داود سلمان الشويلي/ العراق
أي خبر يصل إلى أسماع البشر من أكثر من مصدر فانه يبقى خبرا غير موثوق لأنه يحمل بذرة اختلاقه، واختلافه، فكل مصدر يرويه بشكل يختلف عن المصدر الآخر، ويبقى الوقوف على أوليات الخبر هي ما يوصلنا إلى الحقيقة.
قصة يوسف هي من هذه الأخبار التي ذكرت كاسطورة عند بعض الشعوب، وذكرت كذلك في التوراة، وذكرت في القرآن كأحسن القصص، وذكرت عند المتصوفة، وذكرت عند المؤرخين كخبر تاريخي(1).
وعندما نعيد قراءة القصة في مضانها اليهودية، وليست القرآنية(2)، ونقف منقبين عن أماكن حدوثها، والرجوع بشخصياتها إلى أصلها الحقيقي، نخرج بنتيجة مهمة هي انها قصة وقعت في اليمن السعيد قديما، ولم تقع في مصر الحالية، ايجبت السابقة.
إذن نحن أمام اسطورة انسانية نسجت عند بعض الشعوب، ومنها الشعب العربي، ولا نعرف مصدرها الأصلي، وليس واقعة تاريخية، أو دينية، وانطلاقا من قول الشيخ محمد عبدة في “تفسير المنار” ((ليس القرآن كتابًا في التاريخ، وإنما المراد بها – القصة القرآنية – الاعتبار والعظة من السياق)) كما يذكر أبو زيد(3).
ويرى فيها د. كمال الصليبي عبارة عن خرافة(4). ويقول: ((… وفي ذلك ما يفسر عدم وجود أي ذكر ليوسف، أو لأي شخص يتصف بصفاته، في المدونات المصرية القديمة التي وجدت هناك حتى اليوم. وهذا أمر معروف عند جميع أهل الاختصاص. وعندما لم يجد هؤلاء ما يثبت تاريخية شخص يوسف في هذه المدونات، ولم يكن لهم علم بإمكانية وجود “مصر” أخرى في أرض غير وادي النيل، اعتبر بعضهم أن القصة التي ترويها التوراة عن يوسف هذا فيها كثير من المبالغة، ومنهم من أعتبر أن هذه القصة ما هي إلّا من نسج الخيال.))(5).
والعامة من الناس، ولأجل التفكه، يقولون انها قصة طفل ضائع ووجده اهله.
فيما يرى الأستاذ فرج الله في كتابه (اليمن وأنبياء التوراة)(6) ان يوسف (لم يخرج من جنوب اليمن) أي انه ظل فيها يدور بين عائلته، والبئر، وتوليه خزائن مصرن، وألتقائه بعائلته ثانيا.
***
ويمكن قراءة النص على عدة مستويات:
* فالنص يقرأ على المستوى المعرفي. إذ يعتبر نصاً معرفياً ليس في وقت نزوله(!!!) فقط بل يمتد إلى ما لانهاية من الزمان.
* ويمكن قراءته على المستوى الاجتماعي. من خلال دراسة ظاهرة الحسد بين الأخوة. والعلاقة بين المرأة والرجل.
* ويمكن قراءته على المستوى الأخلاقي. لما يحمله النص من قيم أخلاقية عالية.
* ويمكن أن يقرأ على المستوى الأدبي فتحصل معه تناصات كثيرة كما فعل الروائي ثروت أباضة في روايته “الغفران”(7).
ويمكن قراءته على المستوى الاقتصادي. توزيع الناتج القومي بين أزمان الرخاء والجدب.
وهكذا تتعدد صيغ القراءة، دون الاعتماد على القراءة الدينية التاريخية التي امتلأت بها الكتب الدينية منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام.
والنص هذا لو اختصرناه، ووضعناه في جملة واحدة لقلنا أنه يحكي عن طفل ضاع عن أهله ووجدوه. ولكن هذه الجملة تحمل بين ثناياها – لو فككناها – الكثير مما يقال، وهذا هو غاية هذه الدراسة.
