وليد الأسطل
1
أثرُ ما لم يثبتْ في الهواء:
لم يكن النسيانُ طريقًا مستقيمًا، ولا كانَ بابًا يُغلقُ خلفَ الخارجينَ منه.
كانَ يشبهُ يدًا تتعلّمُ ارتجافَها في العتمة، ثم تنسى كيفَ تُطفئُ ما أضاءتهُ ذاتَ وجعٍ.
أمشي وكأنّ الأرضَ تجرّبُني كلَّ يومٍ باسمٍ جديد،
وكأنّ جسدي استعارةٌ مؤجَّلةٌ لشيءٍ لم يكتملْ في اللغةِ بعد.
لا شيء يثبتُ على يقينِه:
حتى الظلالُ تتأخرُ عن أجسادِها،
حتى الخطى تعودُ لتسألَ عن معناها في الرملِ ثم تمضي.
يا أيّها القلبُ الذي يتخفّى كطفلٍ في جيبِ قميصٍ واسع،
كم مرّةً صدّقتَ أنَّك نجوتَ،
ثم اكتشفتَ أنّ النجاةَ كانتْ تمرينًا على سقوطٍ أكثرَ مهارة؟
ثمة أشياءُ تُغسَلُ ولا تخرجُ نظيفة،
وثمة ذاكرةٌ كلّما لُمستْ ازدادتْ اشتعالًا،
كأنّ النارَ لم تُخلقْ للإطفاءِ،
كأنّها اختبارٌ دائمٌ لجلدِ المعنى لا لجلدِ الجسد.
أسمعُ في داخلي ضجيجَ ما لم يحدثْ بعد،
وأرى ما حدثَ يمشي إلى الوراءِ كأنهُ يعتذرُ عن كونهِ حدثًا.
كلُّ شيءٍ قابلٌ لإعادةِ التأويل:
الضحكةُ التي مرّتْ كعصفورٍ فوق نافذةٍ ولم تُقمْ،
اليدُ التي لوّحتْ وظلّتْ معلّقةً بين احتمالينِ من الفقدِ.
يا ربَّ الطرقاتِ التي لا تُفضي إلى شيءٍ إلا إلى نفسها،
خذْ هذه الخطى التي تعلّمتِ التيهَ بإتقانٍ،
ودعْها تنسى أنّ لها وجهةً،
فإنّ الوصولَ شكلٌ آخرُ من الخسارةِ أحيانًا،
وأحيانًا أخرى يشبهُ أن تُغلقَ العينُ على ضوءٍ أكبرَ من قدرتها.
لم أعدْ أميّزُ بين ما يُقالُ في الداخلِ وما يُسمعُ من الخارج،
كلُّ الأصواتِ تشبهُ صدًى لنداءٍ واحدٍ لم يُنطقْ بعد.
حتى الصمتُ صارَ مزدحمًا،
كأنّهُ مكتبةٌ تُخفي كتبًا عن أصحابِها.
أمشي،
وفي كلِّ خطوةٍ يتدلّى من الهواءِ شيءٌ يشبهُ اسمي القديم،
ولا ألتفتُ كثيرًا،
لأنّ الالتفاتَ نوعٌ من الاعترافِ بأنّ ما خلفي ما زالَ قادرًا على مناداتي.
في لحظةٍ ما،
سأكونُ أقلَّ وضوحًا من فكرةٍ لم تُفكَّرْ،
وأكثرَ خفةً من ظلٍّ قرّرَ أن يتخلّى عن صاحبهِ.
وسأقولُ للريحِ:
خذي ما تبقّى منّي،
فإنّي تعبتُ من حملِ الاحتمالاتِ كأنّها أجسادٌ ثانية.
2
مسافة لا تُرى:
هناك، بين إصبعين من فراغٍ، تُعيدُ يدي كتابةَ اسمكِ كلَّما ظنّتْ أنها محته،
فتنبتُ الحروفُ كأنها جراحٌ تعرفُ طريقَها إلى اللحمِ دونَ استئذان.
وضعتُ على كفّي معنى الانتظار، فصارَ جلدي مرآةً لطقسٍ قديم،
تتقدّمُ فيه الذكرى مرتديةً هيئةَ جسدٍ لا يكتمل،
وتنسحبُ كأنها كانتْ تنتمي إلى غيمٍ أخطأ الأرضَ في لحظةِ سقوطه الأولى.
كنتِ تمرّين في داخلي كما تمرُّ الريحُ في بيتٍ بلا نوافذ،
لا تُمسِكُكِ الجهات، ومع ذلكَ تُحرّكين كلَّ ما هو ثابتٌ فيَّ،
فتتكسّرُ الطمأنينةُ على أعتابِ صوتكِ،
وأبقى أعدُّ ارتباكي كمن يعدُّ نبضًا لا يطمئنُّ إلى سببه.
