المجلة الثقافية الجزائرية

غاستون باشلار: إدغار بو ومغامرات آرثر غوردون بيم (1/2)

 ترجمة: سعيد بوخليط

من بين الكتّاب القلائل جدا الذين اشتغلوا على أدب التأمّل الشّارد وكذا الفكر الموضوعي، ضمن منطقة مبهمة يتغذّى إبّانها الحلم من أشكال وألوان فعلية، كما تحظى في المقابل الواقعة الجمالية بمناخها الحُلُمي، يعتبر إدغار آلان بو أكثرهم عمقا وذكاء.

أدرك إدغار بو من خلال عمق الحلم وكذا براعة السّرد، التّوفيق في نصوص أعماله بين خاصّيتين متعارضتين: فنّ الغريب وكذا فنّ الاستدلال. يعرف كيفية الرّبط بين الأفكار الخرافية. حين قراءة إدغار بو وفق التريُّث المطلوب، عبر الاهتمام باحترام ثنائية مقتضى الحلم والسّرد، نتمكّن عندئذ من جعل الذّكاء الأكثر وضوحا يحلم، مثلما ندرك مسألة تحفيز تأمّل شارد غير منتبه كثيرا، ومتقطّع جدا حتى يصبح مغامرة متواصلة. مثلا، إذا توخّينا حقا، ليس فقط قراءة رواية آرثر غوردون بيم بل تأمّلها والحلم معها، سنفهم كيف أنّ سفرا متخيَّلا، انصبّ على موضوعات واقعية، ميّزته في المقابل مختلف الوظائف الحُلُمية لسفر متخيَّل، كيف نحفِّز أحلاما ونحن بصدد الحديث عن الواقع. هكذا، يمسك فكر المغامرة بالقارئ. وحدها القراءة تغدو مغامرة، بفضل هذه الدّعوة الملحّة على السّفر.

فضلا عن ذلك، ما الوظيفة النّفسية للسّفر؟ يقال بأنّنا نسافر كي نشاهد؛ بيد أنّه كيف يمكننا المشاهدة جيّدا دون الاندهاش ثمّ كيف ننذهل أمام إبداعات الواقع دون تمهيد مسهب لتأمّلات شاردة مألوفة؟ المسافرون الكبار قبل كلّ شيء، بمثابة حالمين كبار ضمن سياق مراهقة طويلة. يقتضي شغف الرّحيل، إدراك كيفية الانفصال عن الحياة اليومية. ينهل تذوّق السّفر من تذوّق التّخيّل. تبدو دائما حتمية هامش من التّخيّل قصد منح اهتمام للمشاهد الجديدة.

من جهة أخرى، بفضل التأمّل الشّارد يتحاور الرّاوي والقارئ بكيفية وثيقة. يصبح كل وصف فاتر جافّا إذا تعلّق الأمر بنقل تجربة جديدة. وحدها القوى المتخيِّلة ترصد حقيقة البلدان المجهولة. آلية أدركها إدغار بو فطريا. أيضا، يصبح السّفر كارثيا حسب ريشته. أكثر تحديدا لن يتأخّر القارئ اليقظ كي يكتشف بأنّ مغامرات غوردون بيم تضعنا أمام حادثة ثنائية. انطوت فعلا عدّة صفحات على حادثة غرق إنسانية بجانب حادثة العاصفة، مأساة تكمن في الأشياء، والمشهد، وكذا العالم. عند نهاية العالم – سأظهر ذلك- يصبح الكون نفسه مأساويا. تكشف صفحات الكتاب، بأنّ أبسط تعاطف مع الكون يوحي بعالم قيد التبلور، وعناصر ”منزعجة”على الدّوام. السّكينة تعاسة تختبئ، والحقيقة للعجائبي المتواري، الحقيقة صورة تبقى لفترة طويلة كي تتحايل بشكل أفضل. لكنّ القوى الحُلُمية، المتكتِّمة، المكبوتة، بصدد التّراكم دون أن تفقد شيئا من قوّتها، وتتهيّأ مغامرات الحلم خلف مغامرات الواقع، كما تتحرّك مشاعر مأساة العالم، خلف سرد المغامرات الإنسانية. ينتهي تآمر العناصر الأصمّ إلى خلق عالم مثير تأخذ معه ثانية القوى الكونية الدور الذي نسبته إليها الأساطير البدائية. مثلا، يصبح الغامض نمط كابوس، عنصر تأمّل شارد حميمي، إلهة باطنية تضحك هازئة.

