بروســت1
عشق الحقيقة والعدالة واشتراكية مارسيل بروست 2
غالبا مايصيب الافتتان بالحقيقة والعدالة أولئك الذين يختبرونهما بالقشعريرة .3
أولئك الذين يختبرونهما؟
ترجمة : الحسن علاج
على أن الأمر لا يكون بنفس الدرجة أن تكون رجلا ثم تبتغي
الحقيقة والعدالة. يوجد ذلك الشغف موزعا بطريقة غير متساوية بين الأشخاص، على أنه في الواقع يبين إلى أي مدىً يكون فيه كل شخص من الأشخاص إنسانا، ومن خلاله يستعيد كرامة الإنسان. كتب مارسيل بروست Marcel Proust) ( في [رواية] جان سانتوي4Jean Santeuil) (: ” بإحساس مَرِحٍ ورجولي تتناهى إلى الأسماع أقوال متفردة وجسورة تصدر من فم رجال العلم الذين يقبلون على الصدح بالحقيقة، من خلال مسألة شَرَفٍ مِهَني خالصة، حقيقة تشغل بالهم فقط لأنها الحقيقة، يتمسكون بها في فنهم بدون أي نوع من التردد لمعاكسة أولئك الذين تقدم الحقيقة نفسها إليهم كجزء لا يتجزأ من مجموعة اعتبارات أقلَّ ما ينشغلون بها * .” إن الأسلوب ومحتوى الجملة ينأيان عن [رواية] البحث [عن الزمن الضائع]… بيد أنه في نفسالكتاب ، يتغير الأسلوب، لكن ليس الفكرُ : ” وهو ما… يهُزُّ مشاعرنا أكثر في فيدون Phédon)(، حينما نتابع برهان سقراط نمتلك فجأة إحساسا خارقا للقبول ببرهان بحيث لا توجد أي رغبة شخصية تأتي لتلويث الصفاء ، كما لو أن الحقيقة كانت تعلو فوق كل شيء : لأننا بالفعل
• *مارسيل بروست ، جان سانتوي (غاليمار ، 1952) ، جزء 2 ، ص 156 .
نلاحظ أن النتيجة التي يستخلصها سقراط من هذا البرهان، هو أنه ينبغي عليه أن يموت * . ”
كتب مارسيل بروست بخصوص قضية درايفوسDreyfus)(حوالي سنة 1900. كانت مشاعره الدريفوسية معروفة ، بيد أنه منذ [رواية] البحث، التي تمت كتابتها بعد عشر سنوات، فقد فقدت تلك البساطة العدوانية. وحتى نحن أنفسنا فقدنا في الوقت الراهن تلك البساطة . فذات الشغف يثيرنا أحيانا، لكننا سئمنا . وفي وقتنا الحالي، فإن قضية دريفوس ربما تثير ضجيجا أقلَّ 1…
بقراءة جان سانتوي،فإننا نندهش للأهمية التي تحتلها السياسة في خَلَد بروست: لقد كان في الثلاثين من عمره 2 . سيندهش العديد من القراء وهم يكتشفون مارسيل الشاب وهو يستشيط غضبا، لأنه أثناء حضوره اجتماع الغرفة، لم يمتلك القدرة على التصفيق لأقوال جوريسJaurés)(. يحمل جوريس في جان سانتوي اسم كوزونCouzon)(. كان شعره الفاحم مجعدا، لكن الحيرة لم تتوقف : إنه ” زعيم الحزب الاشتراكي بالغرفة… ، أعظم خطيب في الوقت الراهن، نظير لكبار الخطباء في السابق “. يتطرق بروست في موضوعه إلى ذلك الشعور بالعدالة الذي كان يتملك أحيانا كل كيانه مثل نوع من الإلهام ** ” ؛ فهو يصور ” الدناءات الغبية” ـ نواب الأغلبية ـ ” متهكمين ومستفيدين من تفوقهم العددي وقوة حماقتهم محاولين خنق صوت العدالة المختلج والجاهز للغناء*** ” . إن التعبير عن مشاعره كان مدهشا خصوصا وأنه كان صادرا عن رجل كان يتوجب عليه ، على المستوى السياسي، أن يظهر في النهاية بمظهر فاتر 3. إن اللامبالاة التي انزلق إليها ترتبط بأسباب عدة: دون الحديث عن هواجسها الجنسية، فالبورجوازية، التي كان ينتمي إليها، كانت مهددة بالحراك العُمّالي، لكن الصحو لعب دوره في الانبهار بالسخاء الثوري .
يمكن القول أولاً أن ذلك السخاء تشَيَّد على نزوات غريبة على السياسة: إن ” عِداء أبويه هو الذي ألقى به في الحماسة الكلية حول أعمال (جوريس) **** “. صحيح ، أن من يتكلم هو جان سانتوي، على أن طبعه هو طبع مُؤَلِّف البحث . نحننعرف الآن، أنه بدون نشر جان سانتوي ،
*مارسيل بروست ، جان سانتوي، جزء 2 ، ص 145
** نفس المرجع ، جزء 2 ، ص 316 ـ 317 .
• ***نفسه ، ص 316 ـ 317 ****ه ، ص 318 .
• ****نفسه ، ص 318 .
