أجرى الحوار: لوران تستوت
ترجمة: الحسن علاج
“تكمن قوة التوراة في القدرة على التأقلم مع كافة المواقف “
متخصص في التوراة بالكوليج دو فرانس ، عيّن مديرا مسؤولا عن المؤسسة المرموقة ، فرض الجامعي توماس رومر Thomas Romer) ( السويسري من أصل ألماني نفسه كواحد من الخبراء بسياق وتدوين التوراة . شرح لأدب مؤسس .
منذ عام 2007 ، وأنتم تشغلون كرسي ال” بيئات التوراتية ” . لماذا هذه التسمية ؟
توماس رومر : عند القدوم إلى الكوليج دو فرانس ، هناك حيث يكون على المرشح الذي يتم انتقاؤه تعريف منبره العلمي . أرغب في التوضيح ـ لو شئنا الحديث عن التوراة ـ فلابد بادئ ذي بدء من الأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي ، السوسيولوجي ، الثقافي والديني الذي تحرك فيه الأشخاص الذين قاموا بكتابة النص التوراتي . هذا مع الأخذ بعين الاعتبار طبعا كافة المعارف المتحدرة من الأركيولوجيا ، التاريخ ، فقه اللغة … إنها المرة الأولى ، في تاريخ كوليج دو فرانس ، يظهر مصطلح توراة في منبر علمي ، من قبل ، كان المصطلح يختفي باحتشام وراء كراسٍ علمية للعبرية أو الآرامية .
انخرطتم في التقليد المسمى تقليدا تاريخيا نقديا . ما معنى هذان المصطلحان ؟
توماس رومر : كان الهدف هوأن تتم مقاربة التوراة بأدوات البحث التاريخي . تقليد نقدي ، أعني أنه لا يمكن مقاربتها اعتمادا على أفكار مسبقة دينية أو فلسفية . لأمد بعيد ، انخرطت الدراسات التوراتية ، في الكاثوليكية ، البروتستانتية أو اليهودية ، في تقليد لاهوتي ، والذي قطعت فيه مع التفسير التاريخي النقدي . طبعا ، لقد صمدت الطوائف الدينية . يمكن القول من بعض النواحي ، أن ذلك بدأ مع سبينوزا ، وهو واحد من الأوائل الذين شككوا في كون أن موسى قام بكتابة مجموع أسفار موسى الخمسة . ولابد من الإشارة ، في فرنسا ، إلى المفسر ريشار سيمون Richard Simon) ( ، في القرن السابع عشر ، والذي قام فيه بوسويه Boussuet) ( بحظر الكتاب ، وفي الوقت الراهن ، فقد اعترفت به الكنيسة الكاثوليكية كمؤسس للتفسير النقدي الحديث . على أن ذلك لم يكن شيئا بسيطا في ذلك العهد . علاوة على ذلك ، فإن ما قاله إرنست رينان ، وهو واحد من أولئك الذين سبقوني بالكوليج دو فرانس ، فقد أصبح أيضا مسؤولا إداريا . ثم إن المناهج التي لا تزال رائجة في الوقت الحالي تم وضعها في القرن الثامن عشر ولاسيما القرن التاسع عشر . وعلى الرغم من ذلك فقد كانت الأعمال الجامعية التوراتية تجد نفسها تحت نوع من المراقبة للكنيسة الكاثوليكية . لذلك فقد تطور التفسير التاريخي النقدي بشكل كبير في البلدان البرتستانتية . ويعتبر كل من يوليوس فلهوزن بألمانيا وأبراهام كوينين بالبلدان المنخفضة من أعظم أسماء المفسرين التارخيين النقديين .
هل تصدر التوراة عن تقليد شفوي ؟
توماس رومر : من الواضح أنه في المقام الأول لابد من التوفر على تقاليد شفوية . لكن وجب القول أولا أننا لا نستطيع إعادة بنائها . لقد دافع البعض بأن التقليد الشفوي قد تم نقله بدقة كبيرة ، ثم تم تدوينه على الورق . إلا أن أعمال علماء الأعراق على أرضية الميدان تبين إلى أي درجة أن التقليد الشفوي مرن وقادر على التكيف .
