المجلة الثقافية الجزائرية

منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم؛ سورة البقرة نموذجًا”

منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم؛ سورة البقرة نموذجًا”… كتاب فريد 

دكتور خالد عزب 

صدر كتاب فريد للدكتور صابر مولاي أحمد وهو باحث مغربي عنوانه “منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم؛ سورة البقرة نموذجًا”. يدور حول فكرة عامة مفادها، أن القرآن يتضمن اعترافا “مصدقا” بما سبقه من الكتب، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾ (الأعلى) ولم يتوقف القرآن عند الاعتراف “التصديق” دون أن يربطه بوعي منهجي مفاده، أنه كتاب “مهيمن” على ما سبقه من الكتاب، وأنه خطاب للناس جميعاً ورسالة عالمية وكونية، وليس حكراً على أحد دون آخر. ويشير المؤلف هنا بأن مصطلح الهيمنة، حاضر ومتداول بشكل كبير في العلوم السياسية، فنقول الهيمنة الأمريكية أو الهيمنة الأوروبية، بمعني سيطرة مجموعة على أخرى، أو سيطرة دولة على مجموعة من الدول.فمفهوم الهيمنة في القرآن بعيد كلّ البعد عن مفهوم التسلط والسيطرة والتَّحكم، وقريب من مفهوم الائتمان والرحمة والاعتراف، فالله عـز وجل احتفظ لنفسه بفعل الهيمنة، فلا مهيمن قبله ولا بعده، لكن خص القرآن فقط بهذا الوصف دون غيره من الكتب التي سبقته، بينما وصفة التصديق يشترك فيها القرآن مع ما سبقه من الكتاب قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)﴾(الصف).

فمفردة “مهيمن” وردت في القرآن مرتين: المرة الأولى: جاء اسما لله عز وجل، قال تعالى: ﴿الملكالقدوس السلام المؤمن المهيمن﴾ (الحشر/23)؛ أي الكمال لله في القدرة والفعل والتصرف، وهو المؤتمن على كل شيء. والمرة الثانية: جاء وصفا للقرآن الكريم قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾ (المائدة/48). فمفهوم الهيمنة يدور في مدار الرحمة والائتمان والاعتراف، فالله جل وعلا برحمته الواسعة مؤتمن على كل شيء في الوجود بأكمله، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف/156). كذلك هو القرآن مؤتمن على ما سبقه من الكتاب بفعل هيمنته التي تتضمن الاعتراف والحوال مع ما سبقه من الكتاب بغاية إظهار وتجلية النور الذي تتضمنه الكتب السابقة عنه، وقد بينت، من خلال كتاب “منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم سورة البقرة نموذجا”، كيف يمكن من خلال هذا المنهج فهم الكثير من المواضيع في علاقة القرآن بما سبقه من الكتاب. 

 

الكتاب ينطلق أيضا من أن الزمن الذي نحن فيه اليوم يتصف ، بالعلمية وإعمال العقل في فهم كل شيء، إلى درجة يصح القول معها بأن زمننا هذا قد بلغ أعلى درجة من العلم والمعرفة، بما حدث فيه من نظريات وثورات علمية وتكنولوجية وإعلامية وغيرها في شتى مجالات المعرفة، وعلى الرغم من كل هذا ولأنالإنسان كائن يتصف دون غيره بصفة التدين يجد نفسه اليوم، أمام نصوص دينية متعددة، وعلى رأس هذه النصوص الدينية المتعددة تأتي النصوص الدينية التي تنتمي للديانات التوحيدية؛ أي الديانة اليهودية والديانة المسيحية والديانة الإسلامية.