ماكنا سنتوقف عن تجاهل، أن بروست، كان يمتلك، في شبابه حسا اشتراكيا . لم يكن ذلك بدون تحفظات : ” وحيدا ، حينما يفكر ، يندهش جان من أن (جوريس ) يتسامحفي مذكراته ، يأتي على ذكر حملات عنيفة جدا ، في توقفاته ، وربما لاذعة جدا ، قاسية تقريبا ، ضد بعض أعضاء الأغلبية *. ” ليست الحواجز القاهرة التي تصطدم بها الحقيقة في السياسة الحالية . بل إن تلك الحواجز ذاتها كانت معروفة منذ زمن بعيد . وحتى أن التعبير ، في لغة بروست ، سيكون مبتذلا إذا لم يكن علامة على ارتباك كبير : ” إن الحياة ولاسيما السياسة ليست صراعا وبما أن الأشرار مسلحون بكافة الوسائل ، فمن واجب الأخيار أن يكونوا كذلك ، وسيكون ذلك من أجل ألا تنهار العدالة . وسيكون بالإمكان القول ربما … بأن طريقتها في الانهيار ، هو بالضبط أن تكون مسلحة دون الانشغال بطريقة من الطرق . على أنه سوف يُقال لكم لو أن كبار الثوريين تطلعوا إليها كثيرا، فسوف لن تنتصر العدالة أبدا ** . ”
افترسه التردد مباشرة . زد على ذلك أننا لا نملك القدرة على الارتياب في ذلك ، لم تتمتع تلك الوساوس عنده بقوة ما . فقد كانت تكدر صفو عيشه فقط . إذا ما تمكن من نسيانها ، فإن ذلك لم يكن بدون تقدير معنى ذلك ، دون تقديم حججه . ففي الجزء الخامس من جان سانتوي، جوريس ، الذي ” احمَرَّ وهو يضع يده في يد رجل لئيم ***” ،هو الذي ، في بنية المحكي ، ” كان يعتبر بالنسبة لجان ( بطل الكتاب ) معيارا للعدالة ” ، ما كان ليستطيع عند مطلع النهار أن يكُفَّ عن البكاء مفكرا في كون أن واجبه كزعيم حزب كان يجبره على التضحية *** ” . كانت حبكة الكتاب تقتضي وفق المبدأ، أن جوريس ـ كوزون بمقدوره التصدي لحملة افتراء موجهة ضد والد جان . بيد أن الرجل السياسي سوف لن يكون بمستطاعه، مهما كانت المحبة التي يكنها له المُؤَلِّف ، ” أن يؤلب كل أولئك الذين يقاومون لصالحه، تقويض عمل حياته وتعريض نجاح افكاره للخطر ، من أجل ، مهمة عديمة الجدوى ، بما أنه الوحيد الذي سيفشل في تحقيقها حتما ، لإعادة تبرئة معتدل اشتبه به ظلما ” . ” إن ابتغاء الصدق، والصعوبات التي تجعله ينتصر أجبرته على مطابقة سلوكه مع
*مارسيل بروست، جان سانتوي ، جزء 2 ، ص 318 .
** نفس المرجع ، ص 322 ـ 323 .
***نفسه ، ص 94 .
سلوك حزب قوي جدا حيث تتم مبادلة الدعم الذي يقدمه له ، لقد كان مجبرا على التخلي على الامتيازات الشخصية * . ” إن صوت جان ، ذلك الصوت الذي ينبثق من زمن حيث كان لتلك المعارضات ما يبررها ، يستخلص ببساطة غريبة عن أيامنا هذه 1 : ” أنتم تضَحُّون ، قالت ، بمصلحة الجميع ، وليس بصداقة خاصة، بل بمنفعة خاصة ، وضعكم السياسي. نعم ، مصلحة الجميع . لأن كونهم ظالمين باتجاه أبي ، فإن الصِّحافيين ليسوا ظالمين فقط . فهم يجعلون من أولئك الذين يقرأونهم ظالمين . يحولونهم إلى أشرار . يخلقون لديهم الرغبة في أن يقولوا في الغد أن أحد اقربائهم والذي كان يُظَنُّ أنه خَيِّرٌ فهو شرِّير … لدي إيمان قوي بأنهم سوف يسودون في يوم من الأيام . ثم إن هذه السيادة ستكون سيادة اللاعدالة . وإلى حين أن تصبح الحكومة ظالمة ، والقوانين ظالمة وأن اللاعدالة توجد بالفعل ، فهم يستعدون لذلك اليوم بالسيطرة بواسطة الوشاية ، الميل إلى الفضيحة والوحشية في كل القلوب * .”
ارتباط الأخلاق بانتهاك القانون الأخلاقي
تلك النبرة التلقائية المفاجئة لمؤَلِّف جعلها ضئيلة جدا . ولكن هل سيكون بإمكاننا أن نستسلم لما يبدو ، في ذلك الوقت ، أنه كان يشكل جوهر فكره ؟ يتبقى لنا اعتراف حركة أولى … لا أحد سيندهش عند قراءة هذه الجملة ، في الجزء 3 من جان سانتوي2 : ” … كم من رسائل كتبناها حيث نقول : ” لا يوجد سوى شيء واحد يعد بحق كريها ، يشوه الخليقة التي خلقها الله على صورته ،[هو] الكذب ” ، الشيء الذي يفيد ، أن الشيء الذي يرغب فيه أكثر ، وهو ألا يكذب علينا ، وليس لأننا نعتقد ذلك . ” يكتب بروست ما يلي : ” لم يعترف جان ( لعشيقته ) أنه استرق النظر إلى رسالتها عبر الظَّرف ، وبما أنه لم يمنع نفسه بالقول لها أن شابا جاء لرؤيتها ، أبلغها الخبر بواسطة شخصية شاهدتها : كذب . الشيء الذي لا يمنع أن عينيه الدامعتان قائلا لها أن الشيء الرهيب الوحيد هو الكذب ** . ” تحت تأثير الغيرة ، إن من قام باتهام جوريس يعتبر ساخرا 3 .لم يكن الصدق الساذج
*مارسيل بروست ، جان سانتوي ، جزء 2 ، ص 102 ـ 103
** نفس المرجع ، جزء 3 ، ص 143.
أقل جدارة بالاهتمام من ذلك . تعمل [رواية] البحث علىتجميع الشهادات عن نزعة مارسيل الساخرة ، التي دفعت بها الغيرة إلى أعمال ملتوية . بيد أن التصرفات المتعارضة جدا ، والتي كانت تبدو لنا في بادئ الأمر مستبعدة ، تلتئم في لُعبة . بدون وساوس ـ لو لم يكن يساورنا القلق بملاحظة محظورات قاسية جدا ـ فإننا سوف لن نكون كائنات بشرية . على أننا لن نستطيع ملاحظة تلك المحظورات بصفة دائمة ـ إذا كنا لا نملك أحيانا شجاعة انتهاكها ، فلن نملك أي مخرج أبدا . ينضاف إلى ذلك أننا لن نصبح آدميين ما لم نكذب ، إذا لم نملك الشجاعة ، في وقت ما، في أن نكون غير عادلين . نحن نتهكم على تناقض الحرب وعن التحريم الكوني الذي يدين الاغتيال ، لكن الحرب شأنها في ذلك شأن التحريم تعتبر كونية . يكون الاغتيال محملا في كل مكان بالرعب وفي كل مكان تعتبر أعمال الحرب مِقدامةً . نفس الشيء ينسحب على الكذب والظلم . صحيح أن بعض أمكنة المحظورات كانت مراقبة بصرامة ، لكن الخائف الذي لا يملك القدرة أبدا على انتهاك القانون ، الذي يصرف النظر ، يعتبر موضوعا للاحتقار في أمكنة عدة . ففي فكرة الرجولة ، ثمة صورة للإنسان على الدوام ، الذي يعلم ـ ضمن حدوده ، عن بصيرة ، لكنه بدون خوف ودون التفكير في ذلك ـ كيف يتعالى على القوانين . بخضوع جوريس للعدالة ، فإنه لن يلحق الضرر بمشايعيه فقط : فهؤلاء يعتبرونه عاجزا . ثمة جانب أخرس للرجولة يُكرهُ على عدم الإجابة إطلاقا ، على رفض التفسير . علينا أن نكون صادقين ، مترددين ، لا مبالين ، لكن في ما وراء تلك الترددات ، ذلك الصدق وتلك اللامبالاة ، علينا أن نكون أحرارا 1 .
