• عبدالكريم إبراهيم
يلعب الجمال دورًا بارزًا في جذب الإنسان، ولعل هذه الرغبة تعود إلى بواعث غريزية تتفاعل فيها مؤثرات فسيولوجية تسهم في جموح المشاعر الإنسانية وتهيجها. ولأن صُنّاع السينما أكثر من غيرهم وعيًا بهذه الحقيقة، سعوا إلى استثمارها بعناية، مستميلين المتلقي بما يحقق لهم مكاسب معنوية ومادية. فكان من أولوياتهم انتقاء نجوم السينما بدقة، وتسخير أفضل وسائل الدعاية لرفع مكانتهم اجتماعيًا، بل تجاوز الأمر ذلك إلى زجّ بعضهم في عوالم السياسة والجاسوسية، حيث سعت أجهزة المخابرات إلى تجنيد بعض النجوم لأهداف خاصة.
ويبقى أهم سلاح يمكنه اختراق وجدان المتلقي والتأثير فيه، هو الجمال الأخّاذ، الذي يُعدّ جواز المرور الأهم لأي نجم إلى عالم تتحكم فيه الأذواق والرغبات، لكنه في حضرة الجمال الفائق يتوحد الجميع، وتخرس الأيدولوجيات أمام هذه الحقيقة التي نادرًا ما يختلف عليها أحد.
لقد أولى صُنّاع المحتوى الفني اهتمامًا بالغًا في كيفية جذب المشاهد بعوامل تثير العاطفة، وتبعث البهجة في النفس. ولم يجدوا وسيلة أنجع من الانصياع لنظرية الجمال كوسيلة جاذبة مشروعة، تحقق مكاسب متنوعة على مختلف الأصعدة. ولم تكن السينما العربية بمنأى عن ما يحدث في دهاليز نظيرتها العالمية، بل درست بعض تجاربها، واكتسبت منها خبرات في كيفية توظيف الجمال في سياقه الصحيح.
وكانت البدايات الأولى تأسيسًا لمرحلة جديدة وواعدة، حيث ظهر نجوم السينما من كلا الجنسين بصور أبطال خارقين كأنهم خرجوا من ليالي “ألف ليلة وليلة”. وربما كان التركيز أكبر على “الجنس الناعم” لما للجمال الأنثوي من أثر طاغٍ، في حين كانت الوسامة في الذهنية العربية الذكورية تُختزل في معاني الرجولة والبطولة.
فالمشاهد العربي يبحث في البطل عن ملامح من شخصيات مثالية حلم بها، كبطولة عنترة العبسي، وكرم حاتم الطائي، ووسامة وضاح اليمن، وحكمة ابن رشد. وهكذا وجد المتلقي العربي ضالته في نجوم السينما الذين جسّدوا أحلامًا ظلّت تراوده في خيالات الماضي، فمن غير الممكن تحقيق “حكايات أبي زيد الهلالي” في الواقع، إلا من خلال السينما. لذا جاءت أفلام البطولة لتلبّي شغفًا عربيًا جامحًا، في محاولة لاسترداد أمجاد حضارة سادت يومًا ما، وأخضعت العالم لسيادتها المطلقة.
أما نجمات السينما، فكنّ في صلب العلاقة مع مفهوم “صناعة الجمال”، لذلك نلنَ عناية خاصة، ليظهرن بمظهر مبهِر يأسر العقول والقلوب. تحوّلت نجمات الشاشة إلى حلم كل فتى عربي، ربما لأن جمالهن البسيط والطبيعي هو ما جعلهن خالدات في الذاكرة، مقارنةً بجمال العصر الحديث الذي يركّز على الموهبة أكثر من الشكل.
وهنا برز نوع من النفور لدى بعض الأجيال، التي لا تزال ترى أن نجوم السينما يجب أن يكونوا شخصيات خارقة، حتى في مظهرهم. وصار التشبّه بالممثل أو الممثلة بابًا للمفاخرة بين الناس، وراح الشباب يبحثون عن “فتاة أحلامهم” في صورة نجمات السينما، اللواتي أطفأنَ ظمأهم للجمال الأنثوي في صورة أقرب إلى المثال.
وشكّلت شخصيات مثل الفنان أحمد رمزي نموذجًا حيًا لطموح الفتيات؛ يجمع الوسامة مع القوة البدنية، أي الرجولة الكاملة. أما فنانات مثل زبيدة ثروت، مريم فخر الدين، هند رستم، سهير رمزي، شمس البارودي، وليلى علوي، فقد نلنَ الكثير من الإطراء والمبالغة، حتى قيل في وصفهن: “إنهنّ نساء خُلقن من حليب وبسكويت”. ورغم أن هذا الوصف قد يبدو مبالغًا فيه، إلا أنه يكشف عن حالة وجدانية مرتبطة بجمالهن الطبيعي، النادر تكراره في نظر جمهور عريض.
لكن مع تغيّر مقاييس الجمال، ودخول الجراحة التجميلية إلى الخط، فقد المشاهد العربي تلك اللذّة البصرية، وصار يحدّق متسائلًا: هل هذا الجمال طبيعي أم مصنوع؟ وهنا بدأ يعيش في حالة من الضبابية، بعد أن اختلط عليه الأمر. ولم يجد عزاءً سوى العودة إلى ماضي السينما العربية بنوع من الخشوع، بعد أن انتهكت معايير الجمال المتوارثة، واستُبدلت بقوالب جامدة تفتقر للأنوثة، ودفعت المتذوق العربي للانكفاء على صور الماضي.
وبعد عقود من الثقافة التراكمية التي أسّست مفهوم الجمال، بدأ هذا البناء في التآكل، حين حاول بعضهم إعادة صياغة معايير الاختيار، على حساب النماذج السابقة التي شكّلت وعي الناس حول الجمال، وخلقت روحًا من المثالية ظلّت تهيمن على الشاشة لعقود.
لقد لعب عنصر الجمال دورًا مهمًا في خلق حالة من التشويق الحسي لدى المشاهد العربي، وساهم في سدّ الفراغ النفسي الذي عجزت كثير من السياسات عن ملئه. وربما يعدّ هذا الاستخدام للجمال نوعًا من “الانهزامية المحبّبة” التي يعيشها الإنسان العربي، كتعويض مفقود يمنحه شعورًا بالاستقرار النفسي والمجتمعي، ويمنح الذات ما تحتاجه من أمل في واقع يفتقر إلى البهجة.
“”””””
• عبدالكريم ابراهيم / بغداد





