المجلة الثقافية الجزائرية

المؤرخ السعودي غيثان بن جريس: قراءة في مسيرته الفكرية من خلال رسائل معاصريه

أ.د.رضوان بن الرتمي شافو

 

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه اجمعين، أما بعد،

    من جميل الصدف وأنا أتجول في مواقع التواصل الاجتماعي باحثًا عن بعض المؤرخين العرب في منطقة الخليج العربي، ممن أثروا المكتبة التاريخية بمؤلفات تناولت تاريخ مدنهم، ولا سيما المدن الواقعة في جنوب بلدانهم، بحكم أنني مهتم بتاريخ الجنوب الجزائري، وأبحث عن مقارنات ومقاربات مع مدن جنوبية عربية، استوقفني كتاب «القول المكتوب في تاريخ الجنوب من قبل الإسلام– ق15هـ/ق21م» للمؤرخ السعودي غيثان بن علي بن جريس، وقد وجدته موسوعة تاريخية وحضارية متكاملة، جاءت في ثلاثة وثلاثون مجلدًا، وهو ثمرة لخمسة وعشرين عاما من البحث والتوثيق، تناول فيها تاريخ مدن الجنوب السعودي، مثل تهامة وعسير وجازان ونجران والقنفدة وخميس مشيط،..وما جاورها من مناطق جنوبية، حيث استعرض فيها المؤلف تاريخ المنطقة السعودية الجنوبية منذ عصور ما قبل الإسلام، ممتدًا في سرده إلى أواخر الفترة المعاصرة الحالية، موثقًا مختلف المراحل التاريخية والسياسية والاجتماعية، كما أفرد مساحة واسعة للحديث عن قبائل الجنوب، موثقًا أنسابها، وعاداتها وتقاليدها، وفنونها الشعبية، وطقوسها الاجتماعية، وموروثها الثقافي، فضلًا عن مختلف مظاهر المعرفة التي تميزت بها هاته المناطق، وبفضل هذا الجهد العلمي الموسوعي، استحق المؤلف أن يُلقَّب بين المؤرخين السعوديين بـ «مؤرخ الجنوب «، وعند المقارنة بالجزائر، أجد أن الشخصية العلمية التي تقارب هذا النموذج من حيث المثابرة، والصبر على البحث، وغزارة الإنتاج التاريخي، هو المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله – رحمه الله – الذي استحق عن جدارة لقب «شيخ المؤرخين الجزائريين»، لما قدمه من إسهامات رائدة في كتابة التاريخ الوطني وإثراء المكتبة التاريخية الجزائرية.

    وانطلاقًا من هذا الاهتمام، بدأت أبحث عن وسيلة للتواصل معه، حتى عثرت على حسابه في تطبيق تويتر (Twitter)، المعروفة حاليًا بمنصة (X) ،فبادرت إلى مراسلته يوم الجمعة 5 ذو الحجة 1444هـ، الموافق لـ 23 جوان2023م، برسالة عرّفت فيها بنفسي أولًا، ثم نقلت إليه، باسم أعضاء هيئة التدريس بقسم التاريخ بجامعة الوادي، رغبتنا في إقامة تعاون علمي وأكاديمي مع أعضاء قسم التاريخ بجامعة الملك سعود، في إطار تبادل الخبرات والمعارف، بما يخدم البحث العلمي، ويعزز الدراسات التاريخية، ويحافظ على التراث والهوية والذاكرة العربية المشتركة، وقد حظيت تلك الرسالة باهتمامه، حتى إنه أثبتها في الجزء الخامس من كتابه الأخير الموسوم «غيثان بن جريس في رسائل معاصريه: 1397–1444هـ/1977–2023م»، وهو ما عدَدْتُه تقديرا كريما ولفتة علمية نبيلة، كما تفضل بالرد على رسالتي مرحبًا بهذا التواصل، وداعيًا إلى مواصلة المراسلات عبر تطبيق واتساب، لتبدأ منذ ذلك الحين علاقة علمية وإنسانية قائمة على الود والاحترام المتبادل، ولا يزال التواصل بيننا مستمرا، وكان آخر هذا التواصل أن بعثت إليه رسالة تهنئة بمناسبة التكريم المستحق الذي حظي به من ثلة من تلامذته ومحبيه بمدينة أبها، مساء يوم السبت 05 محرّم 1448هـ الموافق لـ 20 جوان 2026م، احتفاءً بمرور خمسين عامًا من عطائه العلمي والفكري الزاخر، وإسهاماته الجليلة في خدمة تاريخ المملكة العربية السعودية وإثراء الدراسات التاريخية.