متى فرض التوحيد نفسه ؟
توماس رومر : بعد استيلاء البابليين على أورشليم ، عام 587 . هُدّم الهيكل ، وانهارت المعالم الهوياتية ؛ وترتب المنفى عن ذلك . تفرقت الطوائف في بابل ، وبمصر ، ناهيك عن الطوائف التي بقيت باليهودية . ترك الفرس الذين خلفوا البابليين عام 539 ، نوعا من الحرية الدينية للناس . تم إنشاء حينئذ تفكير حول التاريخ : لماذا حدثت هذه الكارثة ؟ هل عاقبنا الله على أخطائنا ؟ أو هل كان عاجزا عن مساعدتنا ؟ لقد هزم ببساطة على يد الآلهة البابلية ؟ لقد فسح هذا التفكير المجال لمراجعات جديدة ، والتي انبثق عنها التوحيد شيئا فشيئا . سوف يتم القول بأن المنفى ناتج عن غضب يهوه . لأن الملوك لم يتقيدوا بنواميسه ، لقد استعانوا بالبابليين لوضع حد للملكية . ثمة فكرة نشأت مفارقة إلى حد ما . سوف نصنع نصرا من هزيمة ، مع تقديم يهوه كإله وحيد .
سوف تفرض الفكرة إذن نفسها في التوراة ؟
توماس رومر : تهدف التوراة إلى الجمع بين مختلف التقاليد المؤسسة ، إلى تفسير أصول العالم والشعب ، إلى سرد الخروج والشرائع في الفترة الفارسية ، في بداية الحقبة الهلنستية ـ ففي هذا الوقت ابتكرت اليهودية بطريقة ما ، الفصل بين الديني والسياسي . لقد كان الدين إلى ذلك الحين شرعيا من قبل الملك ، الذي يتم تقديمه كمختار من قبل الآلهة . حينما تتم ملاحظة القوانين في الشرق الأوسط القديم فلابد من التفكير في مسلة حمورابي . إنها قانون عدالة تلقاه الملك البابلي من العناية الإلهية للإله شمش . وفي التوراة ، من يتلقى الشريعة الإلهية ؟ إنه ليس ملكا ، بل موسى . ثم إن هذا يقع في الصحراء ، خارج كل بنية سياسية . لم تعد الشريعة التوراتية في حاجة إلى شرعية ملكية ، لا دولية ولا إقليمية . سوف يسوغ هذا البناء لليهودية الناشئة العثور على هويتها والبقاء على قيد الحياة .
لقد دافعتم بأنه هناك حاجة ماسة إلى دراسة التوراة في سياقها ، وذلك بتطبيق مقاربة مع النصوص الأخرى ومجتمعات الشرق الأوسط …
توماس رومر : طبعا ، فهذا يسمح بتسليط الضوء على العديد من التفاعلات والتأثيرات . نأخذ كمثال على ذلك ، الطوفان ،وهو حدث كلاسيكي عظيم في بلاد ما بين النهرين ، لاشك أن ذلك حدث بسبب الفيضانات المألوفة جدا بدجلة والفرات . يُلاحظ جيدا أن النص التوراتي حول الطوفان يستلهم ملحمة أتراحسيس ، التي دونت باللغة السومرية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وأعيد نسخها طيلة الألفية الأولى قبل الميلاد . إن قصة التخلي والإنقاذ الإعجازي لموسى أكثر قربا مما تم سرده بخصوص الملك سرجون الأكدي ، بهدف إضفاء الشرعية عليه . يعود تاريخ تلك الألواح إلى القرن الثامن قبل الميلاد . ثمة في سفر الأمثال جزء أكثر قربا مما يسمى تعاليم أمينوبي ، وهو نص مصري في نهاية الألفية الثانية . باستطاعة المرء مضاعفة الأمثلة ، لكن النقد التوراتي ، وهذا هو الأهم، يهدف إلى إبراز أن تلك النصوص التوراتية لم تهبط من السماء . إن البعض منها تم إنشاؤه في التفاعل مع المحكيات الكبرى لبلاد ما بين النهرين ، مصر ، لكن أيضا الإغريق . خذ مثلا قصة ابنة يفتاح ، الفصل الحادي عشر من سفر القضاة ، وتبين مصير إيفيجينيا لدى يوربيدس …
