د/ محمود حسن محمد
الحضارة لا تبدأ حين تبنى الأمة المدن ، بل تبدأ حين يتغير الإنسان نفسه ، هذه النقطة الاولى فى الطريق العام لكل حضارة ناجحة ، فقبل أن يظهر الحجر المصقول ، يظهر العقل المصقول ، وقبل أن تُرسم الطرق فى الأرض ، تُرسم الطرق فى الوعى ….
الإنسان حين يكتشف أن وجوده ليس عبورا عابرا ، بل مسؤولية ومعنى ، يتحول من كائن يعيش يومه إلى كائن يصنع مستقبله ، فى هذه اللحظة تحديدا تولد الحضارة . ويبدأ التخطيط الحضارى يأخذ مجراه الحقيقى .
بعد ذلك ، تدخل الأمة مرحلة تحويل المعنى إلى فعل ، الفكرة وحدها لا تبنى حضارة ، لكنها تمنح الاتجاه ، يبدأ الإنسان فى العمل ، لا لأنه مضطر ، بل لأنه مقتنع ، يتحول العمل من وسيلة للبقاء إلى وسيلة للبناء.
وهنا يحدث التحول الأكبر ، لأن الحضارة لا تقوم على كثرة الجهد ، بل على وضوح الهدف ، الجهد بلا هدف يستهلك نفسه ، أما الجهد المرتبط برؤية ، فإنه يتراكم حتى يصنع واقعا جديدا .
ومع استمرار هذا التراكم يتشكل النظام ، فلم تكن الفوضى يوما صانعة لحضارة ، لأن الحضارة فى جوهرها انتصار للنظام على العشوائية ، النظام لا يعنى القيود ، بل يعنى أن كل طاقة تجد مكانها الصحيح ، وكل جهد يتحرك فى اتجاه يخدم الكل ….
فى هذه المرحلة تتحول الامة من مجموعة أفراد يعيشون معا إلى كيان واحد يفكر ، ويتحرك كقوة واحدة .
ثم تأتى اللحظة الفاصلة ، حين لا تكتفى الحضارة باستخدام المعرفة ، بل تبدأ فى إنتاجها ، هنا تنتقل من مرحلة التكوين إلى مرحلة التأثير، المعرفة تمنح الحضارة القدرة على الاستمرار ، لانها تجعلها قادرة على فهم العالم ، وعلى إعادة تشكيله.
الحضارة التى تنتج المعرفة لا تخاف المستقبل ، لأنها تمتلك القدرة على صناعته ، أما الحضارة التى تستهلك المعرفة فقط ، فإنها تعيش دائما فى ظل غيرها ، مهما بدا عليها من مظاهر القوة.
لكن أخطر اختبار فى الطريق كله يأتى بعد النجاح ، حين تعتاد الأمة على قوتها ، ويصبح الإنجاز أمرا مألوفا ، يبدا الخطر الحقيقى لأن الحضارة لا تسقط عادة فى لحظة ضعف ، بل تسقط فى لحظة غفلة ….
حين يتوقف الإنسان عن طرح الأسئلة ، وعن مراجعة نفسه ، وعن السعى لما هو أبعد ، تبدأ الحركة فى التباطؤ ، ويبدأ التراجع دون أن يشعر أحد فى البداية.
الطريق العام لكل حضارة ناجحة لم يكن يوما طريقا ماديا فقط ،بل كان داخليا قبل كل شيئ ، فقد كانت الحضارة دائما انعكاسا لحالة الإنسان من الداخل، حين يكون الإنسان حيا بالمعنى ، يقظا فى الفكر، مستعدا للعمل ، تتحرك الحضارة معه …
وحين يفقد هذا الاستعداد ، تتوقف الحركة ، حتى لو بقيت المظاهر لبعض الوقت .
لهذا لم يكن سر الحضارات فى ما امتلكته ، بل فى ما كانت عليه ، لم يكن السر فى مواردها ، بل فى إنسانها ، لأن الحضارة فى النهاية ليست ما تبنيه الأيدى ، بل ما تبنيه الإرادة ، وحين توجد الإرادة الواعية ، يبدأ الطريق ، ويتحول المستحيل تدريجيا إلى واقع .