***
في كتابه (يوسف والبئر – أسطورة الوقوع في غرام الضيف – الصادر عن دار رياض الريس عام 2008) يقدم المؤرخ فاضل الربيعي دراسة تحليلية/ تنقيبية لهذه القصة ليردها إلى مكان وقوعها الأصلي وهو اليمن، وينفي، في الوقت نفسه، علاقتها بمصر/ ايجيبت، ويبحث عن أصل شخوصها حتى يصل به الحال إلى أن يجعل منها نسخة مطابقة لاسطورة فينيقية – يونانية هي اسطورة “بيليرفون” التي تشبهها سوى بعض الفروق الطفيفة. وهذا لا يعني – كما يؤكد الربيعي- على ان: ((وجود أصل إغريقي – فينيقي لمرويات التوراة أو العرب بمقدار ما هو غرض مصمّم لتبيان الإطار الأسطوري الكوني الذي دارت فيه موضوعة الوقوع في حب الضيف؛ بما يدعم اتجاهنا في التحليل والقائل أن أسطورة يوسف يجب أن يُنظر إليها، لا كواقعة تاريخية أو دينية، بل كجزء من أدب عالمي كان شائعاً ومألوفاً في العالم كما أن قصة السنوات السبع العجاف، التي تشكل محوراً من محاور الأسطورة، معروفة جيداً في ملحمة جلجامش.))(8).
يبحث الربيعي في الاسماء، فيردها إلى تاريخ وجغرافية اليمن، مثل:
– فوت يفارع. وفوط – يفار.
– مصريم.
– أسنات.
– فرعه ملك مصريم.
– جازان.
((لا شك في أن المنطقة الممتدة من ساحل البحر الأحمر حتى نجد اليمن، تعرف تاريخياً عند اليمنيين القدماء والقبائل العدنانية الشمالية، بأنها أرض مضر (وإذا ما أردنا كتابة هذا الاسم بالعبرية يجب أن ترسمه على النحو التالي: مصريم). وكتب التاريخ العربي القديم حافلة بالشواهد والأساطير عن حاكم مكة القديم الذي يدعى مضر؛ وهو الجد الأعلى لعدنان وجد العرب حيث يوصف سلطانه غالباً، بأنه كان يشمل سائر أرجاء المنطقة الممتدة من ساحل كنانة على البحر حتى نجد همدان بهذا المعنى؛ فإن أسطورة يوسف تروي شيئاً رمزياً محدداً الصلات والعلاقات التي قامت بين بني إسرائيل والمضريين (مصريم) في عصر ملك أسطوري يدعى فرعه. إن نظرات التقديس التي أحاطت يوسف في بلاط فرعه، حتى أن الملك جعله خازن الحبوب بعد تفسيره للحلم لا يمكن تفسيرها إلا في إطار التقديس القرآني ذاته لبني إسرائيل؛ الذين فضلهم الله على العالمين (وهؤلاء لا علاقة لهم باليهود الغربيين ولا بإسرائيل الراهنة لأن المقصود بهم القبيلة العربية البدائية التي تلاشت واندثرت). المثير في النص العربي التوراة أن المترجمين قاموا بتزوير فظيع في أسماء بعض المواضع والأماكن، من ذلك مثلاً، أن النص العربي يصور الفرعون وكأنه كان يقف على شاطىء النيل، بينما لا يرد في النص العبري أي اسم أو كلمة تدل على نهر النيل. يقول النص:
(تك: ١٠: ٤١ ١٢: ٤٠: ويهه – مقص ـ شنتيم – يميم – وفرعه – – حلم ـ وهنه – عمد ـ عل ـ ها ـ يئر).
لقد قام المترجمون بمكافأة اسم (ها ـ يثر) في النص العبري باسم (النيل). فيما يقول النص على لسان الفرعون ما ترجمته: (فكان أن انقضت من الأيام سنتان عندما حلم فرعون أنه واقف على اليئر). وسوف يتكرر في النص العربي اسم نهر النيل من دون مبرر مقبول، بينما يقول النص العبري إن اسم المكان هو (اليش). لا شك أن وجود اسم كاهن أون واسم موضع يدعي البئر من شأنهما معاً، أن ينسفا كل أساس قام عليه حتى الآن الاعتقاد القائل أن مصر القديمة كانت مسرحاً للقصة التوراتية؛ إذ لا دليل أبداً، على أن المقصود نهر النيل. يقول محققو التوراة في تعريف هذين الاسمين ما يلي: (ص: ۱۳) من النص العربي للتوراة – طبعة الكتاب المقدس – المكتبة الشرقية جمعيات الكتاب المقدس في الشرق ١٩٨٦ بيروت لبنان):
(كاهن أون – هيلوبولس مركز عبادة الشمس. لكن هذه الأسماء لا إثبات لها قبل السلالتين الملكيتين العشرين والإحدى والعشرين.)
