المجلة الثقافية الجزائرية

ضحايا النمذجة الأدبية

خاطرة: ناجي ظاهر

من المخاطر التي يقع فيها بعض الكتاب، خاصة من واضعي خطواتها الأولى على طريق الإبداع الأدبي، أو يوقعون فيها أنفسهم، تبرز الدوغماتية أو النمذجة سيدة محبوبة وملعونة في الآن ذاته، وتعني النمذجة أن يتخذ الكاتب أو الشاعر نموذجًا أدبياً وأن يضع عينه عليه لا يحيد، كأنما هو قبلة يطمح في الوصول إليها يومًا ما، فإذا ما كتب فكّر في هذا النموذج وإذا ما قرأ لآخرين بحث فيما يقرأه عن هذا النموذج. وقد وقع في هذا المطب الأدبي الخطر عدد من الأخوة الكتاب والشعراء الذين قادهم حظهم السيء ليتلقوا دراستهم على يد أستاذ ذي معرفة ومقدرة فحببهم بهذا النص أو ذاك وجعل أفكارهم تدور في فلكه مهما ابتعدت، ومن هؤلاء في بلادنا، رصدت في سنوات سابقة أيام عملي محررًا أدبياً في صحيفة كبيرة، أولئك الذين أقاموا في منطقتي الجليل الأوسط/ الرامة وأخواتها، والجليل الغربي/ قرية الجديدة وجاراتها، فقد لاحظت ان معظم ما كان يصلني من شعراء هاتين المنطقتين خاصة المبتدئين يتخذ من انتاج واحد من الشاعرين، سميح القاسم/ الجليل الأعلى ومحمود درويش الجليل الغربي نموذجًا له، فيقوم بتقليده تقليدًا أعمى أو شبه أعمى، وكأنما هذان الشاعران هما الشعر.

يجهل هؤلاء الإخوة أو يتجاهلون أن عالم الأدب، قصةً وشعرًا أكبر من أي كاتب او شاعر، وأن الابداع الأدبي بشتى أنواعه عرف في الماضي ويعرف في الحاضر وسوف يعرف في المستقبل مبدعين حقيقيين مُفلّقين، وربما يغيب عنهم أن لكل مبدع حقيقي بصمته الخاصة به وأنها هي ما تميزه عن سواه من المبدعين، واذكر أنني يوم قرأت شيئًا من شعر ابن سهل الاسرائيلي، أحد شعراء الأندلس، بادرت إلى كتابة مقالة وضعت لها عنوانًا اعتقد انه يعبّر عمّا وددت حينها واود الآن أن اقوله وهو أن “العالم أكبر من شاعر”، أو الشاعر.

خلال متابعتي لحياتنا الأدبية اصطدمت بالعديد من هؤلاء الإخوة النموذجين، أو الدوغمائيين، فمنهم مثلًا من قرا قصة ” زائر الصباح” لكاتب مصري من فترة السبعينيات يدعى فاروق مُنيب، واذكر بالمناسبة أنه أصدر في حينها مجموعة قصصية حملت عنوان قصته هذه ذاته، فجن جنونه بها، وبات كلّما أقبل على كتابة قصة حلم بكتابتها وتمكّن من تسجيلها، فكّر في تلك القصة ودار في فلكها، هكذا غار في تجربة كاتب آخر ولم يتمكن من مغادرتها. وكاتب آخر كان يرسل إلي القصة تلو القصة لنشرها في الصحيفة الملمح اليها، وقع ضحية قصة “نظرة” للكاتب العربي المصري يوسف إدريس، أعتقد أنه درسها على يد أستاذ مبدع، فبات كلّما فكّر أو كتب قصة اسيرًا لهذه القصة، الأمر الذي حدّده في زاوية أدبية، لم يتمكن من مبارحتها حتى اختفى عن الساحة الأدبية ولم يعد أحد يسمع له صوتًا. والأمثلة وفيرة. كان أحدثها شاعر أعتقد أيضًا أنه درس شيئًا من الإبداع القصصي للكاتب يوسف إدريس ذاته، ويبدو أن هذه القصة بقيت تراوده مدة ليست قصيرة من الزمن، فحملته في الفترة الأخيرة على مغادرة ملكوت الشعر وكتابة قصة شبيهة بها.

أعرف أن الانسان المبدع، كما ذكر الكاتب المصري توفيق الحكيم، في أكثر من مناسبة ومقالة، عادة ما يتأثر في بداياته الأولى بسواه من المبدعين السابقين، بل أنه يتخذ من أحدهم نموذجًا له يقوم بتقليده والسير على خطاه، غير أن من يدور الحديث عنه، عادة ما يتخلّص من شبح أستاذه ويتخلص منه، بل إنني أذكر أن معظم كتابنا في الستينيات والسبعينيات، خاصة في مجال كتابة القصة القصيرة، تأثروا بالكاتب يوسف ادريس تحديدًا، غير أنهم ما لبثوا ان عثروا على شخصياتهم الخاصة بهم، وقد حصل هذا حينًا عاجلًا وآخر آجلًا.

أود أن أنبه في كلامي هذا إلى خطورة مثل هكذا حالة، وأن أنبه من لم يتنبه حتى الآن إلى مساوئها القتالة، فالعالم الابداعي في مجالاته المختلفة أكبر من النموذج بكثير، علما ان هذا العالم يبدو في البدايات الأولى لكل مبدع ضيقًا، غير أنه في الحقيقة واسع ولا حدود له.. فلنبتعد أيها الإخوة عن هذه الدوغماتية/ النمذجة ولنقترب من أنفسنا.. لنرى أنها احتوت العالم الأكبر.