المجلة الثقافية الجزائرية

الإنسانية قبل البروتوكول: دروس من جامعة ميريلاند

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك

 نادراً ما تقع حادثة عادية ضمن أحداث اليوم، فتتجاوز سياقها اليومي لتتحول إلى علامةٍ أخلاقية فارقة، لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها بوصفها حدثا هامشيا.. قرار جمعية الحكومة الطلابية في جامعة ميريلاند الأمريكية الصادر الأسبوع الماضي، كان واحداً من تلك اللحظات النادرة، التي يتوقف عندها الزمن، لا لأن الحدث جلل وكبير في ظاهره، بل لأن ما انطوى عليه من سؤالٍ أخلاقي وإنساني، أعاد طرح العلاقة بين الجامعة وقيمها ومبادئها المعلنة، وذكّر في اللحظة ذاتها، بأن صدق المؤسسات والمعاهد العلمية، لا يُقاس بالشعارات، بل يُمتحن حين تُوضَع القيم والمثل في مواجهة المصالح والبروتوكولات.

لم يكن القرار فعلاً طلابياً تقليدياً أو حدثاً عابراً، من أحداث النشاط الطلابى الذى يألفه الحرم الجامعى في جامعة ميريلاند كل يوم، بل جاء أقرب إلى لحظة مكاشفة داخلية، أراد فيها الطلاب أن يختبروا اتساق مؤسستهم مع القيم التى تعلنها، كشفت عن تلك الطبقة العميقة من الوعى التى تُولد عادةً فى الجامعات الكبرى، حين تشعر النخبة الطلابية بأن ثمة واجباً أخلاقياً وإنسانيا يتجاوز حدود قاعات الدرس ومعامل البحث العلمي.

القرار كان دعوة صريحة تطالب ادارة الجامعة بإنهاء برامجها التعليمية فى دولة الإمارات العربية المتحدة، استناداً إلى ما نشرته جهات دولية معتبرة، من تقارير تشير إلى دعم إماراتى متصل لميليشيات الدعم السريع الارهابية المتمردة التي ارتكبت إبادة جماعية وتطهيرا عرقيا في السودان، وما نتج عن ذلك من انتهاكات وفظائع لا تزال تُلقي بظلالها الثقيلة على الجسد السوداني والمجتمع بأسره.

وبرغم أن البرنامج الأكاديمي الوحيد المرتبط بالإمارات يقتصر على مساق محدود في مجال الأعمال والإدارة، يُقدَّم في أبوظبي تحت عنوان: «التسويق والتصميم والابتكار فى الشرق الأوسط». برنامج محدود فى حجمه، لكنه جاء فى لحظة تاريخية، جعلت من تفاصيله الصغيرة جزءاً من سؤال أكبر: إلى أى مدى ينبغى لمؤسسة أكاديمية مرموقة، أن تظل مرتبطة بدولة تُوجَّه إليها اتهامات موثقة بدعم طرف متورط فى واحدة من أكثر الحروب مأساوية وبشاعة فى تاريخ السودان الحديث، فالقرار الطلابي انطلق من وعي عميق بأن العلاقات الأكاديمية، مهما بدت محايدة أو تقنية، مشدودة دائماً إلى سياقها السياسي والأخلاقي، وان الجامعات الكبرى لا تُقاس بما تمنحه من شهادات ودرجات علمية وحسب، بل بما تحرص على ألا تتورط فيه من صمت، أو قبول ضمني بواقع ينطوي على ظلمٍ فادح.

القرار استند أيضاً إلى شهادات طلاب سودانيين، وهي شهادات لم تأتِ على هيئة خطاب عاطفي، بل كوقائع إنسانية مباشرة: قتل للأبرياء، عائلات تمزقت، أقارب فُقدوا، مدن أُفرغت من سكانها، ودولة تُنتهك سيادتها تحت وطأة الحرب . هذه الشهادات لم تُستخدم كأداة استدرار تعاطف، بل بوصفها تذكيراً بأن ما يُناقَش في أروقة الجامعة ليس مسألة نظرية، بل مأساة واقعة وحادثة، لها وجوه وأسماء وتواريخ.

