المجلة الثقافية الجزائرية

شبشوب (قوزير) الجزائري وفاطمة. ذكرى شهيد أرعب الفرانسيس وأعوانهم ومقاومة فلسطينية ترعب العالم:

بقلم محمد بصري*

إن مقاومة الظلم لا يحددها الانتماء لدين أو عرق أو مذهب , بل يحددها طبيعة النفس البشرية التي تأبى الاستعباد وتسعى للحرية”

تشي غيفارا

كان طويلا فارع القامة مع وسامة ملفتة وعينين قاسيتين لامعتين وجسم رياضي مفصل تفصيلا، كأنه محارب مجالد قادم من الجيمناسيوم gymasium بروما القديمة ، فقد اعتاد الرجل تسلق الجبال الوعرة بالونشريس وأعالي جبال الأوراس الشاوية بخنشلة وتبسة وباتنة متنقلا من الولاية الخامسة إلى الأولى مدار حركته ونشاطه الثوري . إنه الشهيد البطل الصادق شبشوب . من قرية و عرش بني بوسليمان من مواليد 1914 قرية إينوغيسن باتنة فــــرّ بعد وشاية كاذبة ومكائد كثيرة تنسب إليه فيها ،سرقات من المستعمرين، انتهى بشجار عنيف مع مسؤول عسكري فرنسي وغد . تمت مطاردته ومتابعته من طرف القياد ( الحركى) و عبيد الفرانسيس . التحق بعدها مباشرة بالجبل مبكرا بدايات الخمسينات حينها لم تنفجر بعد الثورة المباركة الجزائرية . الرجل كان أمةً وثورةً بمفرده. سنة 1952 صُنف كخارج عن القانون وقاطع طريق غير مرغوب فيه تحت مسمى ” قطاع الطرق الشرفاء Les résistants honorablesالذين طاردتهم السلطات الفرنسية الاستعمارية استفاد من أسلحة الألمان التي تم رميها وإلقائها في جبال الجزائر وحدود تونس لتأجيج الحرب ضد فرنسا .وتدخُل في الاستقطاب الذي قامت بها ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية لتشجيع التمرد على الفرنسيين والأمريكان والانجليز في شمال أفريقيا.

شبشوب كان يجوب الجبال بخفة وحركة تصعِّب موقعته أو ضبطه، كثير التخفي وُلد متمردا ثائرا شهما وشجاعا إلى درجة اللعنة غير ملتزم بقانون ويصعب ترويضه أو تدجينه مما يرويه المجاهد الكبير صاحب الذاكرة النارية سي محمد الطاهر الخليفة أن شبشوب تعرَّف على شابة جميلة من قريته وسيمة ولطيفة جدا اسمها فاطمة لوصيف طاغية الجمال قصيرة القامة خفيفة الظل كثيرة الابتسام .تم أسرها بعد زواجها من شبشوب في الجبال .المجاهدون الجزائريون كانوا يقيمون أعراسهم في الجبال تحت وقع الرصاص وإطلاق النار ودخان البارود، بيوتهم وغرفهم هي مغارات وكهوف الجبال و وسقوفهم التي تقيهم الشمس والأمطار هي ظلال وأوراق أشجار الأرز والصنوبر الحلبي والكاليتوس الجزائري. تم اعتقال فاطمة وتعذيبها بصورة غير آدمية لكن في الليل حاول أحد الجنود الأفارقة السينغاليين الذين جندتهم فرنسا الاعتداء عليها والتحرش بها ذبحته بسكينه وفرت من السجن، التحقت حينها بزوجها الثائر. يعترف الشهيد البطل سي الحواس بالمهارة بالرماية والذكاء الغريزي لهذه المرأة الشجاعة النادرة في الرمي. ما يرويه المجاهد الطاهر الخليفة أن شبشوب كان عصاميا حرا رفض الانضواء تحت أي لواء أو حزب أو تنظيم .هو نموذج الشهيد اللامنتمي والجندي المجهول رغم أنه تم تجنيده من طرف الشهيد مصطفى بن بولعيد قائد الناحية الثورية الخامسة مشترطا عليه شبشوب أن لا يلتزم بقيادة أو رتبة بل المشاركة الفعلية في الحروب والمقاومة . مع تأكيده أن يكون ذاتي التسليح فهو يعرف جيدا ـأمكنة الأسلحة والخرطوش الألماني التي غنمها من قبل وقام بإخفائها كي تكون سندا لوجيستيا لتمرده وقتاله الضاري.