يزعم البعض أن التوراة كتاب تاريخي ، مفسرا على سبيل المثال عبور موسى البحر الأحمر عبر انفجار بركان ساتوريني . وآخرون يراودهم الأمل في أن التوراة ماهي إلا عبارة عن أساطير . أين تتموقعون ؟
توماس رومر : إنه لمن الخطورة بمكان التفكير بصفة دائمة بأن تلك الكتابات مبنية على أحداث تاريخية . عند تأملنا للنص التوراتي ، يبدو أن ذلك الهروب من مصر يعتبر محكيا أسطوريا . يستعمل موسى ، في سفر الخروج ، سلطان يهوه في إحداث ضربات مصر العشر . إن بعضها ، مثل اجتياح الجراد ، تعكس تجارب تاريخية . ويعتبر البعض الآخر منها أسطوريا تماما . فعندما يحتجب النور ، يكون بالإمكان إضفاء طابع روائي على الكُسُف لكن الشيء البديهي هو أن يهوه ألغى الفصل بين النور والظلمات ، الذي يرد في سفر التكوين 1. أعتقد أنه من اللازم قراءة تلك النصوص المؤسسة ، لاسيما في أسفار موسى الخمسة ، مثل محكيات أسطورية وتفسيرها من خلال ظواهر طبيعية سوف يعتبر أمرا اختزاليا للغاية .
هل يمكن إجراء تمييز واضح بين أسطورة وقصة ؟ فعلى سبيل المثال ، من أي نوع تصدر مملكة سليمان ؟
توماس رومر : كل تمييز جلي هو تمييز مستحيل . إن الأسطورة هي حكاية تمنح معنى لطائفة . خذ مثلا سفر القضاة الذي يستحضر ملوكا مثل عمري وياهو . إنهما شخصيتان مختلفتان ، وقد ورد ذكرهما مثل ملوك آخرين ، في نصوص أشورية أو بابلية . شيدت محكيات سفر الملوك على أحداث تاريخية ، لكن السؤال هو : ما هو قصد هذا المحكي أو ذاك ؟ من المحتمل أن شاول ، داود وسليمان هم شخصيات تاريخية لكنها ليست مؤكدة . فما يهم ، هو أن تلك المحكيات ميزت بشكل عميق اليهودية ، المسيحية ، وكل تاريخ الغرب ، الفن ، الحقوق ، المخيال … إن التوراة مكتبة ، إنها تتحدث لنا عن أصولنا ، وعن وهننا ، عن أسئلة نطرحها على أنفسنا بخصوص معنى الحياة . إنها تقدم لنا نتفا من الأجوبة ، تقدم لنا نماذج أصيلة نتماهى معها أو لا نتماهى . إن قوة النص التوراتي تكمن في كونه قابل للتكيف مع كل نوع من أنواع المواقف . وهكذا يبدو لنا سفر يشوع في الوقت الحالي مثل تجميع للمجازر التي تقترب أكثر من الإبادة الجماعية . إلا أن نفس الكتاب فهم من قبل سود أمريكا مثل نص مقاوم للظلم ، وهذا هو ما جعل من ترنيمة يوشع قاتل بمعركة أريحا نشيدأمل بالنسبة لهم .
في مساركم المهني ما هو المقطع الذي أسركم أكثر ؟
توماس رومر : ربما هو مقطع بداية سفر الخروج وفيه أمر فرعون القابلتين بضرورة قتل كل مولود ذكر عبري فور ولادته . لكنهما عارضتا هذا الأمر باللجوء إلى الخداع ، قائلتين للملك بأن النساء العبرانيات لسن كالمصريات ، فإنهن يلدن قبل أن تأتيهن القابلة . ثمة سؤال جدير بالملاحظة ، ألا وهو معرفة ما هي جنسية تينك المولدتين . ثم إن كل سفر الخروج بكامله لن يصبح ممكنا إلا عبر فعل المقاومة لامرأتين مصريتين ضد سيدهما .
ــ
مجلة اقرأ Lire) ( الفرنسية عدد ممتاز خصص ملفا لكتب اليهودية المقدسة . نونبر ـ دجنبر 2023


