المجلة الثقافية الجزائرية

لماذا ينبغي الاهتمام بشعر علي عبد الله خليفة؟

د. عبد الستار الجامعي

لم يكن علي عبد الله خليفة مجرّد شاعرٍ آخر مهووس بالنّظم وبطلب الشهرة، إنّما كان رجلَ علمٍ وعملٍ، ناطقاً صائباً وشاعراً صادقاً، مع نفسه ومع الآخرين، وملتزماً بأتمّ معنى الكلمة، كما أنّ شعره يكتسب أهميّته لذاته ولمضمونه لا شكله ومظهره، بل إنّ الشكل يتلاشى أمام المضمون في أغلب قصائده. فبالإضافة إلى كون الرجل شاعراً أنفق سنوات عمره في نظم الشّعر بشقيّْه، العامي والفصيح، ومثقّف مُتقنٍ للغاتٍ ولهجات عدّة، يمكن أن نعدّه بوّابةً رئيسة للأدب البحريني عامّة، إذ يُمكن للقارئ أن يتعرّف، من خلال أشعاره، على معالم وثقافة بلدٍ عربي جذوره ثابتة وفروعه نابتة. وبالتالي فإنّ الاهتمام بأشعار علي عبد الله خليفة؛ قراءةً ونقداً وتحليلاً، إنّما هو يندرج، في واقع الأمر، ضمن الاهتمام بهذا البلد الغنّي ثقافةً وحضارةً.
ورغم توفّرِ العديد من الدراسات الجادّة التي اهتمّت بأشعار علي عبد الله خليفة، وهو أمرٌ غاية في الأهميّة، إلاّ أنّ القارئ الناقد لهذه الأعمال يمكنه أن يُدرك أنّه ثمّة أشياء كثيرة لم تُقل، بعدُ، بخصوص دواوينه وما نُثر فيها من أفكار وأشعارٍ “كُتبت بدمِ القلبِ”. وهذا هو السبب الذي جعلني أخصّص، رفقة باحثين آخرين، كتاباً جماعيّاً حول أشعار علي عبد الله خليفة، أسميناه “البنى الرؤى: قراءات في شعر علي عبد الله خليفة”. وربّما لهذا السبب، أيضا، رأينا أنّه كان من الضروري أن يتمّ إدراج أشعار الشاعر في الجامعة الفرنسيّة، حتى تنفتح هذه الأشعار على العالمية وتصل إلى يد القارئ الكوني أو العالمي المهتمّ بالاطّلاع على ثقافات الشعوب الأخرى، وتظلّ راسخةً في ذهنه لسنواتٍ طويلةٍ. وفي هذا المستوى، فإنّ أشعار علي عبد الله خليفة يمكنها أن تقدّم لهذا القارئ لمحةً شافية كافيةً عن هذه الثقافة الغنيّة لإحدى أهمّ بلدان الخليج العربي.
ولقد أحرزنا قصب السبق، في حدود علمي، في هذا المجال؛ حين قمنا بتدريس قصائد هذا الشاعر ودواوينه لطلاّب قسم العربية بجامعة رين 2 الفرنسية التي أنتسب إليها. ولقد كانت سعادتي غامرةً، والحقّ يُقال، حينما لاحظت تفاعل الطلبةِ مع هذه الأشعار التي قدّمنا نماذج عدّة منها في حصص الدروس. ولقد كانت غايتي من هذه الدروس التنصيص على أنّ الأدب البحريني، بشعره ونثره، ظلّ، بالنسبة إلى القارئ الغربي خاصّة، بمثابة القارة المجهولة التي تحتاج إلى الاكتشاف، وأنّ شعر علي عبد الله خليفة، وهو جزء لا يتجزّأ من الأدب البحريني عامّة، شعرٌ طافح بالمعنى والدلالة، ومن الضروري سبر أغواره واقتناص العبر منه، لأنّ الشاعر لم يسع إلى ركوب الدروب السهلة في هذا الفنّ، وهو أمر في متناول أيّ شاعر كان، لا ولم يسع إلى استنساخ أفكار الشعراء القدامى وأشكال نظمهم المحفوظة عن ظهر قلبٍ، بل هو سعى إلى نظم قصائد شاذّة عن المألوف، متحرّرة من سلطة الشكل، ملتزمة، إلى حدّ بعيد، بمقاصد الشاعر وبمقتضيات الحال. فالشعر، في تصوّره، لا ينبغي أن يكون مقيّداً بشكلٍ محدّدٍ مسبقاً، وإلاّ كان الفشل نصيبَ الشاعر، فالشكل المتوقّع طبقاً للمعايير المألوفة يسلب شعره، الحافل بالمعلومات، عنصريْ التشويق والإثارة. وإلى ذلك، هو لم يعد يُثير فضول القرّاء، بقدر ما تُثيرهم الأفكار والأحوال التي ينثرها الشاعر في حنايا خطابه، تلك هي المهمّة عنده، وهي، وحدها، الضامنة لشفاء تعطّش الجمهور. إلى ذلك، فإنّ شعره لم يكن، في ما أرى، مرآةً لذاته وانعكاساً لهمومه وآماله وآلامه وحسب، بقدر ما كان مرآة تعكس صورة وطنه، البحرين، وصورة شعبه وهويّة هذا الوطن وثقافته وعاداته وتقاليده بالأساس، التي ظلّ الشاعرُ يردّدها ويبرز اعتزازه بها وحنينه إليها في كلّ مناسبة جمعتنا به، هناك في البحرين أو هنا في باريس، بما يدلّ على أصالة هذا الرجل المتمسّك بجذوره وبهويّته وبتقاليد بلده، المعتزّ بها والمدافع عنها والحريص على استمراريتها. نعم، لم يترك الشاعر فرصة سانحةً في شعره إلاّ وأشار بالبنان إلى معالم وطنه وميزاته وطبيعته ونُهُره ولياليه وتقاليده ومكوّناته الاجتماعية والثقافيّة، الأمر الذي يجعل من أشعاره أشبه بالوثيقة التاريخية التي ينبغي، لكلّ ناقدٍ يريد أن يكون “كاملاً” وأن يتحصّل على معارف وخبرات متّصلة ببلد هذا الشاعر وبِسِيرِ أهله وفنونه، معرفتها والإلمام بها.
