المجلة الثقافية الجزائرية

رقصة طائر النور والنار

سمير خلف الله

ابْـسِـطْ جناحك كالعنقاء

وطير النور والنار

ابْـسِـطْ جناحك

واخلع فؤادي برجفة الطوفان والإعصار

واحرق ما فات من عمري

وما هو أت

إن لم تكن فيه بعد خالقي

الآمر الناهي

واحرق دفاتري وألواحي

وكل ما سطّرتُ في الأيام الخوالي

فما كان فيها زهو قلبي واختيال شبابي

وما كان فيها سوى

ما كان للملك الصغير من

أهات آلام وزفرة أحزان وحرقة وجدان

لك بساحات قلبي كنصل الرمح

جولات وصولات

أمَا كل ما فيك في القلب

تفاحة آدم وأصل الغوايات

فيا ناعم الملمس أقْــبِـلْ وأدْبِـرْ

فالكل سيَّان

فالآن الآن من بعد أن رأيت

أعجوبة النهد والصدر

وما نال منهما العاشق الصَّب

من رشقة سيوف الثَّغر واللثم

ومن طعنة البعد والنأي

إذ هي تغشى منه ما تغشى

من حِمى الحنايا والقلب

أيقنت بأن الحب

– وكما قال الشّعراء – قتّال

***

أيا طائر النور والنار

بساحات قلبي سيف هواك فتّاك

وما في الأفق من تباشير للسّلام

وفي كل شبر منّي رفعت لدولة الحبّ

رايات نصر وبنودا وأعلاما

فابْـسِـطْ جناحك وحلق بعيدا كالبراق

لكي لا أرى ما سواك

يا طائر النور والنار

فما أنت مثل هذا وذاك

الذي خُـلِق من تراب وصلصال

فأنتَ إذا ما حضرتَ

أعود كمن يغشى الفراديس

بين أسراب حور وفتيان

فابْـسِـطْ جناحك وحلق بعيدا

كي أراك يا طائر النور والنار

وأرى ما زاد من بأس لوعتي وجنوني

ممّا تدلّى وتثنّى من نهدك اللعوب

ذاك الذي يفتنني

كفتنة السُّحار للعيون

فبالله ربِّـي أين فيك مني

مقالات عاشق مُـتَـيّم أو مُحبّ

فها أنا ذا في حبّك أخو العنقاء

إن تحرقني ففي كل بعث

يزداد غرامي وعشقي واشتياقي

تهادي في عيوني فأنت

بعد الإله معبودي بين الأنام

وما هزّ فؤادي غير ذاك القوام

ويثير بداخلي خصرك الممشوق

إعصار نار وثورة بركان

وما يميتني ويحييني

سوى ما سرى من تلك النهود

تهدُّ فؤادي حجرا ، حجرا

كرجَّة الزلزال

فرفقا أيا سيّد الثقلين بقلب تعلق

وما عاد يرى فيما دونك

سوى الجراح والخراب واليباب

وها إنّـني إذا ما لم أراك

أعانق وحشة قبر وضيق صدر واختناقا

***

ابْـسِـطْ جناحك كالعنقاء

يا طائر النور والنار

ففي ذلك تعويذة الخلود وإكسير الحياة

برب السماء من ذا الذي سوَّاك

لتسمو على كل ما أبدعت يد بارئ الأكوان

فأين منك عقد اللؤلؤ والزبرجد والماس

وما حاز قارون والخلان

إلى يوم التّناد والقيام من الأجداث

فما دونك يا طائر النور والنار

في عيوني رسم الدّيار والأطلال

كأنك صيحة آخر الزمان

فوجهك أقبر بداخلي

كلّ ذات غنج ودلٍّ وخالٍ

فرّد لي كما قال بالأمس عاشق

قلبي كما كان

وابْـسِـطْ جناحك كالعنقاء

وحلق عاليا فما مثلك في الأحداق

سوى ما خلَّف الأصفياء في قاعة السفراء

بأعجوبة الحمراء

ففيها وفيك أقوات الروح

والبعث بعد الممات

ابْـسِـطْ جناحك يا طائر النور والنار

ها إنّني ذا أمامك

كمن كان قانتا في مذابح الهياكل

ومحاريب المساجد

أتأمل بصمت ما فيك من زخرفات وزخارف

تدفعني إلى ما بعد حدود الجنون والوساوس

كنقر الخلاخل بأقدام شقائق هند

من بنات طارق

بأرباض أندلسي وجنة الداخل

فرفقا بفؤادي

الذي ما كان في هواك مكابرا

***

ابسط جناحك يا طائر النور والنار

فمن كل ريشة تُـرَاقُ على دروبي

هَـوَاطل الشَّـذى والأريج

بهذا خبَّرني الهدهد

القادم من أرض

الجوى والصّبابة والغرام

أيا مَـنْ في محفل العشّاق

أنا به للحب راية وأعلام

فعنّي وعنك قيس ليلى وإخوان

أيا من هو لي تلك التي جاءت من سبأ

وعليها من ضروب التيه

والظّرف ألوان

أيا من أتي يتثنّى كحوراء الجِنان

ها هنا في القلب يرفرف

لك بالحب ألف جناح وجناح

وتزهر على أوراقي للقصائد

أدواح وأكمام

أيا من أتي يتمطّى

في رداء الحُسن والجمال

جُــدْ على من جار عليه هواك

بدفقة احسان

فإنّ لك هنا في القلب صرح وإيوان

أنت فيه ليوم الدّين

بعد الرّحمان مالك مفاتيح جنّاتي

ولولا الملامة لكانت بك لربي

يا طائر النور والنار

مناجاتي وابتهالاتي

وها أنا ما أبقى لي فيك مقالا

المحبون والعشّاق

يا من له كحل العين

ما في رؤى المها والغزلان

خُــذْ فؤادي وعمري وأيامي

وخُــذْ مسرّاتي وأفراحي

وهاتي الذي فيه ترياق جراحاتي

***

ابْـسِـطْ جناحك كالعنقاء

يا طائر النور والنار

فوالله لولا مهاوى زلة الكفر

لعلّقتك كالأيقونة على الصدر

أتقرب بها زلفى إلى الرّب

كما كان حال العُرْب

قبل نزول جبريل بالوحي

بعيدا عنك إنني أحترق ، إنني أختنق

أمَا أنتَ لي لحن قيثارة يتعالى

عن الفناء في صفحة الخلود

وستبقى ليوم القيامة

كالقمر معلقا في حنايا فؤادي

يراك كل عابر لدروبي

تتيه تيها كشقراء المَعَالي 01

في كل ما أقول

وفوق الأكف وفي العيون

فابْـسِـطْ جناحك في المآق

يا طائر النور والنار

فما من سواك يبعثني بعد الممات

كالعنقاء بين الأنام

أنا مذ رأيت محياك

ألبَسْتُ الماضي والحاضر والآت

سرابيل أكفان

ابْـسِـطْ جناحك يا طائر النور والنار

ففيهما البعث والنشور والقيام

فأنا من بعد روياك

كالمسيح معلقا على الصلبان

وكالفراش بكل رضا مقبلا على النار

ففيهما الشّفاء والبراء

من جراحات اللوعة والاشتياق

لأعجوبة تسمو على القرآن والإنجيل والتوراة

فابْـسِـطْ جناحك يا طائر النور والنار

فما ضاه حسنك في عيوني

سوى ما تجلى من جمال

خالق الأرض والسموات

01 – شقراء المعالي الأميرة الأندلسية ولادة بنت المستكفي