احترمه الجميع ضباطا وجنودا ومقاومين وثوارا بما فيهم قادة الثورة الكبار سي الحواس وبن بولعيد . الوحيد الذي سُمح له بالتدخين رغم أوامر سي الحواس الجبرية الناهية بالامتناع عن شرب السجائر حتى لا يكتشف العدو مكان الثوار.

شارك البطل في أمهات المعارك الضارية “معركة أحمر خذو ” 1958 ومعركة بوكحيل سبتمبر 1960 بالجلفة جنوب الجزائر معركة الجبل الأزرق سنة 1959 الرجل كان حاضرا في كل الثورات كل اللحظات الفارقة في عمر المقاومة الجزائرية ناضل بقلبه ودمه كي لا يتم تقسيم الجزائر العظيمة وفصل الصحراء عن الشمال.

شبشوب كان رقما ثوريا صعبا يُضاف إلى قوائم معطرة وفخمة من قوافل الشهداء الذين لن يتوقفوا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .الشهادة هي أنبل من يجعل الكائن الانساني يحصل على استحقاقه الميتافيزيقي بعدما تنسدل أسترة برزخية على الوجود الانساني بل الشهداء هم علامات غيبية تعطي الوجود البشري حضوره القلق و انبثاقيته اللاهوتية .الشهادة جسر بين الأرض والسماء. حين تتقطع السبل بيننا كبشر وبين الله الذي نحن صنيعة يديه العظيمتين الكريمتين. خسرت الجزائر الكثير من شبابها ودمائها واعتصرت ما تبقى من تاريخها وهي تزف فلذات كبدها إلى الرب في عليائه.

الدواء الذي شفيت به فرنسا من غطرستها وتعاليها القوطي والكولونيالي وعربدتها في الجزائر هو القتال والبارود .الخرطوش والقنابل والرشاش الاسطوري “مات 44” والبازوكا هي من أرجع للجزائر هيبتها السيادية وحضورها كدولة مقاومة وعاصمة للمقاومين وقبلة للثوار ومكانتها الدبلوماسية الرائدة إلى حد كتابة هذه الأسطر

من النمامشة إلى جبال النار بالعين الصفراء وعصفور بضواحي تلمسان وجبال قروز وجبل عنتر بشار ومن الأهقار وقمة تاهات آتكو وتيمياوين وتنزواتين إلى جرجرة و لالا خديجة وجبال زكار بمليانة ووحات تيميمون وصحراء تنزروفت سطعت المقاومة وأحالت نهار المستعمر إلى ليل عسعس مظلم ومن جباليا إلى خان يونس إلى رفح .الثورة لا تتوقف ويزيد أُوراها كلما زف الانسان العربي والمسلم نفوسا جديدة الى السماء وقود الحروب ليست الكلمات بل الأجساد التي ترفرف حولها الأرواح.

رغم وجود بعوض المستنقعات الكريهة .مستنقعات الخذلان والفتاوى الزائفة وفقه المجون والتفاهة ،يصنع الفلسطينيون ملاحمهم هم يقاتلون كل العالم ويقفون ضد المركزية الغربية المتصهينة وضد صهاينة العرب هم يسيجون كفاحهم بالدم والأمجاد . وهم يذكرون العالم أن إخوة لهم في الجزائر قاوموا حلفا أطلسيا من 22 دولة وهزموا الباطل. كلفة المقاومة ليست بسيطة لولا طابور المنافقين المؤدلجين والشامتين والمنبطحين والتافهين المسيسين.

الاستقلال ليس هينا والحرية عروس كريمة لا يمتلكها إلا شهيد عبّد طريق الامة بالبطولات والفروسية والكفاح .عاشت الجزائر وعاشت فلسطين دولة كاملة غير منقوصة التراب أو الاقليم.

استشهد شبشوب الصادق في 20 اكتوبر 1961 وترك زوجة ثائرة تروي نضاله وكبرياءً ثوريا تاريخيا لن يتكرر .

محمد بصري باحث جزائري 

هوامــش

انظر حوار عبد الغني بلقيروس مع المجاهد الطاهر الخليفة قناة الحياة الجزائرية .