إن الحاجة إلى انتهاك المحظور في وقت من الأوقات ، وكان مقدسا ، تكون بعيدة عن تشويه جوهره . إن من كان مفرطا في الكذب ، وكان يدَّعي ـ كاذبا ـ أن ” أفظع شيء ” هو ” الكذب ” ، كان يملك إلى حين الوفاة شغف الحقيقة . لقد عبَّر إيمانويل بورل Emmanuel Berl) (عن تاثره بذلك . ” في ليلة من الليالي ، قال ، تاركا بيت بروست ، نحو الساعة 3 صباحا ( كان ذلك أثناء الحرب ) ، أكثر إنهاكا من المعتاد من خلال حديث أنهك طاقتي البدنية ، وكذلك قدراتي الذهنية ، مُشَوَّشَ الذهن تماما ، كان لديَّ انطباع وأنا أهتدي إلى جادة أوسمانHaussmann)(الوحيدة التواجد في أقصى طرف من نفسي . كنت مرعوبا جدا ، على ما أعتقد ، بعد انهيار مأساوي في بواـ لوـبريتر(Bois – le – Prétre) . لم أعد قادرا على تحمل أي شيء ، بداية بي ، منهوكاً ، خجلاً من إنهاكي ، كنت أفكر في ذلك الرجل الذي بالكاد كان يأكل ، والذي كان الربو يخنق أنفاسه ، والنوم الذي كان يهجره ، والذي لم يكن ليواصل بالتساوي مقاومته للكذب ومقاومة الموت في وقت واحد ، دون أن يشمئز أبدا ، لا أمام التحليل ، ولا أمام صعوبة استنباط النتائج منه ، وحتى أنه كان يبذل مجهودا إضافيا سعيا منه لتبديد الغموض الكبير بعض الشيء لأفكاري .كما أن اضطرابي كان ينفرني أقل من خمولي على مكابدة ذلك … ” خلافا لذلك ، فإن تلك الشراهة لا تتعارض ، مع الانتهاك على مستوى المبدأ الذي تتوسل به . فهي مبالغ فيها كي يكون المبدأ مهدَّدا1 ، وحتى أن التردد يصبح وَهَناً . في أصل فضيلة ما توجد قوة بها نفكك التسلسل . يستخف التعليم التقليدي من تلك الطاقة الخفية للأخلاق : تكون فيه فكرة الأخلاق منفرة . فمن زاوية الفضيلة ، تمتلك الحياة الأخلاقية مظهرا لامتثالية جبانة ؛ ومن جهة أخرى ، فإن احتقار التفاهة يعتبر فجورا . يقتضي التعليم التقليدي عبثا صرامة شكلية ، مكونة من منطق صوري : إنه يحتقر روح الصرامة . كان نيتشه يحدوه الأمل ، مُدينا الأخلاق التي يتم تعليمها ، في ألا يفلت من ذنب اقترفه . إن كان ثمة أخلاق أصلية ، فإن وجودها سيكون في خطر دائم . إن الكره الحقيقي للكذب يُقِرّ ، مع التغلب على الرعب ، بركوب الخطر في كذبة معينة . إن اللامبالاة أمام المخاطرة هي خفتها الظاهرة . إنه الوجه الخفي للإيروسية مُقِرّاً بالمجازفة التي لولاها لأصبحت تافهة . إن فكرة قوانين مقدسة تستمد القوة من حقيقة أخلاقية ينبغي علينا الالتزام بها دون أن تكبلنا . ضمن الإفراط الإيروسي ، نحن نُوَقِّر القواعد التي نخرقها . توجد لعبة تعارضات متوثبة في أساس حركة متناوبة للوفاء والثورة ، التي هي جوهر الإنسان . فبعيدا عن تلك اللعبة ، نصاب بالاختناق في منطق القوانين 2 .
المتعة المشيدة على المعنى الإجرامي للإيروسية3
عن لعبة تعارضات جذابة ، يخبرنا بروست عن تجربته في الحياة الإيروسية ، مقدما مظهرا مفهوما .
لاحظ شخص ما * ، بطريقة اعتباطية ، علامة لحالة مرضية في المشاركة في الاغتيال وفي تدنيس الصورة المقدسة للأمتمام القداسة. ” بينما استبدت بي اللذة أكثر فأكثر ، كتب راوي البحث ، أحسست بأن حزنا وكآبة لانهائيين يصعدان من أعماق قلبي ؛ وقد كان يبدو لي أني كنت أعمل على جعل روح أمي تبكي … ” كانت اللذة متوقفة على ذلك الرعب . عند نقطة معينة من البحث ، اختفت أم مارسيل ، ومن دون أن يتحدث بعد ذلك عن موتها : وحده موت الجدة تمت روايته . كما لو أن موت الأم ذاتها اكتسب لدى المؤلف شعورا عميقا : فعن جدته يحكي لنا : ” بمقارنة موت جدتي بموت ألبرتينAlbertine)(، بدا لي أن حياتي كانت ملطخة باغتيال مزدوج . ” ينضاف إلى قذارة الاغتيال ، قذارة أخرى ، أكثر عمقا ، ألا وهي قذارة التدنيس . ثمة سبب معين للتوقف ** عند فقرة سدوم وعمورية Sodome et Gomorrhe)(وفيها [الفقرة] يتم التنصيص على أن ” الأبناءالذين لا يملكون دائما الشبه الأبوي يقترفون في وجوههم تدنيس أمهاتهم ” . لابد من التوقف عندها [الفقرة] لأن المؤلف يستخلص :” لنترك هنا ما يستحق فصلا مستقلا : ” الأمهات المدنسات . ” وبالفعل ، فإن مفتاح عنوان الفاجعة يوجد في المشهد حيث قامت ابنة فانتويVeinteuil)(، ولسوء سيرتها ، بجعل والدها يموت حسرة ، متمتعة بأيام قليلة بعد ذلك ، في ثياب حدادها ، بمداعبات لعشيقة سحاقية ، تبصق على صورة الميت الفتوغرافية *** . إن ابنة فانتوي التي تجسد مارسيل وفانتوي هي أم مارسيل **** . تعتبر إقامة عشيقة الآنسة فانتوي في حياة أبيها ، موازية لإقامة ألبرتين في شقة السارد ( ألبرتين ، في الواقع ، هي السائق ألبير أغوستنيلليAlbert Agostinelli)(. لا شيء تم التفوه به ، وهو ما جعل ردود فعل الأم في وضع حرج في حضور الدَّخيلة ( أو الدخيل ) . لا يوجد قارئ ، على ما أعتقد ، لاحظ عند هذه النقطة عدم اكتمال المحكي . على خلاف ذلك ، فإن المعاناة وموت فانتوي تم ذكرهما بإصرار . ترك بروست فراغا تسُدُّه فقرات حول فانتوي إذ يكون من المحزن
*أندريه فريليت ، الاغتراب الشعري . رامبو ، ملارميه ، بروست ( جانين ، 1946) .
