المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

قراءة سيكولوجية الألفة الٱمنة في سيرة وراء السحاب

قلم/ د. زهرة بوسكين

وراء السحاب وقراءة نفسية لزاوية البداية تحاول أن تغوص في درر السيرة أو تحلق في أجوائها من خلال قراءات متأنية ومتعددة تأخذنا حتما لاكتشاف الآخر بضميره الفردي وضميره الجمعي الذي يحيلنا لنتعرف على شخصيات عديدة في هذه السيرة الذاتية للكاتب الطيب ولد العروسي والتي صدرت في 200 صفحة عن دار خيال للطبع والترجمة في 2021 ذات حجم متوسط وغلاف بلون السماء تتصدره صورة البيت القديم الذي نشأ فيه الكاتب، صورة تعكس “الألفة المحمية” كما يصف ذلك غاستون باشلار ويعتبره “جذر المكان الذي تشكل فيه خيالنا ومارسنا فيه أحلام اليقظة” .. تناغم الصورة مع لون العنوان يمنحه زخم النوستالجيا التي نعيش ألمها ومعاناتها وترفها في أحداث متفرقة من حياة الكاتب تنطلق من نشأته التي أخذت حيزا هاما ومن سنوات الطفولة التي وصفها الكاتب ب “عالم البراءة والتطلعات” ويعتبرها العلماء أساسا في بناء شخصية الانسان لأنها أهم مرحلة من مراحل النمو النفسي بمختلف خصائصها، مانجده واضحا في سيرة ماوراء السحاب من خلال تأثر الكاتب بأجواء وأحداث الثورة التحريرية كأبناء جيله الذين عاشوا فصول المأساة بالمشاهدة والمعايشة كما يذكر الطيب ولد لعروسي في ص11 مستعملا ضمير الغائب ليشير إلى ذلك الطفل الذي “عاش تساؤلات واستجوابات ومشاهد تعذيب الأسرة من قبل الاستعمار” كأنه ينظر إلى ذاته في مرآة عاكسة لتلك المرحلة ثم ينتقل فجأة إلى الحديث المباشر بضمير المتكلم، هي حالة ارتباك مباشرة وهو يكتب عن تلك الأحداث ويسترجعها في إعادة معايشة، لأن الكاتب كان صادقا ومتألما وهو يسترجع مشاهد الطفولة والمعاناة مقرونة بأحداث من الثورة وتعذيب الاستعمار الذي سجن والده وعمه وتخريب القرية في 1959، شريط الصور المتوالية تبين اجهاد مابعد الصدمة النفسية المترسخ في لاشعور الطيب فقد “عاش تلك الأحداث المخزنة في لاوعيه ولم يفكر في كتابتها” خاصة في مرحلة الطفولة الثانية أين أدرك العديد من الأبعاد منها الارتباط بالمكان متمثلا في القرية التي استفاض في وصفها ونقلنا إليها، فقد شكلت عالمه الذي رسمه معتقدا أن “حدوده تلك الجبال الشامخات” منخرطا في ذلك “الدفء الأصلي” كما يصفه الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، ثم يهدم الاستعمار الفرنسي القرية فيخرب أيضا صورة راسخة ويُلحق الألم بعاطفة تعلق قوية بمكان تشكل عند الكاتب ضمن عمليات الادراك أو الإسترجاع أو التفكير كهيكل اجتماعي، كما تراه الباحثة الألمانية مارتينا لوف، مايجعل الاحساس بالفقد ملازما للفرد لأن المكان معقد سيكولوجيا، فتلك القلعة الجبلية هبة من الله ليحرسهم (لأننا كائنات لاتطمح).. صورة بلاغية عميقة تعبر عن البساطة بالضمير الجمعي وهو الإنتماء إلى الجماعة التي تمثل أهل القرية والعرش والعائلة مايمنح الكاتب الإحساس بالأمان، هو اللاشعور الجمعي “فالنفس الفردية كما قال كارل يونغ تختزن خبرة البشرية بأكمها” وهذا من خلال الظروف والقيم والأوضاع المشتركة في الزمان والمكان لأن “الأمكنة هنا اكتسبت هويتها من الأفراد المنتمين إليها” كما وصفها الدكتور عدنان ياسين مصطفى ” وعل سوسيولوجيا المكان واضحة المعالم في هذا الكتاب بحضور العين المخفية، قبلة الكاف، الشعاعرة، عين السعيد، القرية الفوقانية، هي نماذج للهوية المكانية التي تعرضت للكثير من التغيرات في ظرف سنوات وكل تغيير له تأثيراته المباشرة أو الجانبية على الكاتب في تداخله مع الإنتماء والهوية مايمكنه زرع الخوف والقلق المستمر من الانفصال عن الأمكنة والأشخاص، وتضمنت سيرة الكاتب وصفا لنسيج علائقي هام تبنى على أساسه جميع العلاقات الانسانية الأخرى كعلاقته بوالدته رحمها الله والجدة الشجاعة التي تحملت مسؤولية العائلة وخدمة الأرض ومن طبيعة هذه العلاقات تشكلت طبيعة علاقته بالمرأة واصفا اياها ب “رسول سلام قولا وعملا” لأن صورة الموضوع لديه اقترنت منذ الطفولة بالأم الإيجابية الصبورة وصور الكفاح والحنان والشجاعة والتحدي، لتتشكل صورة الوالد بعد خروجه من السجن عندما كان عمر الطيب تسع سنوات، على مشارف انتهاء مرحلة الطفولة الثانية وقد امتلك مداركا قوية وأصبح قادرا على التعاون الاجتماعي من خلال سلوكات مختلفة رغم صعوبة في تجاوز المرحلة الأوديبية بسبب غياب الوالد، وعل الحاجة للحماية تتجلى لاشعوريا في عبارة “لم أرتد حذاء حقيقيا إلا عند خروج والدي من السجن” الحذاء والحقيقي كدلالة نفسية يرسمان معاناة الكاتب في الدروب الوعرة وحاجته لأبيه بالدرجة الأولى فهو لم يكن حافيا لكنه وصف حذاء والده بالحقيقي تعبيرا عن الحماية التي اكتسبها.

هي قراءة في الأجواء النفسية لزاوية من سيرة تتوالى فيها الكثير من الأحداث وتحمل آهات إنسانية وعل أغلبها مازالت مخزنة في لاشعور الكاتب وأخرى احتفظ بها داعيا أطفال الثورة لكتابة شهاداتهم وهو يدرك سلطة النص ليُدخل القاريء بأنواعه ومستوياته في حالة “تعليق القراءة” ملامسا أعماق النص ويجعل روحه تزدحم بالأصداء لتمنح كما قال منتوفسكي طاقة البدء للوجود.