إذا كان من المتعذر حسب النص أعلاه الوارد في تحقيقات التوراة، إثبات مصرية هذه الأسماء قبل عصر الهكسوس، فكيف تسنى، إذن، الزعم أن مسرح القصة التوراتية هو مصر؟ ولماذا جرى الزج باسم النيل في الحكاية؟ إننا نميز هنا بين مسألتين:
الأولى: تتعلق بمسرح ! ذكريات القبائل الرعوية عندما اجتاحت الدلتا في ما يُدعى عصر الهكسوس ۱۷۲۰ ق .م. وهي تتضمن ذكريات مريرة عن المجاعة الكبرى التي ضربت الجزيرة العربية واليمن. ولذلك فنحن لا تجادل في اسم المكان الذي دارت فيه أحداث الأسطورة، ولا تجادل في ما إذا كانت أحداثها وقعت في مصر أم لا، بل نحن نتساءل عما إذا كانت هناك إمكانية لقراءة الاسمين القديمين مصر ومضر اسماً واحداً؟
الثانية: تتعلق بأسماء الأماكن الأخرى الواردة في النص والتي لا وجود لها في مصر القديمة ولذلك لا بد من البحث عنها في مكان آخر بحيث تربط بينها وبين ذكريات سابقة على اجتياح
الدلتا.
بهذا المعنى؛ فإن أسطورة يوسف التوراتية يمكن أن تكون خلاصة دمج الذكريات القبائل في طفولتها البعيدة في حقب مختلفة الواضح في ضوء هذا التصور، أن القراءة الاستشراقية استندت في جزء من تأويلاتها للأسطورة، إلى ما تركه الفقهاء المسلمون وكتاب الأخبار من العرب من تفسيرات لم ترسخ فكرة وقوع الحدث التوراتي في مصر؛ بل فكرة وجود كل الأسماء في مصر البلد العربي. وهؤلاء كما بيتنا عبر نموذج المسعودي وابن الأثير، لم يكونوا يعرفون اللغة العبرية واعتمدوا بصورة مطلقة على الرواية المثيولوجية الشعبية السائدة والمتداولة بين القبائل. وما يؤكد هذا المنحى أن الرواية التوراتية تقدم توصيفاً لثياب يوسف لا يعرف عنه المصريون القدماء أي شيء إن بعض أحداث الأسطورة، بطابعها الدرامي تدور حول الثوب الذي قد من دبر – بحس التوصيف القرآني – . يقول النص العبري:
(٥٤: ٣٣ : ٤١ برگشیت) : (ويصر – فرعه ـ ت ـ طبعوت ـ م ـ عـل ـ يـدو ـ ويـتـن ــ ءتة ـ عل ـ يـد ـ يوصف – ويلبشه ـ ءتو – بجد ـ شش ـ لو) .
ما يقوله هذا النص هو التالي: وخلع فرعه خاتمه من يده فوضعه في يد يوسف ثم خلع عليه ثوب بجاد إن مترجمي التوراة الذين يجهلون جهلاً تاماً . معنی جملة بجد شش؛ لم يجدوا مفراً من ترجمتها إلى ثوب كتان (ناعم فيما الجملة تقول: إن الحلة أي الثياب التي خلعها الملك فرعه على يوسف كانت ثوباً من بجاد) والبجاد نوع من ثياب الأعراب البدو المخططة، لا تعرفه أي جماعة بشرية أخرى سوى قبائل العرب العاربة. وقد اشتهرت قبيلة تميم البدوية بصنع هذا النوع من الثياب وارتدائه، حتى معاوية بن أبي سفيان أراد ذات يوم أن يسخر من تميم البدوية وبخلها، وذلك عندما حضر إلى بلاطه أحد زعمائها فقال له مازحاً (ما الشيء الملفف بالبجاد؟)) في إشارة إلى أن تميم كانت تغطي بقايا طعامها بأغطية غليظة . من البجاد. وفي قصيدة شهيرة من قصائد امرئ القيس وصف فيها جبل أبان الأسود لحظة هطول الثلج فوق قمته – انظر الديوان وياقوت الحموي معجم البلدان – الجزء الأول مادة (أبان) ورد اسم البجاد حرفياً. قال:
كأن أبانا في أفانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل
وفي القرآن الكريم ثمة إشارة ثمينة للغاية إلى بداوة بني إسرائيل وبداوة بطل القصة يوسف قال تعإلى: (إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو) . إذا ما مضينا قدماً في عملية تدقيق متقدة لأسماء الأماكن والمواضع والإشارات المتناثرة هنا وهناك، يتضح لنا بكل جلاء المسرح الحقيقي للحدث. إنه مسرح مروية أسطورية نموذجية من مرويات القبائل العربية القديمة في طفولتها البعيدة، ولا تخص شعباً بذاته دون شعوب وقبائل أخرى، بل هو يندرج في إطار ثقافة شفهية سائدة روت القبائل وعلى اختلاف مشاربها وتواريخها الخاصة : ومن خلالها شيئاً يخصها في الصميم. لكنه على الأرجح؛ الشيء الخاص الذي لا يتيح لها، مع ذلك، وتحت أي ذريعة أو
حجة حق احتكار الأسطورة ونسبتها إليها، فهي ليست أسطورة يهودية (بما أن أبطالها من بني إسرائيل) كما أنها ليست أسطورة إسلامية لأن القصة أقدم من الإسلام؛ بل هي من مرويات قبائل العرب العاربة في طفولتها البعيدة، أي القبائل التي عاشت طفولة العربية الأولى.