يبدأ كتاب إدغار آلان بو بمغامرة سريعة وقاسية: شابّان خلال أمسية ثمالة، يمتطيان فجأة قارب صيد دون تحضير. تزداد رطوبة الرّيح، تهبّ العاصفة، ثمّ تبدأ المغامرة مثل مصير مباغت. يجلس عند دفّة القيادة، شخص ثمل ”ثمالة حيوانية”. بالكاد استفاف رفيقه من تراجيدية المغامرة، واستوعب الخطر، فالقارب وسط ضباب، على امتداد جوف اللّيل البحري، حتى وقع الغرق نتيجة سفينة صيد الحيتان.

النّسيج الموضوعي للسّرد فقير فعلا. بالتّالي إذا توخيّنا العمل على قياس موهبة الرّاوي بإعادة قراءة الصّفحات الأولى، وخاصة التمرُّن على هاته الحالة البسيطة، بغية اكتشاف العوامل التي ساعدت على تخيّل السّرد، سندرك فورا قوى الكابوس، كابوس في غاية البساطة بخصوص إدمان صامت ومجّاني على الكحول. لقد وصف إدغار بو، من خلال ذلك بشكل عميق وفعّال، إحدى تجلّيات الثّمالة المكثّفة، التي تترك أمام الكائن المسؤولية وكذا اتّخاذ القرار. إذن، الكحول موضوع إرادة، يساعد على تحديد الاختيار. يمنح شجاعة الذّهاب ليلا وحيدا وسط البحر الهائل. إنّه يضاعف الكائن ثمّ يخون. فجأة، يحوّل جسدنا إلى حطام يتمرّد تماما على كل منظومة تشغيل: ”سيعترف لي أوغست صراحة، عدم اختباره قط طيلة حياته، إحساسا مخيفا للغاية ومرعبا، سوى على متن قاربي الصّغير، لقد اكتشف فجأة كلّ امتداد ثمالته، وأدرك بأنّها حطّمته”. أليس مدهشا أنّ صورة قديمة لروح شائخة داخل جسد مثلما الشّأن مع ربّان القارب أمكنها الاستضاءة من خلال حلم الكحول؟

بخصوص هذا المثال الأكثر تبسيطا، الذي يستثمر صورة مبتذلة فقدت زخمها الخيالي، أقترح على قارئ إدغار بو كي تطبيق مبادئ قراءة مزدوجة: ينبغي تعقّب القراءة لخطّ الوقائع؛ ثم ضرورة اقتفاء قراءة أخرى سبيل التّأمّلات الشّاردة. نكشف بشكل متزامن عن القراءتين بأن نطرح على كل واحدة من المغامرات المتخيّلة السّؤال المنهجي التالي:” ماالدّافع الحُلُمي للخيال الذي تخيّلنا على ضوئه الوقائع؟” بقليل من التّمرين، حتّى مع نصّ متّصل ظاهريا كما الشأن مع رواية إدغار بو مغامرات غوردون بيم، يمكننا الوقوف على تأمّلات شاردة استثنائية، كوابيس وهلوسات تفشي أعماقا نفسية كبيرة. إذن المغامرة التي توخّت اكتشاف العالم استلهمت في نفس الوقت حميمة الإنساني. يمتلك كل ماهو عميق في العالم والانسان نفس قوة الإيحاء. السّفر دليل كاشف عن المسافر. قراءة مغامرات غوردون بيم بناء على اهتمام مزدوج حول إبداع علم كوني ثم مقاربة نفسية ملهِمة، يجعلها تأخذ انسجاما مذهلا. ينبغي حينها إعطاء اهتمام كبير إلى أطروحات النّقد الادبي المرتبط بالتّحليل النّفسي: هل يوجد حقّا احتمال ضمن سيادة الإبداع الجمالي؟ أليس الانسان موصولا بأحلامه أكثر من تجاربه؟ أليس المنطق الحُلُمي للإبداع بمثابة نفس الحبكة التي ينظم وفقها الرّاوي سرده؟ ألا تعتبر الضّرورة الحُلُمية أكثر الضّرورات الإنسانية قوّة؟ مهما كانت هاته الأطروحات، التي نعاين توضيحات لها بين طيات صفحات كتاب ماري بونابارت حول إدغار بو، فلا يمكننا تجاهل قيمة قراءة مزدوجة تبحث عن دلالة حُلُمية عميقة تحت الدّلالة الظّاهرة.

