المجلة الثقافية الجزائرية

الشعر عصي على الموت

 جودت هوشيار

في الثامن من كانون الثاني الماضي دهست سيارة مسرعة في أحد شوارع موسكو الشاعر والكاتب الروسي ” ليف روبنشتاين”( ولد عام 1947) . أصيب بكسور جسيمة في رأسه وجسده، ونقل إلى المستشفى وهو في حالة غيبوبة تامة. أجريت له أكثر من عملية جراحية ولكنه توفي متأثراً بإصابته البليغة. روبنشتاين شاعر معروف، وهو أحد المؤسسين الثلاثة لما يعرف بتيار المدرسة التصويرية في الأدب الروسي المعاصر. تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية والألمانية والفنلندية والفرنسية والسويدية والبولندية ولغات أخرى. 

عُرِفَ روبنشتاين بما يسمى “أشعار بطاقات التدوين”، حيث كان يُدَوَّن كل مقطع شعري على بطاقة منفصلة. وقد استلهم ذلك من أدلة البطاقات التي رآها حين كان يعمل بصفة أمين مكتبة. ومع ظهور الكمبيوتر، والإنترنت، والشبكات الاجتماعية، توقف روبنشتاين منذ عام 2010 عن كتابة أشعار البطاقات” التي أصبحت – على حد تعبيره – عنصرا أرشيفياً. والكتابة على البطاقات اليوم كالكتابة على الألواح الطينية في الماضي.

شعر روبنشتاين متوسط القيمة الفنية، وأنا يروقني مقالاته أكثر من شعره. ولكن المفاجأة كانت حين تدفق الآلاف من المثقفين الروس على المركز الثقافي الذي سجي فيه جثمان الفقيد لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، وكان رأسه لا يزال ملفوفا بالضمادات الطبية. وظهرت عشرات، بل مئآت الأخبار والتقارير والمقالات عن الشاعر الراحل في وسائل الإعلام الروسية والأجنبية. قلت في نفسي: إن الشعر عصي على الموت. والناس في كل مكان يقرؤون الشعر ويتذوقونه ويتابعون اخبار الشعر والشعراء. تبقى كلمة أخيرة وهي أن وسائل الإعلام الغربية التي تصنع من الحبة قبة بادرت إلى تعظيم دور ليف روبنشتاين في الأدب الروسي، والإشادة بإنجازاته الإبداعية، وذلك لأن روبنشتاين كان معارضاً سياسيا في كل العهود، منذ زمن الاتحاد السوفيتي وحتى وفاته. والإعلام الغربي لا يفوّت مناسبة دون أن يستغلها في الحرب الثقافية الساخنة اليوم بين الغرب وروسيا.