المجلة الثقافية الجزائرية

التكرار الظاهري في القرآن: من جمود اللفظ إلى إطلاقية المعنى

يحيى عباسي بن أحمد

 

ملخص: يتناول هذا البحث إشكالية التكرار في القرآن بوصفه ظاهرة تتجاوز الوظيفة البلاغية التقليدية، ليتحول إلى آلية معرفية ووجودية تُعيد تشكيل الوعي والطاقة الدلالية للألفاظ. تنطلق الدراسة من فرضية رئيسة مفادها أن التكرار القرآني ليس إعادة للفظ في بنية مغلقة، بل هو انتقال بالمعنى من النسبي إلى المطلق، عبر تفجير الدلالة وإعادة بناء زمن تلقي الآية. تستند الورقة إلى تراث البلاغة العربية (الجرجاني، السيوطي)، وإلى النظريات اللسانية والفلسفية الحديثة (سوسير، ريكور، غادامر، بنفنيست).

مقدمة

يُعدّ التكرار من أكثر الظواهر التي أثارت جدلًا في الدراسات القرآنية، إذ رأى بعض النقاد أنه تكرار لفظي يعيد المعنى نفسه، بينما اعتبره البلاغيون القدامى نوعًا من الإعجاز لا يمكن تفسيره بالأدوات البلاغية التقليدية.

لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يكرر القرآن؟

بل: لماذا يتحول اللفظ المكرر في القرآن إلى معنى جديد رغم ثبات صورته الصوتية؟

هذا الانتقال الفريد يكشف عن أن التكرار القرآني ليس تكرارًا، بل خلق دلالي يتجاوز حدود النسق اللغوي، لأن التكرار في القرآن ليس إعادة، بل تأسيس.

أولًا: التكرار في اللغة الطبيعية — حدود النسق

في اللسانيات الحديثة، التكرار غالبًا ما يكون آلية لتعزيز الرسالة دون تغيير مضمونها.

يشير دي سوسير إلى أن «الدال ثابت ما دام النسق ثابتًا» ، أي أن اللفظ المكرر لا يكتسب معنى جديدًا ما لم تُغيّر البنية السياقية.

وبنفنيست يرى أن اللفظ لا يتحول إلا إذا تحولت الذات المتكلمة أو بنية الخطاب .

لكن العربية قبل القرآن تعاملت مع التكرار بوصفه أداة إيقاعية لا معرفية، فهو عند الشعراء نوع من التزيين أو التشديد.

هذه المحدودية تجعل السؤال مركزيًا:

كيف حوّل القرآن التكرار من إيقاع لغوي إلى فعل معرفي؟

ثانيًا: التكرار القرآني — من بنية لفظية إلى بنية وجودية

يشير الجرجاني في دلائل الإعجاز إلى أن القرآن «يعيد اللفظة فتجيء في الموضع الثاني كأنها لم تكن في الأول» ؛ أي أنّ التكرار لا يعيد المعنى، بل يولّد معنى.

وهذا يختلف جذريًا عن التكرار في الشعر أو النثر. فالتكرار القرآني يتحرك بآليات ثلاث:

• تغيّر المقام لا اللفظ

القرآن يعيد الكلمة نفسها، لكن المقام الوجودي المحيط بها يتغير، فيتغير معها المعنى.

مثال: كلمة “التقوى”.

في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (البقرة 278)، تأتي بمعنى الكفّ وترك الحرام.

بينما في: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (البقرة 281)، تنتقل إلى معنى وجودي: خشية المصير لا خشية الفعل فقط.

اللفظ واحد، لكن المعنى يتجاوز النسق إلى الأفق.

• تكرار يُنشئ زمنًا مختلفًا

غادامر يرى أنّ التكرار يمكن أن «يُعيد بناء الزمن الداخلي للنص» .

وهذا يتضح في قصص الأنبياء التي تتكرر بصور متعددة.

فمثلاً قصة موسى تتكرر، لكن كل مرة تُنشئ زمنًا مختلفًا:

2. زمن المواجهة (طه)

3. زمن الرسالة (الشعراء)

4. زمن التربية الداخلية للنبي محمد ﷺ (النمل)

التكرار هنا ليس إعادة للسرد، بل إعادة لبناء الإنسان.

• التكرار بوصفه استعارة معرفية

ريكور يسمي هذا النوع بـ”الاستعارة الحيّة” : البنية اللفظية نفسها، لكن وظيفة المعرفة تتغيّر.

مثال: لفظ “القلب”.

5. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (البقرة 10): المعرفة الأخلاقية

6. ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (ق 37): المعرفة الوجودية

7. ﴿نَقْلِبْ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ (الأنعام 110): المعرفة العقابية

القرآن لا يكرر الكلمة؛ إنه يوسع حدودها حتى تصبح بنية مطلقة قابلة للانفتاح على طبقات متعددة من الدلالة.

ثالثًا: التكرار القرآني وكسر جمود النسق اللغوي

8. تحطيم مركزية العلاقة الاعتباطية بين الدال والمدلول

دي سوسير يؤكد اعتباطية العلاقة بين اللفظ والمعنى ، لكن القرآن يجعل العلاقة مقصودة.

فاللفظ المكرر يحمل في كل تكرار قصدًا جديدًا، لا استعمالًا جديدًا فقط.

فيصبح اللفظ كالمفتاح الذي يُفتح به أكثر من باب.

9. تحول اللفظ المكرر إلى “جوهر” لا “علامة”

عند الجرجاني، القرآن يُحوّل اللفظ من علامة لغوية إلى «جوهر دلالي» ، أي معنى لا ينتهي.

وحين يتكرر الجوهر لا يتكرر، لأنه يتحرك في طبقات المعنى كما تتحرك الأمواج على سطح واحد.

10. التكرار كإلغاء لثبات المعنى

في الفكر الهرمنيوطيقي (غادامر)، النص لا يُقرأ مرة واحدة، بل يولّد قراءاته في كل تفاعل جديد .

والتكرار القرآني يمثل هذا التفاعل:

الآية نفسها تُقرأ اليوم فتُنتج معنى، وغدًا تُنتج آخر.

ليس لأن الإنسان تغيّر فقط، بل لأن البنية القرآنية لا تستنفد.

رابعًا: التكرار من المعنى النسبي إلى المعنى المطلق

المعنى النسبي هو معنى تحدده اللغة.

لكن المعنى المطلق هو معنى يُنشئه النص نفسه.

كيف يتحول اللفظ المكرر إلى معنى مطلق؟

1. بالتجريد التدريجي:

كلمة الصبر تنتقل من معنى التحمل إلى معنى “الجوهر الأخلاقي الجامع”.

2. بالتوسيع الوجودي:

كلمة النور لا تعود ظاهرة ضوئية، بل حقيقة كونية (الله نور السموات والأرض).

3. بإعادة تعريف الوجود البشري:

كلمة الرحمة تتوسع حتى تصبح صفة كونية تسري في الخلق كله، لا مجرد فعل يتوجه به خالق إلى مخلوق.

هنا يتحرر اللفظ من حدوده المعجمية ليصير مطلقًا.

خاتمة

التكرار في القرآن ليس ظاهرة لغوية، بل ظاهرة أنطولوجية.

إنه ليس إعادة للفظ، بل إعادة خلق للمعنى.

حين يتكرر اللفظ في القرآن يتحرر من حدود اللغة، ويستعيد أصله الوجودي، فيتحول من علامة مغلقة إلى معنى مطلق مفتوح على التأويل والوجود معًا.

وهذه إحدى آليات الإعجاز: إعجاز تحويل اللفظ الثابت إلى معنى لا نهائي.