علي الشدوي *
يورد ابن عبدربه في العقد الفريد أن عبدالله بن عباس من أقرب الصحابة إلى قلب عمر بن الخطاب، وكان يقدمه على كثير من الصحابة. يبقى السؤال الذي يحق لنا طرحه لماذا لم يستعمله (يوليه)؟ لقد كاد ، لكنه فكر ثم نكص . قال له يوما “كدت أستعملك، لكن أخشى أن تستحل الفيء على التأويل”. مر عهد عمر، وتلاه عهد عثمان، ولم يستعمله عثمان. ثم استعمله علي بن أبي طالب على البصرة. وقد حدث ما توقعه عمر ، فقد استحل الفيء بتأويل الآية (41/ الأنفال) وبقرابته للرسول. بطبيعة الحال فأخبار ما حدث بين علي وابن عمه مدونة في أمهات الكتب التاريخية. سألخص منها ما أورده الطبري.
في البدء كتب أبو الأسود الدؤلي رسالة إلى علي “ابن عمك (عبدالله بن عباس) أكل ما تحت يديه من غير علمك، فلم يسعني كتمانك. رد عليه علي “كتبت لصاحبك (وصاحبك هنا كلمة مهمة) بما كتبت إلي منه ، ولم أعلمه بكتابك”. رد ابن عباس على علي بعدم صحة ذلك. لكنا عليا شدد على عليه بأن يخبره عن تفاصيل الأموال بحكم ولايته على البصرة. وختم بنصح ابن عباس بأن يتقي الله “فإن المتاع بما أنت رازمه (جامعه) قليل، وتباعته وبيلة لا تبيد”. بعدئذ وضع ابن عباي نقطة الختام . كتب إلى علي أنه يفضل أن يلقى الله بما في ظهر الأرض وبطنها من ذهب من أن يلقى الله وقد سفك دماء هذه الأمة لكي ينال الملك أو السلطة. خرج من البصرة مستجيرا بأخواله.
ما سأركز عليه هنا لا علاقة له بالمدافعين عن ابن عباس ولا الذين اتهموه لسبب بسيط جدا وهو أن “الفرصة تصنع اللص”. فعلي لم يكن كعمر بن الخطاب. اكتشف عمر الفرصة لذلك لم يتحها لا لابن عباس ولا لغيره. كان يعي أن إحدى هذه الفرص – مازالت إلى الآن متاحة – هي “التأويل”. تبدو هذه الكلمة بريئة ظاهريا توحد العمليات العقلية التي تبحث عن المعنى. هذا صحيح، لكن خطورتها تكمن في إمكانية استخدامها لمصلحة فرد أو جماعة أو سلطة. ومن هذه الزاوية فحال التأويل كحال مفاهيم أخرى كالثقافة والهوية التي تتحول عند البعض إلى أداة من أدوات القتل.
لنر ما الذي يفعله التأويل فيما هو أكبر من مجرد الفيء. ولنبدأ بسؤال هو فيما لو قُدر لمحمد أن يعيش أطول ليكوّن دولة هل ستتطابق مع مفهوم الدولة كما وُجدت بعد وفاته؟ لا نستطيع أن نؤكد ذلك ولا أن ننفيه؛ فما كان موجودا في عصر النبوة ليس دولة إنما حكم إسلامي . وهو حكم يستند إلى مجال مركزي هو (الخير) بدون أطر تنظيمية وإدارية ولا نقاش على مستوى فكري تجريدي، وكل ما كان يجرى هو إجراءات مناسبة يتخذها النبي تجاه كل طارئ سلما أو حربا في ضوء فكرة الخيريّة. بعد أن مات الرسول تبلورت الدولة في الإسلام وفق (تأويل) واحد. قبل أن تتبلور كان هناك عشرات المسارات الممكنة لفكرة الدولة، وما حدث فعلا هو أن مسارا واحدا هو الذي تحقق كما نعرفه في نموذج الدولة الإسلامية. أي أن تأويلا واحدا من جملة التأويلات الممكنة نظريا طبقه بعض الأشخاص أو المجموعات. وقد تغلب هذا التأويل على غيره من التأويلات وأزاحها وكسب شيئا فشيئا حكم الصحة والصواب والحق والبداهة؛ لا لأنه التأويل الأفضل، بل لأنه التأويل الأنسب إلى ذهنية القوم في ذلك العصر وإلى ميزان القوى الاجتماعي والسياسي والثقافي (عبدالمجيد الشرفي) .
انتصر التأويل الذي رأى أن مصالح الآخرة هو مجال الدولة المركزي. وهو ما لم يكن في عصر النبوة حيث مصالح الآخرة ليست كل الخير، بل جزء منه. وبغض النظر عن المعقولية المحدودة لمفهوم (الخير) مجالا مركزيا لعصر النبوة إلا أنه يبدو منسجما مع (الخير) من حيث هي كلمة مركزية تكررت في القرآن مائة وثمانين مرة وبتنويعات دلالية ملفتة للانتباه تشمل الديني والدنيوي، فأتت بمعنى الأنفع (البقرة، 106) والمال (البقرة، 180) وضد الشر (آل عمران، 26) والصلاح (آل عمران، 104) والولد الصالح (النساء، 19) والعافية (الأنعام، 17) والإيمان (الأنفال، 32) ورخص الأسعار (هود، 84) والأجر (الحج، 36) والأفضل (المؤمنون، 109، 118) والعفة (النور، 12) والصلاح (النور، 33) والطعام (القصص، 24) والدنيا ( العاديات، 8 ). هذه مجرد أمثلة لا تعني إهمال العصر النبوي لمصالح الآخرة إنما تلفت الانتباه إلى أن الخير في حال كونه مجالا مركزيا للحكم النبوي يتسع لما تضيق به مصالح الآخرة بوصفها نطاقا مركزيا للدولة الإسلامية. لقد أتاحت مصالح الآخرة من حيث هي المجال المركزي للدولة الإسلامية ما لم يكن ليتيحه الخير لو أنه مجالها المركزي. فمن أجل مصالح الآخرة تحكمت الدولة في تفاصيل حياة مواطنيها. وليس هنا مكان البرهنة على ذلك فهي أشهر من أن تذكر. فقط سأذكر بمؤسسة أنشأتها السلطة الدينية والسياسية من أجل أن تصلح من شأن مواطنيها الديني بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وقد نتج عن هذا أن تحولت الدولة إلى سلطة مطلقة وشمولية.
ليست هذه طرفا إنما وقائع أنا شاهد عليها، فحين يرى رجل الهيئة رجلا وامرأة معا يسأل عن الصلة بينهما، فإذا كانا زوجين يأخذ كل واحد على حدة ليسأله عن لون ثلاجة المطبخ، وفرش المجلس وإن لم تتطابق إجابتهما جرا إلى السجن. إن بإمكاني سرد وقائع أخرى خبرتها أو سمعتها كالضرب في الأسواق والمطاردة التي انتهت إلى حادث قاتل، والتجسس على البيوت، وشم الأفواه. ما أريد قوله إن هذا حدث في إطار مصالح الآخرة التي وظفها رجال الدين والسياسيون للسيطرة على الناس. لم يكن هذا ليكون، لولا التأويل حين يقع في يد تفضل مصلحة خاصة أو مصلحة جماعة معينة.
كاتب وناقذ سعودي
(من صفحته على الفيسبوك)