 رئيسة رابطة الطلاب السودانيين في جامعة ميريلاند، رأت في القرار خطوة مهمة على طريق إدخال المسألة السودانية إلى مجال الرؤية داخل الولايات المتحدة، وربطها بمسؤولية الفاعلين الدوليين عن استمرار الحرب. فبالنسبة لهؤلاء الطلاب، لا تنتهي المأساة عند حدود الجغرافيا، ولا يمكن فصل حياتهم الأكاديمية اليومية عن ما يحدث لأسرهم في الداخل السوداني، ومن هذا المنظور، يصبح موقف جامعة بحجم ميريلاند رسالة ذات دلالة، حتى لو لم تترجم فوراً إلى سياسة تنفيذية.

نائبة رئيس الجمعية التنفيذية أكدت أن أهمية القرار لا تكمن في أثره الإجرائي المباشر، إذ إنه لا يلزم إدارة الجامعة قانونياً، بل في كونه يسلط الضوء على سؤال طال تجاهله: كيف ينبغي للمؤسسات التعليمية أن تتصرف حين تُواجَه باتهامات موثقة تطال شركاءها الدوليين؟ فالمؤسسات، شأنها شأن الأفراد، لا تُختبر حقيقتها في أوقات السهولة، بل في اللحظات التي تتقاطع فيها القيم مع المصالح.

ومع هذا، كان بيان الجامعة لصحيفة «ذا دايمندباك» واضحاً: قرارات جمعية الحكومة الطلابية تعكس رأي طلابها، ولا تلزم الإدارة بأي تغيير في سياساتها أو علاقاتها الأكاديمية. ومن ثم، فإنه لا يزال الحديث عن قطع العلاقات الأكاديمية بين جامعة ميريلاند والإمارات سابقاً لأوانه، إذ لا يستند حتى الآن إلى معطيات واقعية واضحة.

غير أن ما يستحق التوقف عنده ليس حدود قرار رابطة طلاب جامعة ميريلاند الأميركية بقدر ما هو دلالته الأخلاقية العميقة، فالجامعات الأمريكية الكبرى، منذ عقود، تمثل منارات للضمير الأخلاقي العام، لا تفسدها الحسابات الصغيرة، ولا تُخيفها السلطة السياسية أو الاقتصادية. وبهذا المعنى، فإن القرار الطلابي يمثل دلالة على وعى متقدم لدى نخبة من الطلاب يدركون ثقل المأساة وواجب الكلمة، حتى لو لم يحرّك سياسة الجامعة فوراً، ويكشف عن وجود ضمير طلابي يقظ، يشعر بأن العالم لا يُدار بالميزانيات والاتفاقيات فقط، بل بمنظومة قيم يجب مراعاتها، ولا يمكن تجاهلها دون أن يدفع الجميع ثمناً أفدح بكثير.

مهما يكن الامر، إذا اختارت إدارة الجامعة فى أى وقت مراجعة علاقاتها استجابةً لهذه المخاوف، فلن يكون ذلك مجرد انتصار للطلاب، بل سيكون في تقديري، لحظة تستعيد فيها الجامعة دورها الأخلاقى والريادي، وعمل يقدّم الإنسانية قبل السياسة، ويُعيد المؤسسة إلى موقعها الطبيعي كمنارة للقيم والمسؤولية، وحينها فقط يمكن القول إن الجامعة وضعت قيمة الإنسان فوق اعتبارات البرتوكول، وقدمت للعالم درسًا نادرًا: أن المعرفة بلا ضمير لا معنى لها، وأن المؤسسات والجامعات الكبرى، مهما كبرت، تظل مسؤولة أمام الإنسانية قبل أي اعتبار آخر.