المجلة الثقافية الجزائرية

التكريم.. وتكريم التكريم…!!!

معمر طاهر الشريف 

محفوظ المحظوظ:

عندما أعلنت مؤسسة جائزة نوبل فوز الروائي المصري المبدع نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988، خصصت الصحف العربية حيزا كبيرا من صفحاتها لمناقشة هذا الحدث الكبير ، والفريد من نوعه عند العرب، كونهم يُكرَّمون لأول مرّة بهذه الجائزة العالمية المشهورة، وأوردت الصحف والمجلات آنذاك الخبر، وتناقلته على نطاق واسع.

كانت الجزائر في تلك الفترة “ثمانينيات القرن الماضي” مسرحا ثريا للكثير من الجرائد والمجلات العربية والعالمية والتي كانت تتزين بها واجهات المكتبات وتزدان بها رفوفها..

الصحف آنذاك كانت تطبع بالحجم الورقي الكبير، والذي يمثل ضعف الحجم الذي تخرج به صحفنا اليوم.. فعند فتح دفتي الجريدة تغطي مجال رؤية قارئها، وتأسره أسرا، وتستولي على اهتمامه، ولا يلهيه عنها ما يجري حوله لأنه لا يراه، وحجمها الكبير يحجب عنه كل ما يحيط به على جانب الطريق أو في الساحات العامة، وتخيلوا متعة التركيز في القراءة، والمتعة التي يحس بها القارئ، وهو يبذل هذا الجهد المضاعف لقلب الصفحات، لتتبع المواضيع التي تجذبه في الصحيفة، خاصة عند هبوب نسمات زائدة.. وهو واقف في الطريق أو جالس على كرسي من كراسي إحدى الحدائق العامة…

أما المجلات فكانت مختلفة وباللغات الثلات “عربية فرنسية إنجليزية” فكانت تحتوي عشاقها من القراء بألوانها الزاهية وخطها الجميل وإخراجها الممتاز ، ومواضيعها الفكرية، والسياسية، والأدبية، والاجتماعية والفنية الراقية جدا، حيث تجد فيها الكثير من شرائح المجتمع ضالتها، فيداوم المفتونون بها على قراءتها أسبوعيا، وينتظرون يوم صدورها ويوم وصولها إلى الجزائر بفارغ الصبر، ويتحملون عبء التبكير إلى المكتبات التي توفرها لكي لا يفوتهم عدد الأسبوع، وينفذ قبل أن يقتنوه.. تخيلوا أن أحد القراء المدمنين على قراءة مجلة المستقبل الأسبوعية، ولشدة تعلقه بمقالات محمد الماغوط كان دوما عند إنهائه مطالعة كل عدد أسبوعي ينتزع منه مقاله المفضل، ويرتب هذه المقالات حسب تاريخ صدورها ويمسكها بإحكام على شكل إضبارة، يعود إليها كلما استبد به الحنين إلى كاتبه الرمز الثائر الماغوط، ليتمتع بتحليلاته الرمزية للواقع العربي، وأسلوبه الآسر..

بدأت أقلب صفحات إحدى المجلات، بحثا عن الاستزادة من الأخبار التي توثق للحدث، وتروي جانبا من فضول المثقف العربي الذي فاجأه هذا التكريم العالمي الكبير…

قال أحد أصدقاء نجيب محفوظ: التقيت صديقي نجيبا صباح اليوم الموالي لإعلان فوزه بنوبل للآداب فقلت له: 

صباح الخير يا محفوظ 

فرد عليّ قائلا: بل قل صباح الخير يا محظوظ.

فعلا، المحفوظ كان محظوظا، في نظره، لأن أديبنا الكبير كان يدرك جيدا أن الحظ ابتسم للعرب عبر هذا التكريم، وكان الأجدر بهذا الحظ الذي خصّهم هذه المرة أن يبتسم لقامات سامقة قدمت الكثير والمتنوع للأدب العربي إذا ما قورن بما قدمه نجيب محفوظ، أمثال: طه حسين، وعباس محمود العقاد، وأمير الشعراء أحمد شوقي..

وبدأت المقابلات تقام والندوات تنظم، لتحليل الحدث، وازدحمت الصحف والمجلات بالمقالات، والملفات الكاملة، المحللة والدارسة لفكر وأدب الأديب المكرّم، وكأن الكتاب والصحفيين، والقراء على حد سواء، يكتشفون نجيب محفوظ لأول مرّة في تلك الحقبة..

