسم الذي يفتتح به في كل تلفظ وعظيّ منجز إلا علامة كاذبة خادعة سارقة في خطاب السيميائيّة الحديث، إذ تسرق العلامة الكائن الطبيعي من ذاته الطبيعيّة لتُحوّله إلى ذات مفهوميّة أي ذات فكرة لا ذات واقع أي من كائن فيزيائي متحوّل بالتسمية إلى كائن معنويّ أي إلى عبد مُضاف إلى خالق أو صانع معنويّ مفهوميّ : فيصير “عبدَ الله” قرينة معادلة جبريّ يختزل معها الكيان الطبيعي المعقد للإنسان ويبسّط للسمو به من كائن إلى كائن مختلف كما تذهب السيميائيّة الحديثة بفضل ما لجهاز التصويت عند الإنسان من قدرة على صناعة المعنى بالتمفْصُل ووجاهة فُوَيْرقات مخارج الحُروف ومن الاختلاف يكون المعنى كمايقول يوري لوتمان وغيره من علماء اللسان الحديث بما يتعارض مع مبادئ المعرفة التي تنهل من روح الوعظ الأخلاقي وهي من المعارف القائمة السائدة التي يخشى عليها من علوم الانحراف وتغيير الوجهة مثل السيميا وغيرها من علوم السحر والطلسمات كما يخشى عليها من تحديات السيميائيّة التفكيكيةلا الحديثة لذلك يكون السؤال عن دور الوعظ الأخلاقي في مواجهة فوبيا هدم هياكل علم الشريعة ومايسنده من علوم مساعدة بعلوم أخرى دخيلة أو هجينة قد تشوّش على منظومة الوعظ الأخلاقي المهيمنة والمتسببة في تأخر بعض العلوم أو انعدامها كعلوم التشريح و السيميائيّة في مفهومها الحديث وغيرها من علوم الفلسفة المناوئة للوعظ الأخلاقي وهل الوعظ الأخلاقي باعتباره منظومة علاماتيّة يمكن تفكيكه بالمختلف؟
هوامش
Benjamin Constant- Emmanuel Kant : Le droit de mentir, éditions mille et nuits, département de la librairie Arthème Fayard ,aout2003
Jacques Derrida :Histoire du mensonge Prolégomènes, éditions de L’Herne Paris 2005
*ناقد من تونس