   وعلى الرغم من أنني لم أعلم بتكريمه والاحتفاء بعطائه العلمي إلا بعد فوات المناسبة، وإلا لكنت أسهمت بكلمة تليق بمقامه ومسيرته، فإن ذلك لم يحُل دون الإشادة بجهوده الفكرية ومنجزه العلمي. وقد سنحت لي فرصة الوقوف على جانب من تلك المسيرة من خلال كتابه «غيثان بن جريس في رسائل معاصريه: 1397–1444هـ/1977–2023م»، الذي يضم بين دفتيه رسائل ووثائق تعكس مكانته العلمية وتوثق مراحل من عطائه، وكان أول ما استوقفني في الجزء الأول من الكتاب رسالة بعث بها عميد كلية التربية بأبها التابعة لجامعة الرياض، الدكتور مزيد إبراهيم المزيد إلى مدير جامعة الرياض بتاريخ 13/8/1400هـ ،الموافق لـ 27 /06/ 1980م، يطلب فيها الموافقة النهائية على تعيين ستة من الخريجين المتميزين كمعيدين في الكلية. وكان الدكتور غيثان علي عبد الله جريس أحد أولئك النخبة في تخصص التاريخ، بعد أن حقق معدل 4.61 بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، ولا شك أن هذا الترشيح المبكر، مقرونًا بهذا التفوق الأكاديمي، يكشف عن تميز المؤرخ غيثان بن جريس منذ بواكير مسيرته العلمية والبحثية، ويؤكد أن ما بلغه لاحقًا من مكانة علمية كان ثمرة جدارة ظهرت ملامحها منذ خطواته الأولى في ميدان المعرفة.

    ولم يقف تميزه الأكاديمي عند هذا الحد، بل كان هذا التفوق العلمي خيرَ تزكية له، إذ رشحه مجلس قسم الدراسات الاجتماعية بكلية التربية بأبها للابتعاث إلى جامعة تكساس بمدينة أوستن في الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراساته العليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه في تخصص التاريخ الحديث، وذلك ابتداءً من العام الدراسي 1401–1402هـ./ 1981-1982م وقد وثّقت هذا الترشيح رسالة بعث بها عميد كلية التربية بأبها، الدكتور مزيد إبراهيم المزيد، إلى وكيل جامعة الرياض للدراسات العليا والبحث العلمي بتاريخ 12 شعبان 1401هـ الموافق لـ 14 جوان 1981م مؤكدة استحقاق الدكتور غيثان بن جريس لهذه الفرصة العلمية، التي جاءت تتويجًا لتفوقه الأكاديمي، ومؤشرا مبكرا على ما ينتظره من مسيرة علمية وبحثية زاخرة بالعطاء والإنجاز.

    ومن الجوانب التي استوقفتني أيضًا في رسائل معاصريه أن المكانة العلمية التي بلغها الدكتور غيثان بن جريس لم تقتصر على محيطه الأكاديمي، بل تجاوزته إلى المؤسسات والهيئات العلمية والثقافية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، حيث حظي بثقة واسعة وتقدير رفيع جعلاه محل ترشيح متكرر للجوائز والتكريمات العلمية، ولم يكن ذلك وليد المجاملة أو العلاقات الشخصية، وإنما جاء ثمرةً لما عُرف به من تميز في البحث العلمي وإسهام أصيل في الدراسات التاريخية، ومن الشواهد الدالة على ذلك رسالة وجّهها الدكتور أسعد عبد الرحمن، المدير العام لمؤسسة عبد الحميد شومان إلى الدكتور السر سيد أحمد العراقي، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الملك سعود – فرع أبها- يطلب فيها ترشيح أحد الباحثين العرب الشباب ممن تتوافر فيهم الكفاءة والاقتدار العلمي، وقد وقع اختيار الدكتور السر سيد أحمد على الدكتور غيثان بن جريس، وفقًا للرسالة المؤرخة في 23 شعبان1417هـ الموافق لـ 3 جانفي1997م، في شهادة علمية تعكس ما كان يحظى به من تقدير وثقة لدى كبار الأكاديميين، ولم يكن هذا الترشيح الوحيد، إذ رشحه للجائزة نفسها أيضًا الأستاذ الدكتور علي بن يحيى محمد العريشي، أستاذ اللغويات التطبيقية بقسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية بأبها – فرع جامعة الملك سعود- وهو ما يكشف عن إجماع أكاديمي على مكانته العلمية وجدارتِه بمثل هذه الجوائز.