كم مرّةً ظننتُكِ جسدًا، ثم انحللتِ فيّ كفكرةٍ لا تُمسك؟
وكم مرّةً ظننتُكِ فكرةً، ثم نزفتِ في عروقي كدمٍ يعرفُ طريقهُ إلى اسمه؟
حتى اختلطَ الأمرُ على قلبي:
هل كنتِ احتمالًا يُخطئُ التحقّق،
أم كنتِ تحقّقًا يُتقنُ التنكّر؟
في الليلِ، حين تُطفأُ الجهاتُ،
أسمعُ خطواتكِ على جلدِ الوقت،
تتركُ أثرًا يشبهُ النارَ وهي تتعلّمُ أن تكونَ ماءً،
ويشبهُ الماءَ وهو يتذكّرُ أنه كانَ نارًا.
أقولُ لنفسي: هذا مجرّدُ غياب.
ثم أكتشفُ أن الغيابَ كائنٌ كاملُ الملامح،
يجلسُ إلى جواري، ويضعُ يدهُ على كتفي كأنّهُ يعرفني منذُ بدءِ الخسارات.
لو كنتِ وهمًا، فلماذا يُخطئُ قلبي في اتجاهاتهِ كلما ناديتُكِ؟
ولو كنتِ يقينًا، فلماذا تتفتّتُ صورتُكِ كلما اقتربتُ منها؟
كأنكِ بين الحالتينِ كائنٌ لا يُقيمُ في تعريفٍ،
كأنكِ ترفضين أن تُختزلي في اسمٍ أو جسدٍ أو معنى.
ثم أراكِ مرةً أخرى في انكسارِ الضوءِ على نافذتي،
في ارتجافةِ الماءِ وهو يحاولُ أن يتذكّرَ شكلهُ الأول،
في رعشةِ الهواءِ حين يمرُّ كأنهُ يعبرُ جسدًا كانَ لهُ يومًا.
وأدركُ أني لم أكن أبحثُ عنكِ،
كنتُ أبحثُ عن ذلكَ الفراغِ الذي تركتِهُ فيّ،
عن تلكَ الفجوةِ التي تتقنُ التنفّسَ باسمي،
عن ذلكَ الصمتِ الذي يتكاثرُ كلما حاولتُ أن أنساه.
في النهاية، لا يبقى منكِ سوى أثرٍ يشبهُ الدفءَ وهو يتذكّرُ برده،
وشيءٍ يشبهُ الدمعةَ حين تتردّدُ بين أن تكونَ ماءً أو ذاكرة.
وأنا…
أبقى بين احتمالينِ لا يلتقيان:
أنكِ لم تكوني،
وأنكِ كنتِ أكثرَ مما تحتملهُ الحياة.
3
الاحتمال الثالث:
لم تكن يدي تبحث عن ملامسة، إنما عن أثرٍ ينجو من معنى اللمس.
شيءٌ يشبه ارتجاف الضوء حين ينسى مصدره.
أمدّ أصابعي إلى فراغٍ يتقن التنكّر في هيئة جسد.
كلما اقتربتُ، ازداد الهواء كثافةً، كأنه يتذكّر.
سكونكِ يجرح الحركة في داخلي؛ سكون فكرةٍ اكتملت فجأة.
كمن يُترك في منتصف حلم، بلا يقظة ولا اكتمال.
في الغرفة، لا تُسمّى الأشياء بأسمائها.
الكرسي ينسى وظيفته، والنافذة تتصرف كعينٍ بلا جهة.
والضوء يتكاثر على الجدران كأنه يبحث عن مخرج.
أراكِ كفكرةٍ خرجت من رأس اللغة ولم تعد تقبل العودة.
حين مررتُ بكِ، لم يكن هناك اصطدام.
كان ذوبانًا بطيئًا، كأنني أتنازل عن طبقةٍ خفية منّي.
المسافة لم تعد تقاوم؛ تتقلّص حتى تصير جسدًا ثالثًا بيننا.
صوتكِ لا يُسمع كصوت.
يسقط على الذاكرة بدل الأرض، مثل مطرٍ ينسى اتجاهه.
كل محاولة لتفسيره كانت تُوسّع فجوةً داخلي.
أحببتُ فيكِ ذلك الالتباس الذي لا يطلب نجاة.
هدوءًا يربك الطمأنينة نفسها.
لم نكن اثنين.
ولا واحدًا.
كنا احتمالًا ثالثًا يتعثر في أول تسمية.
الهواء بيننا كائنٌ مستقل، يراقب دون أن يتدخل،
ويكتب فوق الجلد علاماتٍ لا تُقرأ، إنما تُحسّ.
لم أعد أميّز بين الاقتراب والابتعاد؛
كلاهما حركة واحدة حين تفقد الجهة معناها.
رأيتكِ خارج الجسد،
ثم الجسد الوحيد الممكن،
ثم فكرة تتعلّم أن تكون إنسانًا ولا تنجح.
لم نكن نحب، ولا نبتعد، ولا نسمّي ما يحدث.
كنا نُبقي الفراغ حيًّا، نطعمه من ارتباكنا.
في النهاية، لم ينكسر شيء.
الأشياء العميقة لا تنكسر؛ تتبدّل كثافتها فقط.
غادرتُكِ دون مغادرة.
تركتُكِ كضوءٍ نُسي في غرفة.
أثرٌ كامل من عدم اليقين.