ولقد كنت شاهداً بنفسي، حينما أُتيحت لي، رفقة زميلي وصديقي الدكتور شكري الميموني رئيس قسم العربية بجامعة رين، فرصة زيارة البحرين بدعوى من مركز عبد الرحمان كانو الثقافي، وضمن نشاط ثقافي خاصّ بالاحتفاء بالكتاب الجماعي الذي أشرنا إليه أعلاه، أقول، إذن، إنّني كنت شاهداً على حرص علي عبد الله خليفة على تفهيمنا أدقّ تفاصيل ثقافة بلده ومعالمه التي تميّزه عن غيره من بلدان الخليج العربي، إضافة إلى عاداته وتقاليده وترسيخها في أذهاننا. فكأنّه كان يقوم بدور المُرشد السياحي الحريص على التعريف بثقافة بلاده وتراثه الشعبي. أذكر من ذلك، على سبيل المثال، حرصه على حضورنا لنشاط فرقة شباب الحدّ البحرينية، ولأغانيها وأهازيجها الخاصّة بها وحدها. وإنّي أتذكرّ، ولعلّه هو أيضا يتذكّر ذلك، كيف كانت لي نقاشات هامشيّة معه، بخصوص هذه الفرقة؛ أصولها، ومكوّناتها ونشاطها وتركيبتها وأغانيها وطقوسها الغنيّة بالمفاهيم والرموز المعبّرة عن ثقافة الشعب البحريني وخصوصياّته المميزة، والحكايات التي حيكت حولها، وكيف أنّ الشاعر لم يكن يبدي امتعاضاً من أسئلتي المتعدّدة على هامش هذا اللقاء، بل إنّني كنت أجده سعيداً وهو يجيب عن أسئلتي بخصوص نشاط هذه الفرقة وغاياتها بصدر رحبٍ، ويقوم بتشريح الحالات التي تقوم فيها بعقد لقاءاتها، وبالتالي فتح مجالات لا نهائية للبحث والتنقيب حولها، لأنّه بفعله هذا إنّما هو يُساهم في التعريف بإحدى أهمّ المكوّنات الثقافية لبلده. ولازلت أحتفظ بتلك الإجابات التي أفادني بها الشاعر، مشكورا، عندي. فأنا أزعم أنّها ستفيدني في المشروع الذي بدأت الاشتغال عليه منذ مدّة، والخاصّ بدراسة نقدية موسّعة حول الحكايات الشعبية البحرينيّة، التي تُسمّى بألف حكاية وحكاية. هذا المشروع الضخم، الذي نأمل أن تُتـاح لنا الإمكانيات اللازمة لإنجازه مستقبلاً، من الممكن أن يُعبّد الطريق، هكذا أعتقد، لكلّ باحث تالٍ يروم الاشتغال على هذه الحكايات… والفضل يعود إلى الشاعر علي عبد الله خليفة الذي لم يتردّد، لحظةً، في مدّي بهذه الحكايات التي تطلّب أمر التقاطها وجمعها من أفواه أصحابها وتدوينها جهداً كبيراً، لا ريب في ذلك. ولا يتعامل الشاعر مع هذه الاجتهادات التي يقوم بها ويخصّص لها وقته، رغم جدوله المزدحم بالأعمال، كحركات عابرة وارتجالية وخاضعة للأهواء، إنّما باعتبارها اجتهادات واعية ومسؤولة من لدنه، وهي اجتهادات لا أعتقد أنّنا سنشهد في المستقبل القريب جهداً إنسانيّاً يُضاهيها. فهو، باعتباره شاعر البحرين، مسؤول، بشكل من الأشكال، عن حماية هذا الموروث الشعبي والعناية به، والضامن لاستمراريّته والذود عنه بالأشكال كلّها، ولو بالكتابة، أي الإبداع، وذلك أضعف الإيمان، لأنّ ذلك كلّه أمر ضروري ولا ينفصل، في تقديره، عن جوهر الرسالة المنوطة بعهدته.
إنّ هذا الاستعراض السريع لأهمّ مميزات قصائد علي عبد الله خليفة ولشخصيّة هذا الرجل، الذي عرفته شاعراً مُجيداً ومثقّفاً موسوعيّاً قبل أن أعرفه رجلاً كريماً وصديقاً قديراً، قد يكون أطول من اللازم، ومع ذلك فهو لا يتناول كافة التفاصيل، بل يستهدف فقط توضيح بعض المعطيات التي يمكنها أن تُشكّل، مجتمعةً، إجابةً مقنعةً عن السؤال الذي طرحناها في عنوان مقالنا. وبالتالي، فنحن نعتقد أنّه من اللاّزم الالتفات أكثر إلى هذه الدواوين الشعريّة، وإلى ضرروة إدراجها في المقرّرات الدراسية الجامعيّة في البلدان العربية والغربيّة. فهي أولى، الآن وفي هذا السّياق، من تلك الأشعار القديمة التي أسالت حبراً كثيراً واُستنزفت بحثاً وتحليلاً واستقصاءً.

جامعة رين2، فرنسا.