** نفس المرجع ، ص 239 .
***سوان ، جزء 1 .
**** منذ زمن بعيد ، اقترح كل من ماريه آن كوشيه وهنريه ماسان ذلك التطابق ، الذي يمكن اعتباره مبررا .
قراءة ذلك بإجراء تعديل على الأسماء * : ” من أجل أولئك الذين هم مثلنا شاهدوا في تلك الفترة ( أم مارسيل ) تتحاشى الأشخاص الذين كانـ(ـت) تعرفهم ، تشيح بوجهها لما كانـ(ـت) تراهم ، شاخت في غضون شهور ، تسبح في حزن ، تصبح غير قادرة على أي جهد لم يكن يشكل مباشرة سعادة ( ابنها) كهدف ، تقضي أياما كاملة أمام قبر ( زوجها ) ـ فقد كان من الصعب ألا تفهم أنـ(ـها) كانت في طور الموت حزنا ، وافتراض أنـ(ـها) لم تدرك الأحاديث الجارية . ربما إنها تعرفها حتى وإن كانت تصدقـ(ـها) . قد لايكون شخصا ، مهما كانت فضيلته قوية ، لم يقو تعقيد الظروف على جعله يعيش في يوم ما في ألفة الرذيلة التي تدينها بطريقة صريحة جدا ـ دون أن تعترف بها [الرذيلة] تماما تحت قناع أحداث خاصة تحتمي بها كي تدخل في علاقة معها ثم أن تجعلها تعاني : أقوال غريبة ، موقف يتعذر شرحه ، يضاف إلى هذا أنه ، في ليلة ما ،ثمة شخص ما لها من الأسباب ما يحملها على حبه . على أنه بالنسبة لـ(امرأة) مثل (أم مارسيل ) فقد كان ينبغي عليه إدخال معاناة إضافية أكثر من [معاناة] أخرى ضمن الخضوع إلى واحدة من تلك الأوضاع التي يعتقد خطأ كونها خاصية تعتبر حكرا على عالم التشرد : إنها تحدث كلما كانت هناك حاجة إلى تخصيص المكان والأمن اللذان يعتبران ضروريين بالنسبة إليه ، شر تعمل الطبيعة ذاتها على إظهاره عند طفل … لكن مما كانت ( أم مارسيل ) تعرفه ربما عن سيرة ( ابنها ) ، فإن ذلك لا يعني أن تعلقها (به) انخفض . لا تتسرب الأحداث إلى الواقع حيث توجد معتقداتنا ؛ فهي لم تتسبب في وجود هذه الأخيرة ، لم تقوضها …” لابد من إعادة قراءة بذات الطريقة ، مانحين مارسيل ، ما منحته [رواية] البحث للآنسة فانتوي : ” … لم يكن الشر في قلب ( مارسيل ) في البداية ، على أي حال ، خاليا من الفوضى . إن ساديا مثلـ(ـه) يعتبر فنانا للشر ، وهو مالا يستطيع مخلوق شرير تماما أن يكونه ، لأن الشر لن يوجد خارجه ، يبدو له ذلك طبيعيا جدا ، حتى أنه لن يختلف عنه ؛ ثم إن الفضيلة ، ذكرى الأموات ، الحنان الابني ، وكما أنـ(ـه) لن يحوز تَدَلُّهاً من ذلك فإنـ(ـه) لن يعثر على لذة مدنسة من أجل ترجيس ذلك كله . إن الساديين من نوع ( مارسيل) هم كائنات عاطفية بحتة ، إنها جد فاضلة بشكل طبيعي حتى أن اللذة الحسية تبدو لها شيئا ذميما ،
*سوان Swann ، جزء 1 .
امتياز الأشرار . وحينما يخضعون لأنفسهم كي ينصرفوا إلى ذلك الشيء لحظة ، فهم يسعون إلى ولوج شريكهم ، بشكل يُمَكِّن من امتلاك ، في لحظة معينة ، وَهمَ الانفلات من نفوسهم المتشككة والرقيقة ، في عالم لذة غير إنساني . ” أضاف بروست قائلا في الزمن المعثور عليه : ” … زد على ذلك أنه يوجد لدى السادي ـ ولو أنه أجاد في أن يكون ، أفضل مما هو عليه ـ عَطَشٌ للشر يقوم الأشرار بفعله لغايات أخرى ( إذا كانوا أشرارا من أجل سبب معقول ) فإنهم لن يتمكنوا من إشباعه . ” وكما أن الرعب هو مقياس المحبة ، فإن العطش إلى الشر هو مقياس الخير .
إن قَروئيةlisibilité)(هذه اللوحة تعتبر فاتنة . فما يختفي فيها هو إمكانية إدراك جانب دون الجانب التكميلي . يبدو الشر قابلا للإدراك ، لكن بقدرما يشكل الخير مفتاحا له . إذا لم تمنح القوة المضيئة للخير اسودادها ، فإن الشر يفقد جاذبيته . تلك الحقيقة تعتبر صعبة . شيء ما ينتفض داخل من يدركها . ومع ذلك فنحن نعرف أن الإصابات البليغة للحساسية تنتج عن التضادات . ففي حركتها ، تتشيد الحياة الشهوانية على الخوف الذي يوحي به الذكر إلى الأنثى ، وعلى التمزق المباغت الذي هو فصل سِفَاد الطيور ( إنه انسجام أقل منه من عنف توصل ربما إلى الانسجام ، لكن بإفراط ) . بداية ، لابد من كسر ، يوجد الاقتران في نهاية الخصومات حيث يكون الموت هو الرهان . في شكل من الأشكال ، ثمة جانب محزن للحب يصدر عن تلك التحولات المتعددة . إذا كان العشق ورديا أحيانا ، فإن اللون الوردي ينسجم مع اللون الأسود الذي بدونه يصبح علامة على التفاهة . بدون الأسود ، هل يمتلك الوردي القيمة التي تلامس الحساسية ؟ فبدون ربطه [الوردي] بالتعاسة مثل ربط الظل بالضوء ، فإن لامبالاة فورية تستجيب للسعادة . إذا كان صحيحا أن الروايات تقوم بوصف المعاناة بلا نهاية ، دون تحقيق الإشباع على الإطلاق تقريبا . وفي النهاية ، فإن فضيلة السعادة مكونة من ندرتها . لينة سيتم ازدراؤها ، ضمها إلى السأم . وحده انتهاك القاعدة يعتبر سحرا لايقاوم والذي تفتقده الغبطة الدائمة .
