المجلة الثقافية الجزائرية

قصة حدث ما يزال ساخنا منذ ثلاثة آلاف سنة وإلى الآن

بقلم: محمد علي صاحبُ الكراس

 

نريد أن نتحدث، في هذا المقال، عن مجريات حدث ساخن وعاجل ومثير جدا لم يحدث في يومنا هذا ولا في عصرنا هذا. لقد كان قد حدث قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة (حسب بعض التقديرات). نحن نريد أن نتناول سرديات هذا الحدث القديم الساخن الذي كان قد حدث في زمن النبي موسى كما لو أنه يحدث الآن وفي أيامنا هذه. سنتابع مجريات هذا الحدث القديم كما لو أن صحف العالم وقنوات التلفزة ووكالات الأنباء العالمية تتناقل أنباءه العاجلة والمثيرة للدهشة والاستغراب الآن وفي أيامنا هذه. وذلك حتى نفهم هذا الحدث برؤية معاصرة وبشكل غير تقليدي.
لنفترض أننا وفي صباح هذا اليوم وعندما استيقظنا وجدنا صحفا عالمية وهي تنشر خبرا عاجلا تحت ما نشيت عريض يقول: مجريات قصة لا تخطر على بال إنسان: لاجئون من قوم موسى يطالبون بتطهير بلد اللجوء من السكان كشرط لقبولهم حق اللجوء.
وصحف هامة أخرى نشرت تقول تحت عنوان: أغرب قصة لاجئين في تاريخ اللجوء: سلطات الأرض المقدسة في فلسطين تمنح بني اسرائيل حق اللجوء على أراضيها لكنهم يرفضون دخولها إلا من بعد إخراج وطرد مواطنيها.
كما نجد قنوات تلفزيونية عالمية قد تناولت الخبر تحت عنوان يقول: موسى أول نبي يواجه عصيانا وتمردا ذا طابع عنصري بغيض. وهو أول نبي يصطدم مع قومه ويختار التنحي عن قيادتهم على القبول بتطهير أرض اللجوء من سكانها الأصليين قبل دخولها.
وهكذا نجد وسائل إعلام ووكالات دولية أخرى وقد نشرت عناوين مثيرة تقول: قصة أغرب من الخيال: بنو اسرائيل الهاربون من طغيان فرعون مصر يطالبون نبيهم بإعلان الحرب ومقاتلة سكان الأرض المقدسة الأصليين كشرط لدخولهم إليها.
وبالفعل هكذا كانت ستكون عناوين وما نشيتات وسائل الإعلام كافة لو كان الحدث القديم الذي نريد التحدث عنه في هذه الحلقة قد وقع في أيامنا هذه.
فنحن هنا في الحقيقة أمام حدث مثير للإستغراب وأمام قصة أغرب من الخيال: مفاد هذه القصة، كما ينقلها إلينا القرآن وفي الآيات من 20 إلى 26 من سورة المائدة. مفاد هذه القصة هو أن لاجئين كانوا قد هربوا من ظلم واضطهاد حاكم ظالم كان يعذبهم ويسومهم سوء العذاب ويقتل أبناءهم ويستحي نساءهم لا لشيء إلا لأنهم قد اختاروا دينا وعقيدة غير التي يدعوهم إليها حاكم مصر او فرعون مصر آنذاك.
سرديات القصة التي ينقلها إلينا القرآن الكريم تبين لنا مجريات ما حدث لهؤلاء اللاجئين فور وصولهم إلى أطراف أرض اللجوء وتنبؤنا بأن هؤلاء اللاجئين وفور وصولهم إلى أطراف فلسطين قد منحوا حق اللجوء السياسي والإنساني فيها. لكنهم ومن بعدما ما أمرهم قائدهم بالدخول إلى دولة اللجوء ليعيشوا فيها جنبا إلى جنب مواطنيها وسكانها الأصليين، وهم العرب الكنعانيون، وضع هؤلاء اللاجئون مطلبا عنصريا غريبا وخطيرا كشرط لقبولهم حق اللجوء السياسي والإنساني في هذه الأرض أو بلد اللجوء هذا الذي لجأوا إليه هربا من طغيان فرعون وملئه. وكان هذا الشرط العنصري يقضي بمطالبة القائد بإعلان الحرب ومقاتلة سكان بلد اللجوء حتى يتم تطهير البلد منهم كشرط لقبولهم الدخول إلى هذا البلد او هذه الأرض. وإليكم القصة كما ينقلها لنا القرآن الكريم. تقول الآية الثانية والعشرون من سورة المائدة:
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡما جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢
طبعا الآية التي سبقتها كانت قد حملت لهم الأمر وكانت بمثابة التصريح لهم بالدخول حيث قالت وعلى لسان موسى:
“يا قومي ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين”.
لكنهم اعترضوا على حق اللجوء هذا الممنوح لهم والسبب كان عجيبا غريبا. “قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين”.
المهم أو المثير للإستغراب هنا هو أن هؤلاء اللاجئين رفضوا دخول أرض اللجوء واشترطوا بكل صلافة وقالوا: وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.
طبعا النبي موسى كان على اطلاع بوجود مثل هذه المشاعر العنصرية لدى قومه حتى قبل أن يصدر لهم أمر الدخول إلى الأرض المقدسة. لذلك نحن نجده وهو يقول لهم ويحذرهم من رفض الدخول حتى قبل أن يسمع منهم ردة فعلهم. هو كان يتوقع الرفض منهم. لذلك ذيل أمره الصادر إليهم وقال: “ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين”