إن شطراً هاماً من الحدث المركزي في الأسطورة يدور في مكان يدعى جاسان، وليس ثمة في مصر القديمة اسم مماثل أو شبيه في تركيبه لهذا الاسم. يقول النص العبري (٤٧:١ : ١٤ ٤٦: بره شيت – تكوين كما ترجمه المترجمون إلى العربية):
(وءت ـ يهوده – شلح – ل – فنيو – عل – يوصف ـ ل ـ هورة ـ ل ـ فنيو . جشنه – – ويبئو – عرصه – حسن. (وأرسل يعقوب يهوده قدامه إلى يوسف ليدله على أرض جاسان).
المثير في هذه الجملة أن المترجمين قاموا بترجمتها وهم على غير قناعة بصحة الترجمة حتى أن الطبعة العربية اضطرت إلى وضع الهامش التالي: (هذا نص غير أكيد: انظر هامش ص ١٤١)؟ في الواقع لا يقول النص مثل هذا المعنى، والمترجمون لم يفهموا معنى كلمة هورة – بالتاء المربوطة وظنوا أنها نفسها كلمة (هوره – بالهاء بمعنى ،علم لقن (دل). ما يقوله النص هو التالي: (ويهوذا أرسل للقاء يوسف إلى هورة التي مقابل جشن. ثم جاءوا إلى أرض جاسان).
وهذان الاسمان مجهولان بالفعل بالنسبة لمحققي التوراة؛ إذ لا تعرف مصر مكاناً يدعى هورة ولا مكاناً يدعى جشنه – جشن على مقربة من أرض جاسان؟ بينما يمكن التعرف إلى المكانين بسهولة عند الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب.))(9).
وهكذا ينقل جغرافية وتاريخ هذه القصة من مصر إلى أرض اليمن بأدلة تعتمد تطابق أسماء الشخوص، والمناطق.
***
الهوامش:
(*) فصل من كتابي المعد للطبع (التزوير الفاضح لسرديات التوراة – نظرية المؤرخ فاضل الربيعي عن اسرائيل المتخيلة).
() راجع ملاحق كتابنا: (تجليات الاسطورة – قصة يوسف بين النص الديني والنص الاسطوري).
(2) في كتابي: (تجليات الاسطورة – قصة يوسف بي النص الديني والنص الاسطوري) كانت قراءتي للقصة/ الاسطورة قراءة أدبية اعتمدت القصة التوراتية/ الاسلامية.
(3) إشكاليَّة تأويل القرآن- قديمًا وحديثًا- وقفية الأمير الغازي للفكر القرآني – ص36.
(4) خفايا التوراة وأسرار شعب اسرائيل – ط6 – دكتور كمال الصليبي – دار الساقي – 2006- ص182 – ص183 .
(5) المصدر السابق- ص165 .
(6) اليمن وأنبياء التوراة – فرج الله صالح ديب – دار رياض الريس – 2013 – ص73.
(7) الغفران – ثروت أباضة- حول الأجواء من أجواء مصر الفرعونية إلى أجواء مصر الحديثة.
(8) يوسف والبئر – أسطورة الوقوع في غرام الضيف – ص22. وراجع دراستنا (تنوعات الرؤى الأسطورية – التناص بين قصة موسى وقصة يوسف في التوراة) في كتابي (رؤى الأسلاف – دراسات في الأساطير)– 2021، إذ أقدم فيها مفاصل التناص الحاصلة بين القصة وملحمة جلجامش..
(9) المصدر السابق – ص43 وما بعدها.