لن يحوز المشهد الأكثر قوة لرواية البحث ( الذي تماثله بالمأساة الأكثر سوادا ) المعنى العميق الذي يمنحه إياه ما لم يمتلك رأيا مخالفا . إذا ، من أجل التلميح للرغبة ، كان اللون الوردي في حاجة إلى تضاد أسود ، هل سيصير ذلك السواد أكثر سوادا لو لم نكن في بداءة الأمر متعطشين للصفاء ؟ لو لم يكن قد شوه حلمنا بالرغم منا ؟ لا تعرف القذارة إلا بالتعارض ، عن أولئك الذين يعتقدون أن لا قدرة لهم عن الاستغناء عن نقيضها [القذارة] ، [نقيض] الصفاء . إن الرغبة المطلقة للقذارة ، التي ابتكرها ساد Sade)( ، بشكل متكلف ، قادته إلى حالة إشباع حيث كل إحساس منهك ، حتى أن إمكانية اللذة توارت . إن المصدر اللانهائي ( مشاهد الروايات الخيالية ) الذي وهبه إياه الأدب لم يستطع إرضاءه ، إن المتعة القصوى الأخيرة للحس الأخلاقي كانت تعوزه والذي يقدم النكهة الجنائية إلى الجرائم التي بدونها [النكهة الجنائية] فإنها [الجرائم] تبدو طبيعية ، بدونها فإنها تكون طبيعية . أكثر حِذقاً من ساد ، كان بروست ، بتلهفه للتمتع1 ، يحتفظ للرذيلة باللون الكريه للرذيلة ، إدانة الفضيلة . على أنه لو كان فاضلا ، لم يكن ذلك من أجل تحقيق اللذة ، وإذا ما حقق اللذة ، فإنه كان يرغب ، من قبل ، في بلوغ الفضيلة . لا يعرف الشريرون من الشر سوى المنفعة المادية . لو كانوا يسعون وراء شرالغير ، فإن ذلك الشر في النهاية ليس سوى خيرهم الأناني . لن نتخلص من البلبلة حيث يستتر الشر بدلا من فهم رابطة الأضداد ، التي لن تقوى على الاستغناء عن بعضها البعض . لقد أبرزت من قبل أن السعادة 2 لوحدها في ذاتها ، ليس مرغوبا فيها ، ثم إن الضجر يصدر عنها إذا لم يفتح اختيار التعاسة ، أو الشر ، شهيتنا لذلك . العكس هو الصحيح : إذا لم نكن نصبو ، كما كان بروست يصبو ( وكما كان ساد يصبو في العمق ربما ) إلى الخير ، فإن الشر يقترح علينا سلسلة انطباعات غير مكترثة 3 .
عدالة ، حقيقة وافتتان
عن تلك المجموعة غير المنتظرة ، فما يحصل هو تصويب الحكم المشترك ، والذي ، معارضا الخير بالشر ، يفعل ذلك بدون انتباه . فإذا كان الخير والشر تكميليين ، فإنه لا ينجم عن ذلك أي تكافؤ 4 . ليس عيبا أننا نميز سلوكات مفعمة ، إنسانيا ، بالمشاعر ، وأخرى بمشاعر قبيحة . غير أن تعارض تلك السلوكات ليس هو التعارض الذي يقابل في النظرية الخير بالشر .
إن بؤس التقليد هو الاتكال على الوهن ، الذي يدفع إلى القلق على المستقبل . يُعَظِّم القلق على المستقبل البُخلَ ؛ فهو يدين الغَفلَة ، التي تبذِّر . يتعارض الوهن المتبَصِّر مع مبدأ متعة اللحظة الراهنة . تنسجم الأخلاق التقليدية مع البخل ، فهي ترى في الجاذبية إلى المتعة المباشرة أصل الشر . تؤسس 1 الأخلاق البخيلة وفاق العدالة والشرطة . إذا فضَّلتُالتمتع ، فإني أمقت القَمعَ . إن مفارقة العدالة هو أن الأخلاق البخيلة تربطها بضيق القمع ؛ وترى الأخلاق السخية فيها الحركة الأولى لمن يرغب في أن كل واحد يكون واجبا عليه ، التعجيل بتقديم يد العون لضحية اللاعدالة . بدون ذلك السخاء2 ، هل تقوى العدالة على الخفقان ؟ومن بمقدوره القول أنها متأهبة للغناء ؟
كذلك ، هل ستصير 3 الحقيقة ما هي عليه لو لم تتضح بسخاء ضد الكذب ؟ غالبا ما ينأى الولع بالحقيقة والعدالة بنفسه عن المواقف حيث يكون هتافه هو هتاف الحشد السياسي ، لأن الحشد الذي يهيجه السخاء أحيانا ، يحصل أحيانا على ميل متناقض . غالبا ما يتعارض السخاء بداخلنا بحركة البخل ، مثلما يتعارض الشغف مع الحساب البرهاني . لن نستطيع العودة ، بغباوة ، إلى الافتتان ، الذي يغطي كذلك البخل ، على أن السخاء يتجاوز العقل ، ثم إنه يكون على الدوام انفعاليا . يوجد بداخلنا شيء عاطفي ، سخي ، ومقدس يتجاوز تمثلاث الذكاء: إن هذا الإفراط هو ما يجعل منا آدميين . سوف يكون كلامنا عن العدالة والحقيقة من قبيل العبث في عالم من الربوتات الذكية 4 .