ومن المعلوم كما يذكر الدكتور صابر مولاي أن الرسالة الإسلامية ناسخة لما سبقها بفعل تصديق وهيمنة القرآن على ما سبقه من الكتب السماوية؛ أي التوراة بالنسبة للديانة اليهودية (العهد القديم) والإنجيل بالنسبة للديانة المسيحية (العهد الجديد) هذا فضلا عن كون القرآن الكريم دون غيره من الكتب الدينية الأخرى، يكتنز بداخله الكثير من المداخل المعرفية المفتوحة على الكون والإنسان، والتي تجعله يرقى ويلتحم مع خصوصيات الزمن المعرفي الذي يظللنا اليوم وما بعده لقوله تعالى: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)”؛ فقضية الظهور هذه لا تنحصر في زمن النزول فقط بل تمتد إلى ما بعده كما يؤكد المؤلف ، فاليوم نعيش حالة ظهور أخرى للهدى ودين الحق، والحق واحد غير متعدد، فبه خلق الكون بأكمله وبه نزل القرآن، فالعلماء والمتخصصون في العلوم الكونية يرتقون لفهم وكشف أسرار كثير من الحقائق قد أشار لها وذكَّر بها الكتاب المنزل (القرآن) من خلال آياته وسوره، وهذا الانسجام والتكامل بين أسرار الكون وأسرار الكتاب المنزل، من المستبعد جدا أن يحصل مع كتاب آخر غير القرآن. هنا المؤلف ينبه إلي أن حالة الظهور هذه لا تعني إقصاء ونفي الديانات الأخرى، بقدر ما هي دعوة لتحري الحق والسعي نحوه، وقد حسم القرآن هذا الأمر بقوله:” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” فضلا عن أن آيات الله تتجلى في الآفاق والأنفس بينة وظاهرة لمن تحرى الحق قال تعالى: “سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (53)”.

كما أن حالة ظهور الهدى ودين الحق، لا تنحصر في مجال معرفي واحد، بل تشمل مختلف حقول المعرفة مما يتطلب من الدارسين والمختصين في شتى التخصصات العلمية النهوض بها، بقصد جلب الهدى والرشاد للناس جميعا من الكتاب المنزل (القرآن) ومن ثم فهذا البحث يحفر في زاوية معرفية تلتصق في فهم العلاقة التي تربط القرآن بما قبله من الكتاب، وهي زاوية تنتمي لعلم مقارنة الأديان.

البحث الذي نحن بصدده والموسوم بعنوان “منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم، سورة البقرة نموذجا” للدكتور صابر مولاي أحمد يسلط الضوء بشكل منهجي على ما هو وارد داخل البنائية القرآنية حول موضوع منهج التصديق والهيمنة، وهو منهج قد أسسه القرآن من خلال سوره وآياته، ليضبط العلاقة بينه وبين الكتب السماوية التي سبقته، وقد جاء الحديث عن هذا الموضوع بشكل مباشر في سورة المائدة يقول تعالى: “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(48)”، ولهذا فالوعي بالأبعاد القرآنية للموضوع الذي نحن بصدده الذي يطرحه الدكتور صابر ، يعد في الوقت ذاته وعيا بماهية القرآن وبما يتصف به من الخصوصيات عن غيره من الكتب التي سبقته . 

فمن لم يحط بالتصور الكلي الذي يضمه القرآن حول موضوع التصديق والهيمنة سيفوِّت على نفسه فهم العلاقة المنهجية التي تربط القرآن بالكتب السماوية التي سبقته، وقد ينظر إلى القرآن الكريم مثله مثل باقي الكتب المقدسة له ما لها وعليه ما عليها، كما أنه يفوت على نفسه فهم ما قام به القرآن من الاسترجاع النقدي والبناء لكثير من المواضيع التي تضمها الكتب المقدسة، والاسترجاع هنا ليس من باب الاسترجاع نفسه، بل من باب تثبيت الحق والصواب الذي تضمه تلك الكتب السماوية، ونفي ما لحقها من الزيادات والتبديل عبر التاريخ.

إن جوهر موضوع التصديق والهيمنة يكمن في كون القرآن هو الكتاب الشاهد والمستأمن على الكتب المقدسة، أي ما قبله من الكتاب، ولهذا فمن التعسف بما كان أن يتم النظر إلى ما تضمه الكتب المقدسة اليوم بمعزل عما يضمه القرآن الكريم حول كثير من المواضيع وهي مواضيع تعني الناس جميعا مثل، الحث على القيم العليا والفضيلة، من خلال التذكير بتاريخ الأنبياء والرسل وما كانوا عليه من الحق والدعوة إليه، ومثل قصة الخلق وموضوع الاستخلاف، وهو موضوع يعني الناس جميعا. ونؤكد هنا بأن الإعراض عما يضمه القرآن من هذه المواضيع وغيرها والاكتفاء بما هو وارد في الكتاب المقدس، يعد خروجا عن الفهم الصواب وعن الحقيقة التي يصبو إليها الناس جميعا، كما أن فهم وتفسير ما قال به القرآن حول هذه المواضيع وغيرها من خلال ما هو وارد في الكتب المقدسة، يعد تضييعا للهدى والحق الذي يكتنزه القرآن الكريم، ومما سبق تأتي أهمية الكتاب .