المجلة الثقافية الجزائرية

المعاني السوبر خلاّقة

حسن عجمي

 

   المعنى هو الذي يُحدِّد الاستعمال اللغوي للمفاهيم والسياق وظروف النطق والوقائع. بذلك المعنى يأتي أولاً فيبدأ الوجود من المعاني. هكذا تقلب فلسفة المعاني السوبر خلاّقة النموذج الفلسفي السائد الذي يعتبر أنَّ الاستعمال والسياق وظروف النطق والوقائع تحدِّد المعاني. على النقيض من الفلسفات السائدة، تؤكِّد فلسفة المعنى السوبر خلاّقة على أولوية المعاني و دورها الفعّال في إنتاج الواقع وصياغة ظروف النطق بالمفاهيم واستعمالها في سياق أو آخر. هكذا تغدو المعاني سوبر خلاّقة لكونها مصدر الوقائع واستخدام المفاهيم اللغوية وإنشاء اللغة.

     بلا وجود معان ٍ، لا نحتاج إلى لغة للتعبير عن هذه المعاني أو تلك. وبذلك المعاني تحتِّم بناء لغات للتعبير عن المعاني مما يدلّ على أنَّ المعاني أصل اللغة ومصدرها. من هنا، المعاني مصادر كلّ ما نفعل باللغات كاستخدام المفاهيم و بناء ظروف النطق والسياق. وإن عرفنا معنى مفهوم معيّن، فسوف نعرف كيفية استعماله و في أيّ سياق يُستعمَل و ما هي ظروف النطق التي تسمح بالنطق به. وإن تغيّر معنى مفهوم معيّن، فسوف يتغيّر استعمال ذلك المفهوم كما سيتغيّر في أيّ سياق يُستخدَم وستتغيّر أيضاً ظروف النطق به على ضوء المعنى المتغيّر أي المعنى الجديد. كلّ هذا يرينا أنَّ المعاني تُحدِّد الاستعمال والسياق وظروف النطق ولذلك المعاني مصادر السياق وظروف النطق والاستعمال اللغوي. هكذا المعنى سوبر خلاّق لأنه يُنتِج السياق والاستعمال اللغوي وظروف النطق بدلاً من أن يكون نتيجة لها. مثل ذلك التالي: إذا كان مفهوم “الشمس” يعني الشمس الفعلية في السماء والتي هي مصدر ضوء وطاقة فحينها السياق سياق موضوعي غير مجازي. ولكن إن كان مفهوم “الشمس” يعني المحبوب مصدر الحياة السعيدة والفرح فحينئذٍ السياق سياق مجازي. هكذا المعنى يُحدِّد السياق.

     من المنطلق نفسه، بلا وجود معان ٍ، لن تختلف الوقائع كأن لا تختلف الأحداث. لذا المعاني أصل الوقائع ومصدرها. فالحَدَث نفسه إيجابي بالنسبة إلى بعض الناس وسلبي بالنسبة إلى آخرين. وبذلك إن لم يوجد معنى السلبي ومعنى الإيجابي، فلن يوجد الحَدَث السلبي والحَدَث الإيجابي بل سوف يوجد مجرّد حَدَث لا سلبي ولا إيجابي. إن أزلنا الناس ومعانيهم كمعنى السلبي ومعنى الإيجابي، لن توجد أحداث سلبية وأخرى إيجابية. وبذلك المعاني أصل الأحداث ومصادرها. الأحداث والوقائع نسبية فمتغيّرة على ضوء المفاهيم ومعانيها فإن تغيّرت المعاني تغيّرت الأحداث والوقائع مما يشير إلى أنَّ المعاني تصوغ الأحداث والوقائع. مثلٌ آخر على فلسفة المعاني السوبر خلاّقة هو التالي: بلا وجود معاني مصطلحات “النهر” و”البحر” و”المحيط” و”الساقية”، لن توجد الأنهار والبحار والمحيطات والسواقي بل سوف توجد مجار ٍ مائية فقط فهي ليست سوى مجار ٍ مائية. هكذا المعاني تبني الوقائع والكون والوجود.