فقط لأنه تم ترقب شيء مقدس أثارته الحقيقة لدى مارسيل بروست الغضب الذي أرعب إيمانويل بورل . قدم بورل وصفا بعبارات مؤثرة * لمشهد تم فيه طرده من قبل بروست من منزل هذا الأخير ، صائحا به : ” انصرف ! انصرف ! ” . مهيئا لمشروع زواجه ، بدا له خسرانه أمام الحقيقة . . لقد كان ثمة نوع من الهذيان ؟ ربما ، على ان الحقيقة تهب نفسها لمن لا يحبها إلى حد الهذيان ؟ أعود إلى تصوير ذلك الانفعال : ” كان وجهه ممتقعا من قبل ، كتب بورل ، لازال ممتقعا . كانت عيناه تتطايران شررا . نهض ثم ارتدى ملابسه في الحمام . كان ينبغي عليه الانصراف .فقد لاحظت قوة هذا المريض . إلى حدود هذه اللحظة فإني لم أكن متيقظا لذلك .كان شعره فاحما وأكثر سمكا من شعري ، وكانت أسنانه صلبة ، وكان فكه ثقيلا بدا أنه كان قادرا كثيرا على الحركة ، صدره ، منتفخ بفعل داء الربو بدون
*في سيلفيا Sylvia)(، ص 152 .
شك ،أنه يعمل على إبراز عرض منكبيه * .إذا كان ينبغي الشروع في القتال ، كما اعتقدت ذلك للحظة واحدة ، فإني لم أكن متيقنا من الرهان بالنسبة لي . ” تستوجب الحقيقة ـ والعدالة ـ الهدوء ومع ذلك فهما لا تنتميان إلا إلى العنيفين 1 .
إن لحظات أهوائنا تبعدنا ، صحيح ، عن المعطيات ـ أكثر فظاظة ـ عن الصراع السياسي ، لكن كيف [يمكن] نسيان أنه أحيانا ، في الأساس يعمل الغضب الكريم على تهييج الشعب . إنه شيء غير متوقع ، لكنه دالٌّ : وقد سجل بروست ذاته خاصية متناقضة للشرطة ولسخاء الشعب . عبَّر بروست ، الذي يرغب في الحقيقة رغبة ملحة ، عن رغبة قوية في العدالة ، استبدت به في وقت من الأوقات ؛ وعلى الفور تصور ” معيدا من كل قلبه من خلال غضبه كل الضربات التي تلقاها الأشد ضعفا منذ اليوم الذي علم فيه أن لصا تمت الوشاية به ، ثم محاصرته ، وبعد مقاومة يائسة ، تم أسره من قبل العملاء السريين ، فقد كان يتمنى لو أنه كان شديد البأس وذبح العملاء … **” . إن حركة العصيان ، غير المنتظرة من قبل بروست ، هزت مشاعري .فقد أبصرت فيها تقريب الغضب ، الذي يخنق التفكير الممتد ، والحكمة ، التي بدونها يكون الغضب باطلا . إذا كان ليل الغضب وجلاء الحكمة لا يتطابقان أخيرا2 ، فكيف يتم التعرف علينا في هذا العالم ؟ لكن الشذرات كانت تتواجد في الذروة : إننا ندرك الحقيقة ، مثل المتناقضات ، التي يؤلفها[الحقيقة] الخير والشر 3 .
الصفحة 259 .
بروست
1. يوجد في حوزتنا بالنسبة لهذا النص حالتان سابقتان على تحويله إلى فصل في [كتاب] الأدب والشر :
[مجلة] نقد : ظهور ملاحظة في [مجلة] نقد ( عدد 62 ، يوليوز 1952 ، ص 641 ـ 647 ، ” نظرة شاملة ” تحت عنوان الحقيقة والعدالة . وقد تمت كتابته [الفصل] بمناسبة صدور [رواية] جان سانتوي ، وقد تم إرفاق تلك الملاحظة ( ص 647 ـ 648 ) بتقرير عن ذلك النص الذي صدر بعد وفاة بروست الذي نعيد نقله أدناه .
مخطوط . : مخطوط الأدب والشر ( صندوق 3 ،13، 100 ـ 119 وباتاي هو واضع الصفحات ، من 1 إلى 19 .
نص التقرير :
مارسيل بروست . جان سانتوي . تقديم أندريه مورواAndré Maurois)(. غاليمار ، 1952 ، 3 مجلدات . in – 16.
حينما ظهرت فصول ، تم سحبها من جان سانتوي ، أولمرة ، في المائدة المستديرة La Table Ronde)( ، كان من الصعب ألا يصاب المرء بالخيبة من خلال مُسَوَّدات في حالة سيئة حيث سنعثر على العديد من العناصر الشكلية ل[رواية] البحث ، ولكن لا شيءتم عمله ، بفتح عدد لانهائي من المنظورات المتحركة ، باختصار دون أن تقوم للـ”تواصل” قائمة . من رواية البحث إلى القارئ ، يمر تيار خاطف ، ودي ولطيف ، يصل إلى التواطؤ : تخبرنا جان سانتوي أحيانا بأحداث بعينها ، لكنها لم تفعل شيئا : إننا ندرك تلك الأحداث الآن مثل كاتب مُمِلٍّ ومستعجِل يعمل على نشرها ، إنها لا تؤثر فينا على الإطلاق ، فنحن لا نستخلص منها سوى حقيقة صادمة ، وهي [حقيقة ] عجز المؤلف . يوجد في انتشار تلك الصفحات الأولى ، ما يعطي تبريرا لأولئك الذين كانوا يتساءلون : ” ألم يكن ينبغي العمل على نشر هذا العمل المهمل ، وهو على ما يبدو منذور للتلاشي ؟ ”
لا يبدو لي أنه في غياب تعليمات مكتوبة ، أن الفكرة المسبقة في رفض الكتاب للعموم كانت بشكل ما مبررة . ففي الموت ثمة إهمال كلي ، وبعيدا عنه ثمة نوع من المجازفةيتم عبوره إلى المجال العام وهو ما يتبقى من المجال الخاص : دون الحديث عن نزوات الورثة ذوي النفوذ ، فمن يقرر حينئذ ـ في غياب المؤلف ـ هو فضول القراء المحتملين ، الذين كل شيء ينهار تحت تصرفهم . ثمة شك بسيط حول دوافع كافكاKafka)( سوغ نشر رواية القضية ورواية القصر . وكأي شخص آخر ، أتصور رغبة المؤلف الجامحة بخصوص فكرة عمل ناقص ، مهما يكن من أمر غير مكتمل ، مدعاة مع ذلك للسخرية. على أنه إذا لم يتم التعبير بوضوح وبشكل صريح عن هذا الإحساس ، فلا أحد له الحق في إصدار حكم عليه . إن ما لا يستطيع كاتب معين ـ شخصية عامة ـ هو نفسه حجب ما هو خصوصي على فضول الحشد ينتمي إلى الحشد . إن البشرية جمعاء تجد في الموت الحق في المراقبة الذي تخلت عنه في أثناء الحياة ، لكن بشكل مؤقت ، ودون أن ننسى إطلاقا أن كل ما هو إنساني ، حتى ولو كان خاصا ، يشكل محركا لها . لو شاء الجمهور لترك جان سانتوي يتهاوى ، بيد أن الناشرين كانوا أحرارا في بناء قرارهم على تقدير متعارض . كل شيء يدل على أنهم كانوا على صواب . ومع ذلك فإن المقاطع المخيبة للأمل للمائدة المستديرة لم تكن تمتلك فائدة فقط ، لكنها بالتأكيد لا تقدم مقياسا لجان سانتوي، ماعدا للإمساك به في إطاره العام ، ينبغي اعتباره على ماهو عليه : إن كتابا ما يكون لاعتبارات كثيرة مثيرا للإعجاب .
