المجلة الثقافية الجزائرية

ابنُ بابين لا يُغلقان:

وليد الأسطل

حين يطوي الليلُ مفاتيحه، أخرج من صدفةٍ خبّأها البحر في خاصرة وهران، ومن حجرٍ ظلّ الكرمل يدفئه بكفِّ الرعاة.

لم يكن لاسمي شطران؛ كان غصناً يتعلّم سرَّ الشجرة، كلما انكسر في ريحٍ أتمَّ أوراقه في الريح الأخرى.

في الأزمنة التي كانت تانيت تُسرِّح ماءها بضوء قمرٍ كنعاني، لم تكن الأرض قد عرفت أسماءها.

كانت الجبال تُعرَف بما تحفظه من صدى، والأنهار بما تنساه في أفواهها، وكانت الآلهة تترك تيجانها عند عتبات الأشجار، لأن الظلَّ أقدم من العرش.

رأيتُ نوميديا تُميل جبينها إلى القدس، لا كأختين، بل كنهرٍ تذكّر منبعه بعد آلاف المصابّ.

وكان البرق يمرّ بينهما دون أن يحرق شيئاً، كأنه يعرف أن النار أيضاً لها رحم.

في دمي زيتونةٌ تحفظ صدأ الحديد أكثر مما تحفظ لمعانه، وفي دمي نخلةٌ إذا رأت الثلج تذكّرت رمالاً لم تبرحها قط.

حتى الدم، حين يضيق بمجازاته، يصير ماءً يبحث عن إنائه الأول.

كلما وقفتُ أمام المرآة، خرجت العنقاء من زجاجها، ونفضت على الأطلس رماد أعمارٍ لم أعشها، ثم حلّقت حتى أسوار عكّا.

وكان كلُّ ريشٍ يسقط منها يتحوّل إلى لسان، وكلُّ لسانٍ ينسى القبيلة، ويتذكّر الجرح.

قال الأطلس، وهو يبدّل كتفيه تحت دوران السماء:

إن الأثقال لا تهزم الجبال، وإنما يهزمها أن تنسى الحجر الذي بدأت منه.

ورأيتُ جلجامش يعبر الصحراء، لا يحمل سيفاً ولا يبحث عن خلود.

كان ينحني كلَّ مساءٍ فوق حفنة تراب، كأن الحياة كلّها ليست سوى محاولةٍ يتيمة لأن يتعرّف التراب إلى صاحبه.

لم تكن فلسطين أمامي، ولم تكن الجزائر ورائي.

كانتا تمشيان في دمي كما تمشي النجوم في ماء البئر؛ لا تصل إليه، ولا تغادره.

لهذا لا أبحث عن اسمٍ يجمعهما.

الأسماء تضيق إذا اتسعت الأرواح.

أمشي، فتخرج من آثار قدمي أشجارٌ لا يعرف الحطّابون من أيِّ غابةٍ جاءت.

وإذا مرّت الريح بين أصابعي، حسبتني غصناً أفلت من شجرة الخليقة، فأقامت أعشاشها في كفّي، ومضت دون أن تسأل الأرض: لمن هذا الظلّ؟

من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”.