برز السّرد المقتضب بخصوص مغامرات مبكّرة كتقديم لفكر المغامرة. تكفي أوّل تجربة كي تحوّل بطل المغامرات البحرية، حين تولّي القوى العقلانية المصير البشري. بيد أنّ الأحلام أكثر إلحاحا كما تمثّلت منذئذ روح الشابّ المنكوب مأساة المحيط. هكذا تحقّق الاختيار، والمضيّ حسب نداء مصير جعل حياة غوردون بيم محكومة بالعاصفة والجوع، وكارثة المحيط، التي لعبت بخصوصها القوى الكونية دورا مفصليا. أدبنا وقد شغلته بكيفية كلّية تقريبا الحوادث المجتمعية صَرَفَنا عن المأساة الطبيعية، مأساة الانسان في مواجهة العالم. تنزع غالبا تطلّعات المسافرين، ضمن سرديات السّفر ذاتها، نحو بشر آخرين، ومجتمعات ثانية. يعبُرون المحيطات، دون أن يختبروا الوضع، ولا يعيشون تلك الحياة العدوانية تحت وصاية العناصر. أغلب الأسفار الخرافية التي دُبِّجَت موضوعاتها خلال القرن الثّامن عشر ليست سوى خدع من أجل وصف طوباويات اجتماعية.

انطوى سفر إدغار آلان بو المتخيّل على نبرة أكثر عمقا وكونية. إدغار بو مغامر العزلة. يترقّب نداء المحيط لأنّه أكثر نداءات العزلة إثارة، حينما يقتضي الوضع من الانسان أن يقاوم باستمرار ضدّ كون بأكمله. الانسان وحيد، ضمن إطار بؤسه الدّيناميكي اللاّفت للانتباه، يواجه كونا زاخرا بالقوى المتوحّشة. قبل ذهابه نحو البحر،لم يكن غوردون بيم يحلم بضفاف مفعمة بالضّوء والعطور،بل حلم حقا بالغرق صحبة آلام غير قابلة للوصف :”انصبّت مختلف تصوّراتي حول الغرق والجوع،الموت أو الأسر من طرف القبائل المتوحِّشة،وكذا صوب وجود قوامه الأوجاع والدّموع على امتداد محيط منيع ومجهول.تأمّلات شاردة وتطلّعات من هذا القبيل والنّوع -فقد ارتقى ذلك إلى مستوى التطلّع- شائعة بكيفية قوية لدى طبقة واسعة من الأشخاص المكتئبين؛ لكن بالنّسبة للحقبة التي أتكلّم عنها، فإنّي أنظر إليهم مثل هاربين متكِّهنين بوجهة مصير أشعر بأنّي منذور له، إذا جاز التعبير”.

سنلاحظ فعلا تماثل مختلف هاته الإشارات مع النّفسية الحميمة لغريق قبل أن يغرق، تقدّم إضاءات عن مازوشية محارب كبير يعرف جيّدا بأنّ التّعاسة تسكن الرّوح قبل مجال الحياة. تنبعث آلام الكائن من حلم مأساوي أوّلي، وانطلاقا من إيحاء هذا الحلم المأساوي سيتخيّل كاتب السّرد أوجاعا فوق إنسانية. بينما تكتفي الحياة في إطار رتابة مفرطة بما هو إنساني. بخصوص هذه النقطة المركزية، كم تبدو صحيحة هذه المقارنة بين نيتشه وإدغار بو، حسب تصوّر أوجينيو دورس (1):”بمعنى ما، يتدارك إدغار بو فريديريك نيتشه. الأخير، يعكّر صفو الرّؤى الواضحة بالعمل على إثارة حماسها. بينما يسلّط إدغار بو الضّوء على المغامرات الغامضة من خلال سردها”.