زد على ذلك ، إنه لا يبدو أن تلك المسودات سوف تنجح في أن يتم تنقيحها . لاريب في أن مجمل المحكي كانت بدايته سيئة ، في إطار متصلب ، حيث لم يكن بروست قادرا على إيجاد رفاهية لامثيل لها تفتح التواصل الدقيق مع رواية البحث . لميتم حقيقة تبديد معطيات الملاحظة في الملاحظة ، إنها تختلف عمن يفحصها ، لا تتطابق معه . علينا ، فيما بعد ، إنجاز العمل : نحن من سيقوم بإخفاء الصور التي تم استخراجها من المحكي ، إعادتها إلى الحياة حيث إن قلة خبرة المؤلف قامت بفصلها . إن ذلك ليس بالهين ، لكن المعرفة المألوفة لرواية البحث عن الزمن الضائع تقدم لنا يد العون ، ومن المشكوك فيه أن المؤلف نفسه توصل إلى ذلك ، إذا لم يكن أولا قد تخلى عن نص حيث الأشياء تتعقد ، بسبب شكل مبتذل ، تم تلقيه من التقليد .
وهذا صحيح ، حتى في مجمل جان سانتوي . على أن ذلك في تناقض مستمر كلما تطور المحكي . وهو على الأرجح يشكل الفائدة الكبرى للكتاب ، حيث نجده على شكل مجمل على طول بداية رواية البحث ، يبرز لنا مبتكرا ذلك المنهج الذي هو مثل تدمير للموضوع حيث تكلم عن الذات التي تتكلم ، وعن تحرير تلك الذات . ثمة فقرة أقل إثقانا في أسلوب أكثر تحجرا ( 3 ، ص 298 : ” التمس دوق duc)(ريفايونRéveillon )( من جان الذهاب لزيارة م. سيلفان باستيل M.SylvainBastelle)( ، الكاتب الشهير وعضو الأكاديمية الفرنسية ” ) يقدم لنا على الأرجح مظهرا أكثر تحديدا لنشأة ذلك المنهج ، الذي هو بالضبط الـ”بحث” . ” أكثر فأكثر يمثل الواجب أمام ناظريه الالتزام كي يكرس نفسه للأفكار التي قد تكتسح في يوم من الأيام بكثرة فكره . أو بالأحرى لن يكون باستطاعته القول أنها بالضبط كانت أفكارا ، على أن سحرا ما كان موجودا بداخله ، نوعا معينا حاول صونه بدلا من تعميقه . صونه إلى اللحظة حيث ،جالسا في غرفة حيث لا أحد يزعجه ، كان يتوجب حينئذ الكشف عن تلك الفكرة التي بدت له فقط محتجبة من خلال صورة غامضة ، فإما بعد ظهر يوم حار في حديقة صحبة سوسنات تبرز من حوض في الظل ، أو أمطار شديدة البرودة تتساقط على المدينة ، وإما …” بيد أنه لم يخطر ببالي ، في بضعة أسطر ، أن أفعل أكثر من أن أقدم ، كي أبدأ ، الخلاصة الأكثر غموضا لهذا العمل الذي ظهر متأخرا عن الموت ، ترك صناديق بمحل تخزين الأثاث .
2 . العناوين الفرعية ، باستثناء [العنوان] الأخير الذي كان ينبغي إضافته إلى لمسودات المطبعية ، هي من إضافة المخطوط .
3 . [مجلة]نقد .والمخطوط . : يحسان بشعور غريب .
4 . نقد . : قرأت في كتاب يعتبر من بين [الكتب] الجديرة بالاهتمام : ” إنه
صفحة 260 .
1 . نقد . : حوالي عام 1900 نلاحظ في الوقت الراهن ، أن الأمور ليست واضحة وضوحا كافيا . ربما إنه لدينا نفس الهوى ، لكننا نعلم جيدا تسليط الضوء على ما يقتضيه [الهوى] ، إننا نثير مشاعر مختلطة . لن يكون من السذاجة الاعتقاد بكون تلك الصعوبات جديدة والتي غالبا ما نظل أمامها واقعين في حيرة .
2 . نقد . : عن أهميةالقضايا المطروحة في السياسة ، في صلب بروست ،بروست الشاب على الأقل .
3. نقد . : على المستوى السياسي ، بريء … مهَرَة، دُهاة في السياسة ، لن نستطيع استخلاص أي شيء لافت للنظر . في النهاية ، استسلم بروست لنوع من اللامبالاة
صفحة 262 .
1 . نقد . : ولكن لنعد مرة أخرى إلى ذلك الوقت حيث كانت تلك المعارضات في طراوتها ، صوت جان ـ الذي ـ ممزقا ، لا يستسلم للانفعال الذي يحتفظ به لصديقه ـ يختم بسذاجة أن سير الأحداث يسترعي الانتباه في الوقت الراهن :
2 . في نقد . تبدأ الفقرة هكذا : فما لا يمكن أن يكون موضوع نقاش ، أننا لا يمكن أن نسمح لأنفسنا تماما الانشغال بتلك المشاعر ثم السخرية من أنفسنا ومن الآخرين ، قائلين أن الحقيقة والعدالة هما وحدهما تعتبران محط تقدير واعتبار . نحن نعرف ذلك ، سوف يتحول ذلك إلى شيء مثير للضحك : سيندهش وهو يلاحظ في الجزء التالي ، بروست ، أكثر إخلاصا ، يؤكد :
3 . نقد . : عن السخرية البغيضة . المخطوط . سخرية مكدرة .
صفحة 263 .
1 . نقد . : إنه بالرغم من اهتماماتنا ، من أمانتنا ولامبالاتنا ، ينبغي أيضا أن نكون سادة : حتى أنه يمكن القول ، ولو إني لم أقدمه بخصوص قصة بلهاء نوعا ما ، أن شرحي يعتبر بئيسا …
صفحة 264 .
