المجلة الثقافية الجزائرية

متى تمنحنا الحياة بهجتها؟

 د/ محمود حسن محمد

 

     سؤال يبدو بسيطا فى ظاهره ، لكنه فى العمق يشبه مرآة واسعة نقف أمامها كل يوم ولا نجرؤ على النظر فيها طويلا ، نظن أن البهجة حدث خارجى ، جائزة مؤجلة ، ظرف سعيد سيأتى من بعيد ، كأن الحياة مدينة أخرى ، ونحن نعيش فى محطة انتظارها.

      نربط الفرح بما لم يتحقق بعد ، بالنجاح القادم ، بالحب الذى لم يكتمل ، بالمال الذى لم يصل ، ثم نندهش : لماذا تمر الأيام ، ونحن نؤجل ابتسامتنا إلى إشعار آخر .

       الحياة لا تمنح بهجتها لمن يطاردها ، بل لمن يتوف قليلا عن الجرى ، البهجة ليس فى كثرة ما نملك أصلا ، بل فى قدرتنا على الإحساس بما نملك أصلا ، نحن نعيش فى وفرة من النعم ، لكننا مصابون بعمى الاعتياد ، نرى الاشياء كل يوم حتى نفقد دهشتها ، نستنشق الهواء دون ان نشكر خالقه ، نفتح أعيننا صباحا دون أن ندرك أن الاستيقاظ نفسه معجزة صغيرة.

     نعتقد أن البهجة تحتاج ظروفا مثالية ، بينما الحقيقة أن الظروف لا تكون مثالية أبدا ، الحياة تمنح بهجتها فى أكثر لحظاتها عادية…فى فنجان قهوة هادئ ، فى ضحكة صادقة ، فى كلمة طيبة تصل فى وقتها ، فى لحظة صمت نشعر فيها أننا مازلنا أحياء من الداخل …

   البهجة ليست ضجيجا بل سكينة ، ليست انفجارا ، بل اتساعا داخليا يجعل القلب أخف من أثقاله.

     كلما حاول الإنسان أن يمتلك الحياة أفلتت منه ، وكلما استسلم لها بمعنى القبول لا الهروب ، اقتربت منه …القبول هنا ليس رضا بالضعف ، بل تصالح مع النقص ، مع كوننا كائنات غير مكتملة ، نخطئ ، نتعثر ، ، نتأخر ، ثم نكتشف أن الجمال الحقيقى لم يكن فى الوصول بل فى سر الانطلاق نفسه .

     الحياة تمنح بهجتها حين نتوقف عن مقارنة أنفسنا بمسارات الآخرين ، المقارنة تسرق المعنى من كل انجاز ، وتحول النعمة إلى شعور دائم بالنقص …

     لكل انسان توقيته الخاص ، إيقاعه الداخلى ، دروسه التى لا تشبه غيره ، من يفهم هذا ، يعيش اخف ، ويحب أعمق ، ويفرح دون شعور بالذنب .

      وتمنحنا الحياة بهجتها حين نتصالح مع اللحظة الراهنة ، ليس لأن اللحظة مثالية ، بل لأنها الوحيدة التى نملكها فعلا ، الماضى ذكرى ، والمستقبل فكرة ، أما الآن فهو الحقيقة الوحيدة التى تتنفس ، من يعيش فى الماضى يعيش أسيرا ، ومن يعيش فى المستقبل يعيش قلقا ، ومن يعيش فى الحاضر يعيش حرا

       البهجة ليست فى إزالة الألم من حياتنا ، بل فى قدرتنا على تحويله إلى معنى ، الألم حين يُفهم يتحول إلى وعى ، وحين يُقاوم يتحول إلى جرح ، كثير من الناس لا يعانون من الألم ذاته ، بل من مقاومتهم له ، من سؤالهم المستمر : لماذا أنا ؟ بدلا من سؤال أكثر عمقا : ماذا يريد هذا الألم أن يعلمنى ؟

       الحياة تمنح بهجتها لمن يخفف حمل التوقعات ، من يتوقع كثيرا يصاب بخيبة كبيرة ، ومن يفتح قلبه لما ياتى كما ياتى ، يكتشف أن الواقع أرحم مما تخيله الخيال ، التوقعات العالية تصنع فجوة بيننا وبين الواقع ، والقبول يصنع جسرا .

       وفى النهاية ، ربما البهجة ليست شيئا ننتظره من الحياة ، بل شيئا نمنحه لها ، حتى نكون أكثر حضورا ، أكثر امتنانا ، أكثر قدرة على الحب دون شروط ، تصبح الحياة أكتر معنا كأنها مرآة : تعطينا على قدر ما نعطيها .

       الحياة لا تمنح بهجتها فى يوم محدد ، ولا فى لحظة استثنائية ، بل فى اللحظة التى نقرر فيها أن نعيش حقا ، لا أن نؤجل حياتنا إلى حياة أخرى …حين نفهم أن البهجة ليست وجهة …بل طريقة سير .