    ولم يقتصر هذا التقدير على شخصه فحسب، بل امتد إلى إنتاجه العلمي الذي وجد صداه في الأوساط الثقافية والعلمية؛ إذ اختير كتاباه «القول المكتوب في تاريخ الجنوب» و«دراسات في تاريخ تهامة والسراة خلال العصور الإسلامية المبكرة والوسطى» للفوز بجائزة شنان بن عبد الله الزهراني لعام 1435ه/ 2014م ، البالغة قيمتها خمسة وعشرين ألف ريال سعودي، وذلك خلال حفل «تواصل» العاشر الذي أقيم في 11 شوال1435هـ الموافق لـ 7 اوت 2014م وفق ما ورد في الرسالة الموجهة إليه من المشرف على الحفل الأستاذ عبد العزيز بن حنش الزهراني بتاريخ 20 شعبان 1435ه الموافق لـ 18 جوان 2014م ، ويعد هذا التكريم شاهدًا آخر على القيمة العلمية لمؤلفاته، وما حظيت به من تقدير لدى المؤسسات الثقافية، بوصفها إسهامات نوعية أسهمت في إثراء الدراسات التاريخية المتعلقة بجنوب الجزيرة العربية.

   أما فيما يتعلق بالاستشارات العلمية التي أُنيطت به، فإن رسائل معاصريه تكشف عن حجم الثقة العلمية التي حظي بها لدى المؤسسات والهيئات العلمية والثقافية في المملكة العربية السعودية، إذ وقفت على عدد من المراسلات التي تطلب منه إبداء الرأي العلمي أو تقديم الاستشارات والمراجعات المتخصصة. ومن ذلك – على سبيل المثال لا الحصر– رسالة رئيس نادي أبها الأدبي، الأستاذ محمد عبد الله الحميد، المؤرخة في 25 رجب 1421ه الموافق لـ 22 أكتوبر 2000م ـ، التي أشار فيها إلى حاجة الموقع الإلكتروني للنادي إلى معلومات تاريخية وجغرافية وفكرية واجتماعية واقتصادية عن منطقة عسير، مؤكداً أن الدكتور غيثان بن جريس هو خير من يمكنه الإسهام في إعداد هذه المادة العلمية لما عُرف عنه من خبرة راسخة وإحاطة واسعة بتاريخ المنطقة وتراثها، كما تتجلى هذه المكانة في رسالة أمين عام دارة الملك عبد العزيز المؤرخة في 11 ذو القعدة 1421ه الموافق لـ 5 فيفري 2001م، التي طلب فيها من الدكتور غيثان بن جريس تزويد مكتبة الدارة بنسخة من خمسة وعشرين مؤلفًا من مؤلفاته، في تقدير واضح لقيمتها العلمية وأهميتها في إثراء الرصيد المعرفي للمكتبة، ولم تقتصر هذه الثقة على المؤسسات الأكاديمية والثقافية، بل امتدت إلى وزارة الثقافة والإعلام السعودية، التي خاطبته لإعداد تقرير علمي عن كتاب «اليعسوب» لمؤلفه عبد الله أبو داهش، يتضمن تقويمًا لما اشتمل عليه من معلومات جديدة، وإبداء الرأي بشأن مدى استحقاقه للاقتناء، تمهيدًا لاتخاذ قرار الوزارة بشرائه أو عدم شرائه، وتكشف هذه المراسلات مجتمعة عن المكانة العلمية الرفيعة التي بلغها الدكتور غيثان بن جريس، حتى غدا مرجعا موثوقًا تستعين به المؤسسات العلمية والثقافية في تقويم الإنتاج المعرفي وإثراء مشاريعها الثقافية.