1 . نقد . مُهَدَّدَةٌ وحتى وإن كان ثمة تردد ، سوف يكون تردد كائنٍ فزع ، سيكون بعمق ، فاسدا بواسطة خمول لامجال للتشكيك فيه .
2 . في مجلة نقد . ، تعتبر نهاية الفقرة نهاية مختلفة : إن فكرة قوانين ينبغي ملاحظتها ، وإسنادها من خلال قلق وهمي ، تستمد فعلا قوتها من حقيقة أخلاقية ينبغي أن يكون مرغوبا فيها وليست موروثة . كذلك فإن على الإيروسي ، بمعنى مغاير ، أن يتقيد بالقاعدة التي انتهكها . ثم إني لو أحببت الحقيقة ، إذا كرهت الكذب ، فإنه يتوجب علي الإحساس بقوة ذلك العشق كاذبا ، لو إني تمكنت من قهر خوفي الذي لا يقهر في الكذب مرة واحدة دون ارتعاش .
3 . تصدر هذه الفقرة عن مقال آخر لـ[مجلة] نقد ( ” مارسيل بروست والأم المُرَجَّسَة ” ، عدد 7 ، دجنبر 1946 ) الذي خصص ، من بين دراسات أخرى ، لدراسة الدكتور أندريه فرليهAndré Frelet)(أشير إليه في الصفحة التالية .
صفحة 267 .
1 . مخطوط . : حركة خشنة ،
2 . مخطوط : أن الخير ، أن السعادة
3 . في المخطوط . ، تشير الكلمة إلى هذه الملاحظة التيطالها المحو : لم أستطع ، في إطار هذا العمل ، تأمل الشر ، بشكل منفصل ، الذي هو التفاوت الإيروسي وأنه من الممكن تسمية الشر في ذاته . مؤقتا ، أرغب في التأكيد على أن الشر في ذاته هو الأكثر تمثيلا في الإيروسية . إذا كان الأمر يتعلق بالشر الأناني ، فإنه لامعنى له مادام لايتداخل مع الانحراف ( الذي يتواجد بشكل دائم ، في النهاية ) .
4 . مخطوط . : معادلة لكل ماهو موجود .
صفحة 269 .
1 . مخطوط . : جذورالشر .أن هذا المبدأ جدير بالاهتمام : إن الأخلاق البخيلة هي التي تشيد
2 . بداية هذه الفقرة مختلفة في مجلة نقد . ؛ سنعمل على إعادة صياغتها : إن بؤس الأخلاق على الدوام يكون متهما مع الوهن : ليس ذلك الوهن ، حقيقة ، الذي ينتج عن الطيش ، بل وهن الاحتراس ، النظام السقيم أو [نظام] البخل . ثمة أخلاق للبخلاء ـ أخلاق تقليدية ، أخلاق بورجوازية ـ يؤسسها وفاق العدالة والبوليس ، تلطف العدالة من الوحشية التي تستعملها . إن مفارقة العدالة هو أنها ترتبط بعمق بالعقاب البخيل في حين أنه يتم إعطاء الحركة الأولى في الاستقامة السخية لمن لا يريد شيئا أكثر من حقه والذي يسارع وراء ضحايا اللاعدالة . بدون ذلك السخاء العميق ، كيف يمكن للعدالة أن تكون
3 . نقد . والمخطوط . : ستكون كل ما هي عليه
4 . أجري تعديل على الفقرة الثانية بالنسبة لـ[مجلة] نقد . الذي أعطى : إذا لم تتأكد بسخاء ضد النذالة التي سيمثلها الكذب . ستصبح الحقيقة ما أتحدث عنه ، لو لم تكن أهلا للتعارض مع الكذب ، بمعنى [التعارض] مع نذالة كل الآخرين . زد على ذلك أني أعتقد أن الافتتان الأكبر بالحقيقة والعدالة غالبا ما يكون بعيدا عن تلك المواقف حيث صراخهما الزلق هو صراخ الحشد السياسي . لا يمكن رد العدالة أولا إلى ذلك الجزء الذي يتعذر تخفيضه بداخلنا حتى ولو أننا ذرفنا الدموع ، حتى أنه يرغب في أن نبكي ، أن نتعرف النشوة العنيفة للدموع ، عندما نعرف أن الكل يضطهده ويتحالف من أجل اختزاله . فإذا لم يكن للإنسان بداخله هذا السمو المرعب ، هذا المقدس ، لماذا يتوجب علينا ، الانشغال به وبالأضرار التي ينقلها له الآخرون ، أكثر مما لو كان أرنبا أو كلبا . إن لم يكن لمنفعة وسخة ، فلن يكون هناك ما يجب فعله بالعدالة أو بالحقيقة في عالم من الربوتات الذكية .
إنه فقط
5 . نقد . :الصورة البشعة
صفحة 270 .
1 . نقد . : هو أن الحقيقة ، شأنها في ذلك شأن العدالة ، لو كانت تفرض الهدوء ، فإنها لن تخضع سوى للعنيفين .
2 . مخطوط . : لو أن هذا الجحيم من التيه ( والضيق ) وسماء الضخامة لن تلتقيا مجددا أخيرا ، كيف
3 . تنتهي ملاحظة نقد بشكل مختلف :ذبح العملاء السريين… ” لكن وكما أن الافتتان ينخرط هنا في مجال ملتو لعالم سياسي ( بدلا من البحث كما هو الحال في مكان آخر إلى حد أقصى ممكن ) ، كان يجب عليه فورا ملاحظة أن كل شيء يزداد ثقلا ، أن يفهم أن مقاومة ما حيث يفرض القانون إنكار إنسانية العدو أن ذلك يكون على الدوام جزئيا هزءا من الدافع إلى المقاومة . لذلك فقد أضاف : ” … دون التفكير في أن أولئك العملاء السريين ، الكريهين بالنسبة إليه لأنهم كانوا أشداء وكان عليهم أن يضحكوا من إصابتهم ، وقد كانوا أيضا في موعدهم أشد وهنا أمام موت ابنتهم أو أن طعنة السكين التي غرزها لص ما في قلوبهم ” . كلام امرأة … بدون شك ، غير أن الحكيم ، في نهاية المطاف ، ألم يكن هو الرجل الذي يكون مرتاحا في ذهن الكائن الأكثر بساطة ؟
ــــ
مصدر النص :كتاب”الأدب والشر”ضمن أعمال جورج باتاي الكاملة. الصفحات : 259 ـ 270 .
هوامش فصل ” بروست ” الصفحات : من 462 إلى 466 .