هو كان يعلم أن قومه كانوا يرفضون التعايش مع الأقوام الأخرى. كان هو يتلمس وجود مثل هكذا إحساس وهكذا شعور لديهم بالتفوق العنصري. لقد كانوا يشعرون بأنهم ليسوا مخلوقين من نفس طينة البشر الآخرين.
وهذا الشعور لدى بني اسرائيل يتطابق تماما مع ما يردده الحاخامت اليوم الذين يؤمنون ويتصرفون كما لو أن سلالة بني اسرائيل سلالة نازلة من السماء وأن الآخرين، “الأغيار” هم سلالة نجسة صاعدة من طين الأرض وإنهم ليسوا إلا حيوانات إنما شكلوا أو خلقوا على هيئة البشر ليكونوا صالحين لخدمة بني اسرائيل!
ولهذا غضب موسى عليهم ولم يستجب لمطلبهم العنصري هذا. وأصبح بذلك أول رافضي في التاريخ لمطالب التطهير العرقي في أرض فلسطين. لقد رفض موسى وبكل قوة مطلب إخراج وإفراغ الأرض المقدسة من سكانها وأصبح بذلك أول نبي يتنحى ويعتزل قومه بسبب عنصريتهم هذه.
إذن الآيات القرآنية واضحة الدلالة على أن فلسطين لم تكتب لبني اسرائيل فقط بل كتبت لهم ولغيرهم أيضا. بدليل أنهم كانوا قد اشترطوا تطهيرها من سكانها وأن موسى كان أول الرافضين لمثل هكذا مطلب عنصري. فكيف يجوز لنبي الله أن يقوم بعملية إبادة أو تطهير عرقي لقوم من الأقوام؟ هذا مطلب جرمي يستحيل على اي انسان سوي القبول به نا هيك عن نبي من انبياء الله.
وأمام إصرار وثبات موسى على موقفه الرافض لإخراج العرب من فلسطين، فإن بني اسرائيل هم أيضا إزادادوا عنادا وتصلبا في موقفهم الرافض. لقد أضافوا هذه المرة كلمة التأبيد. لقد راحوا يكررون موقفهم ويؤكدون عليه وبشدة وهذه المرة قالوا:
“قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤”.
وهذا يدلل على أن فكرة التطهير العرقي كانت لدى بني اسرائيل منذ أيام موسى وإلى يومنا هذا.
وقد دلل موقف موسى هذا الرافض للتطهير العنصري دلل على أن معنى “ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم” لم يكن يعني كتابة أو تسجيل حصري بملكية الأرض لبني اسرائيل دون غيرهم من الأمم. وإلا فلماذا رفض موسى شرط تطهير الأرض من سكانها إن كانت الأرض ملكا حصريا لبني اسرائيل؟
وأمام مثل هذا الوضع المتأزم جدا، لم يكن لموسى خيار سوى الرفض لمثل هكذا مطلب عنصري وجرمي خطير مهما كلفه من ثمن باهظ. حتى لو كان هذا الثمن الباهض هو التنحي عن قيادة شعبه واعتزالهم. ولهذا طلب من ربه أن يفرق بينه وبينهم:
“قَال رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ “٢٥
وسرعان ما استجاب له ربه:
“قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ”.
وإذا كان البعض يقول بأن الله تعالى لم يحرم الارض المقدسة على بني اسرائيل وإلى الابد، وإنما حرمها عليهم لمدة اربعين سنة فقط، فإننا نقول أيضا: وكذلك فإن الله تعالى لم يكتبها لهم وإلى الأبد.
وهذا يعني أن الأمر متروك لبني اسرائيل في العيش في الارض المقدسة إن تنازلوا عن شرطهم وقبلوا بالتعايش جنبا إلى جنب القوم الآخرين. لكن وفي حال لم يتنازلوا ولم يرغبوا بالعيش المشترك فليس لهم الحق في دخول هذه الأرض أبدا.
وفي الأخير نود التأكيد على ملاحظة هامة وهي إن رفض موسى لمطلب بني اسرائيل، بوجوب تطهير الأرض المقدسة من سكانها، يعتبر بمثابة قانون دستوري ساري المفعول في كل الأزمنة اللاحقة وإلى الأبد. إذ لا يمكن أن يصبح لاغيا فيما بعد موسى وفي أي زمان من الأزمنة اللاحقة. فالرفض كان رفضا مؤبدا.
إن مسألة “الرفض” او عدم القبول لشرط تطهير الأرض لها تبعاتها ومقتضياتها. بمعنى إن إي تكرار او تجديد لمطلب بني اسرائيل الداعي إلى تطهير الأرض المقدسة من سكانها للعيش فيها مرة أخرى، وفي أي زمن من الأزمنة، يعني، وبشكل حتمي، بطلان وانتفاء مثل هذا المطلب من الأساس.
إما أن تدخل وترضى بالتعايش وإما أن تهاجر من هذه الأرض. وهذا هو المنطق الإنساني الطبيعي وخلافه يحل منطق الإغتصاب والإحتلال والحرب وجرائم التطهير العرقي، كما هو الواقع اليوم.
وبكلمة أخيرة نقول: الارض المقدسة مثلها مثل كل الأراضي على وجه هذه الكرة الارضية ليس فيها خاصية او ملكية خاصة لقوم من الأقوام دون غيرهم. ولهذا يجب ان تكون فلسطين مفتوحة للجميع ولا ينبغي ان تكون مغلقة “غيتو” لفئة خاصة. ولا يجوز لأحد طرد سكانها ولا اغتصاب أراضيهم بالحرب أو الإحتلال. ومن يفعل ذلك فهو غاصب ومحتل ومعتدي ويجب أن يعاقب على فعله هذا.
 
https://thekurras.blogspot.com