المجلة الثقافية الجزائرية

يا ليت للحزن جسدا حتى أكفنه وأواريه التراب…!

عزيز لمتاوي

إلى أمي…

    عُدت نهاية الأسبوع الماضي إلى بيت العائلة الكبير بعد أن قضيب أياما مع أسرتي الصغيرة بالرباط… لقد انفض الجمع يا أمي، وعاد كلٌّ إلى حال سبيله، وبدأت دورةُ الحياةِ العاديةُ من جديد بمواضعاتها القاتلة كالجمر فوق الجبين، وبسُلطها التي توهمنا بأننا نختار سُبل الحياة دون وطأة القدر أو ثقل الوصايا المدونة في دساتير الأمم والدول. دخلتُ إلى المنزل. ثمة فراغ قاتل وصمت رهيب. حديقة المنزل حزينةٌ، وأشجار الزيتون شاخت، وشجرة الرمان التي غرستها بنفسك تتمايل مزهوة بورودها الحمراء، وتلك النخلة التي انبثقت من نوى ثمرة من ثمار حملتِها معك ذات حَج وألقيتِ بها فوق التراب ما تزال تقاوم شحَّ الأرض. غرفتك تبدو من باب المنزل الرئيس. بابها مشرع. لا حركة. وهذا الصمت الرهيب. لا صوتك يناديني كي أستحت الخطى إلى عناق صادق وإلى دفء صدر حنون. ولا صوت إحدى شقيقاتي وهي توجه الكلام إلى والدتي: ” مِّي، هَا هُوَ خوكْ جَا…”، وفي فرح طفولي وجنون مقبل على الحياة كانت تبرز لحظتَها ابتسامة من وجه أنهكه طول المرض… لقد صمَت كل شيء فجأة يا أمي. تغير كل شيء، حتى حركة الزمن وهذا المساء. ألمْ أقل لكم، إنها امرأة لن تكرر… وإنها بالفعل حب لا يشيخ…

    انخرطت في عناق مع شقيقاتي اللواتي كان الحزن باديا عليهن، وقد انزوت كل واحدة منهن في ركنٍ من أركان غرفة الاستقبال الكبيرة بطابق المنزل السفلي تُقلبن دفتر الأيام. هن اللواتي قضين وقتا طويلا مع والدتي منذ أن لزمت الفراش. يعرفن تفاصيل المرض اللعين، ويحفظن عن ظهر قلب وصايا الأطباء والمعالجين والطرق الحزينة المؤدية إلى هذه المصحات التي تغتالنا بالابتسامة حين استقبالها لنا زبناءَ تجارةِ الموتِ… هن يعرفن أروقة هذه المصحات ومكر الزمن الغادر ويحفظن الأدوية ومواعيد تناولها وأوقات قياس الضغط ودقات القلب ومستوى الأوكسجين في الدم… يعرفن حتى درجات الحزن والمواساة ولا يتكلمن. لقد حولن حجرة النوم إلى غرفة مصحة مجهزة… هن الأخريات قاومن المرض بشراسة النساء القويات… هن الآن وحيدات يتأملن مكر الزمن ومكر الآخرين، ويستعدن شريط الذكرى… يبكين حين يتذكرن لحظات الألم… ويبتسمن حين يتذكرن ابتسامتها أو مشاكستها لهن ضاحكة وهي في عز الألم… أي حب هذا الذي يقتل؟ وأي حزن هذا الذي يُحيي؟ وأي مساء حزين هذا الذي يشقى بعد موتك؟ لهن أقول شكرا لأنهن صُنَّ الجسد والروح والوصية التي تركتِها لهن…

    ها الشِّعر يا أمي عاد يطرق بابي من جديد بعد أن هجرتُه وهجرني منذ أمد بعيد… منذ أن أحرقت قصائدي الأولى كي أبدأ من جديد:

معكِ

غدوتُ طفلا

وشابا يُرتِّب قصائد الحب

يجمع وُرودا لك

يَنثرها فوق قبرك 

يرسمها كلمات

وأغاني للعشاق.

ها أنا الآن قد غدوت قطعا متناثرة

فأعيدي ترتيبي من جديد

لأستحيل بين يديكِ 

مرة أخرى طفلا حالما على ركبتيك

شابا مُحبا 

يكره التقويم

والأرقام والأحجام والأعمار.

وامنحيني دفئا 

تكونين فيه واحةً ظليلة

أستريح فيها من وجع السنين

وحر الذكريات.

أتحسس فيها ندوبا غائرات

وانتظارات 

أنتِ كنتِ فيها بدايةَ الحياة

جزرا وشطآنا ومنارات

مرافئَ يستوطنها حزنٌ دفين وانكسارات.

أنتِ التي بها أحيا

ولها أُحِيل الصخرَ شعرا

والترابَ قصيدة

وأُحيل نفسي جسرا

حين تعبر ذكراك عليه

ينتصب بكل الحروف أغنيةً لروحِك.

عاريةٌ هي الكلمات أمي

وعَارٍ هو البحر

وهذه الوجوه والضحك المستعار.

وأنا حين أراك وسط هذا العراء

أستعيدُ ذكراك

أُبصِر فيك الأحبةَ

وصدأَ السنين

وحقولَ الشاوية المخضبة بالحناء.

أُبصِر فيك طفولتي البعيدة

وترحالك بين الحزن والفرح

وهذا الجسدَ الذي احترق ليضيء لنا الطريق

بين ضفافٍ تَذكُرُ امرأةً ابتسمت حتى في الموت…

تِلكم المرأة أمي

امرأة لن تتكرر

حب صوفي وألم دفين…

    اليوم انفض الجمع يا أمي. كل الذين أتوا غادروا. وتركونا وحيدين للذكريات والصور… لقد عرفتك أكثر في الأيام الأولى التي غادرت فيها دنيا الناس، هؤلاء الذين تحدثوا عن امرأة مكافحة، مزهوة بانتصارها على الزمن، تَعُود المريض، وتواسي المكلوم، وتساعد المحتاج، مقبلة على الحياة، مبتسمة باستمرار، وكنت أعرف حبك لنا، لكنني لم أكن أعرف كمَّ هذا الحب ودرجتَه إلا من خلال أحاديث الناس حين قررت الرحيل… أخبرني أحد أصدقائي عن حديثك عن أبنائك بافتخار واعتزاز، واعتبار صنيعك فتحا في دنيا تسْحق ولا تفتح دراعيها إلا للذي يسعى… والآن أنت في عالم آخر. بداية أخرى وسمُو آخر وانتقال آخر… فهل هو فعل الزمن حين يستبد بكِ فيحملك بعيدا إلى زمن فريد كامن بين الضلوع؟ أو هل هو فعل الجسد عندما يريد أن يتحرر من عبودية قائمة كي يبحر بعيدا؟ أو هل هي الحياة حين تشيخ فتُشيِّد لها صروحا في عالم آخر تحلق فيه الروح بعيدا عن نثر الحياة المبتذل؟ 

سطات 21/05/2024