بالتّأكيد سنجده برنامجا طبيعيا للغاية بالنسبة لرواية مغامرات بحرية؛ لكنّنا نقيِّم بكيفية سيِّئة فعّاليته إذا نسينا بأنّه برنامج اختُبر فعلا حُلُميا قبل رسمه بوضوح. ثمّ نعود إلى تمييز دقيق، قد ينجم عن تقديره الخاطئ تضييع القيمة النّفسية للعمل: هل يمكننا اعتبار صفحات يسرد خلالها غوردون بيم مغامرات حياته من جوف قارب، مجرّد انطباعات عابر سرّي؟ هل يظلّ السّارد سجينا عالقا بين بضائع رُتِّبَت كيفما اتُّفق؟ لا،لاينتمي السّرد من خلال هذا المثال رغم دِقَّته، إلى عالم الوقائع بل عالم الأحلام، حلم المتاهة. سنرى أمثلة أخرى.

علاوة على ذلك، اهتمّ إدغار بو عبر حاجة الجمع بين التأمّلات الشّاردة الواعية واللاّواعية، بأن يصل بين اضطرابات السّجين ثم هذيان نوم ثقيل وغير صحّي. هكذا تنصهر فيما بينها صور الخيال والحياة. يكتشف القارئ المستأنس بشعرية إدغار بو ضمن هذا السّياق كائنات النّوم التي تنتعش عادة في القصائد والحكايات. كما الحال مع الشّجرة: ”جذوع أشجار رمادية ضخمة، عارية من الأوراق، تنتصب مثل انبثاق بلا منتهى. انغمست جذورها في مستنقعات شاسعة حيث تنبسط مياهها بعيدا، سوداء بشكل مخيف، كئيبة ومرعبة إبّان سكونها”. ما القوّة التي ينبغي لهذا الخيال امتلاكها لدى إدغار بو كي يتبدّى من خلال رواية بحرية! فلنحيا ثانية هذا الخيال: شجرة الماء، الإعصار المائي المتحرّك، بطيئا وملتويا. إنّها فاعلة داخل المستنقع وفي جوف البحر، حركات جذورها زاحفة، مراوغة ولاتمسك بمكان معين. تسير الأشجار وتنزلق عند إغار بو. استعاد ماريو براسينوس هذا الحلم العميق، حينما أراد اختيار البواعث وتوضيحها. حين الرّجوع إلى الرّسم التوضيحي، ستتأتّى لنا إمكانية التّشخيص بهدف تمييز شجرة الأرض عن شجرة المياه. يعرف الفنّان كيف يترجم كائن المستنقع، وفق ديناميكيته العميقة. يتفاعل مع صورة خيالية جدّا ضمن خيال إدغار بو.

بقليل من الانتباه إلى استمرارية النّزوع الحُلُمي للسّرد، سندرك بأنّ هذا الحلم بنبات مخيف ومرعب مجرد إشارة إضافية. يكشف حالة ”غثيان مميت” يشمل مختلف سرد الإقامة داخل قارب. يصل بين مختلف هاته الكوابيس، نوع من ”وحدة الغثيان” ويقدّم قوة مرعبة إلى الخوف المبدئي من ”جنازة قبل أوانها”. أن يتبيّن إدغار بو أهمّية الحديث عبر فقرات سرد بحري عن جنازة قبل الأوان، يعتبر دليلا جديدا بخصوص وفاء الراوي إلى هواجس خيالاته…

هامش:

مصدر المقالة:

Gaston Bachelard : Le Droit de rêver (1970). pp :143-158.

(1)أوجينيو دورس : إلى الكبير سان كريستوف،ترجمة ،ص 160