     وفي سياق تتبّع إسهاماته الفكرية في مختلف المنابر الثقافية الوطنية والعربية، وقعت عيناي على رسالة بعث بها رئيس تحرير «مجلة المنهل» السعودية، الدكتور نبيه بن عبد القدوس الأنصاري، إلى الدكتور غيثان بن جريس، مؤرخة في 12 محرّم 1411هـ. الموافق لـ 3 أوت 1990م، ولم تكن هذه الرسالة مجرد مراسلة إدارية عابرة، بل حملت في طياتها دلالات علمية وثقافية تكشف عن مكانة المراسَل وتقدير الوسط الثقافي لإنتاجه الفكري، وتجدر الإشارة إلى أن «مجلة المنهل» تُعتبر من أعرق المجلات الثقافية والأدبية في المملكة العربية السعودية، إذ اضطلعت منذ تأسيسها سنة 1355هـ/1937م بدور ريادي في دعم الحركة الأدبية والفكرية السعودية، وأسهمت في احتضان أقلام الأدباء والباحثين والمؤرخين، والتعريف بإنتاجهم في الساحة الثقافية العربية، وقد كشفت مضامين الرسالة إلى أن الدكتور غيثان بن جريس لم يكن مجرد اسم عابر بين كتّاب المجلة فقط، بل كان من الأقلام التي حظيت بعناية هيئة التحرير وتقديرها، لما اتسم به عطاؤه من عمق علمي وإسهام فكري رصين.

    وانطلاقًا من هذه الإشارة الدالة، يمّمت وجهي شطر الأرشيف الإلكتروني لـمجلة المنهل، رغبة في استجلاء ملامح الحضور العلمي للدكتور غيثان بن جريس في صفحاتها، واستكشاف طبيعة إسهاماته الفكرية التي احتضنتها المجلة، وقد كشفت الفهرسة الببليوغرافية أن إنتاجه المنشور امتد خلال الفترة الواقعة بين 1411هـ و1414هـ /1991–1994م، وتوزع على طيف واسع من الموضوعات، شمل التاريخ الإسلامي، وتاريخ الحجاز وعسير، والدراسات الحضارية، فضلًا عن مقالات فكرية وثقافية عكست سعة معارفه، وعمق اهتمامه بقضايا التاريخ والمجتمع والتراث، ويؤكد هذا التنوع العلمي مكانته بوصفه باحثا أصيلًا أسهم بفاعلية في إثراء المشهد الثقافي العربي، ولعل من الوفاء لهذا العطاء العلمي أن تُفرد هذه المقالات بدراسة مستقلة في المستقبل، تُعنى بتحليل مضامينها، واستجلاء قيمتها المعرفية، والكشف عن إسهامها في مسيرة الكتابة التاريخية والفكرية.

     في ختام هذه القراءة، لا يسع المقام لتقديم دراسة وصفية شاملة للأجزاء الخمسة من الموسوعة الوثائقية «غيثان بن جريس من خلال معاصريه»، غير أن ما وقفت عليه من الرسائل التي تصفحتها وتأملتها يكشف عن خصال فكرية وإنسانية نادرة قلّ أن تجتمع في شخصية واحدة، فقد لمست بين سطور تلك المراسلات ملامح عالمٍ ترك أثره في محيطه العلمي والثقافي، وجمع بين غزارة المعرفة وصدق التواصل وسموّ العلاقات الإنسانية، وإن الآلاف من الرسائل التي ضمّها هذا العمل، ستظل دون شك وثائق تاريخية نابضة بالحياة، تحفظ ذاكرة مرحلة ثقافية مهمة عاشتها المملكة العربية السعودية والعالم العربي، وترصد شبكة العلاقات الفكرية والعلمية التي كان المؤرخ السعودي الدكتور غيثان بن جريس أحد أبرز روّادها، فهي ليست مجرد مراسلات شخصية، بل صفحات مضيئة من تاريخ الثقافة العربية، وشهادات حية على حضور عالم سخّر قلمه وجهده لخدمة المعرفة والتاريخ.

    أسأل الله علي القدير أن يحفظ الدكتور غيثان بن جريس، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، وأن يمدّ في عمره، ويبارك في عطائه العلمي والفكري، ليظل شاهدًا على مسيرة علمية حافلة بالعطاء والإنجاز.

المقارين في: الخميس 16 صفر 1448هـ الموافق لـ 30 اوت 2026م

                                                                                                                                 توقرت- الجزائر

*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الوادي- الجزائر