وعلى حد تعبير أحد كتاب نوبل الذي ردّ على زميله عندما سأله عن سر الاحتفاء الكبير لقومه به وبأدبه بعد نيله لهذا التكريم العالمي الكبير قائلا: إنهم يكرمون التكريم، وليس أنا..

كرّمت مصر أديبها المتوج بجائزة نوبل للآداب، وهو تكريم يستحقه، وأقامت له تمثالا في إحدى الساحات العامة، إقتداءً بالتماثيل التي أقيمت للأدباء والمفكرين في العالم كالروائي الروسي دوستويفسكي، والايرلندي برنارد شو، والفرنسي فيكتور هيغو، ولكن الفرق بين هذه التماثيل التي أقيمت لمبدعي العالم عند الأمم الأخرى، يراعى فيها الإبداع، والجمال، وإظهار الأديب المبدع في التمثال أجمل مما هو في الواقع، وتزيين صورته ومظهره، حيث تظهر المسحة الجمالية والإبداعية والتقديرية لشخصية الشخص المكرَّم، ويزداد الذي يشاهد التمثال إعجابا بصاحبه، تقديرا واحتراما، حتى ولو كانت هيئته في الواقع طبيعية جدا، لأن الناحت الفنان انتقل بالشخصية المجسدَة في التمثال من الواقع إلى الرمز، والرموز دائما تكون أجمل وأعظم وأكمل لأنها لا تجسد هيئة الشخص وجسده فقط، بل تجسد كذلك نفسيته وروحه وعبقريته..

أما التمثال المخلد لصاحب نوبل العربي المصري، فنترك صاحبه يتحدث عنه: 

عندما رأى نجيب محفوظ التمثال المقام له تخليدا على نيله نوبل للآداب في إحدى الساحات العامة قال قولته المشهورة: “كأني بالنحات الذي نحت لي هذا التمثال لم يقرأ من رواياتي إلا رواية الشحاذ..”

حتى التكريم في بلادنا العربية في الكثير من الأحيان يسيء للشخص المبدع والعبقري أكثر مما يكرِّمه..

هل نحن فعلا نكرم المبدع، أم نكرم التكريم الذي ناله هذا المبدع؟

قبل أشهر قليلة نال الأديب الجزائري الدكتور عز الدين جلاوجي جائزة كتارا للرواية العربية، وفور الإعلان عن الخبر، بدأت الصحف والمجلات والقنوات الفضائية، والجامعات، والنوادي الثقافية والمعارض داخل الوطن وخارجه تتهافت على الأديب المكرَّم لتتشرف، وتفوز بتحديد موعد لإجراء حوار أو لقاء أو مقابلة، وازدحمت أعماله، واكتظت يومياته بهذه الأنشطة، محاورا في الفضاء الأزرق، ملبيا لإجراء لقاء إذاعي أو تلفزي عبر الهاتف، مسافرا بسيارته الخاصة أو سيارة الأجرة أو بالطائرة لتلبية دعوة من جامعة هنا، ومعهد هناك، أو معرض، أو مؤسسة ثقافية، وكانت الدعوات التي لباها حتى خارج الوطن، فقد قضى عشرة أيام في أم الدنيا مصر متنقلا بين جامعاتها، ومكتباتها، ونواديها، ومؤسساتها الثقافية والفكرية والإعلامية العريقة، وهو مجهود يُحسب للروائي المتوَّج ويُشكر عليه ، إنه الالتزام بخدمة الحرف العربي الذي كلفه جهدا مضاعفا يضاف إلى مهامه التعليمية، ومهامه العائلية، وقد وثق كل هذه النشاطات التي احتفت بتكريمه عبر صفحته في الفضاء الأزرق، بالصورة والصوت، والنص..

والسؤال الذي يفرض نفسه للطرح هنا وبإلحاح، أين كانت كل هده الهيئات، والجمعيات والمؤسسات، والنوادي، والجامعات، والإذاعات، والقنوات الثقافية والإعلامية قبل أن ينال الروائي الدكتور جائزة كتارا للرواية العربية؟ وإنتاجه الروائي والقصصي والمسرحي لم يزد بمتن واحد عن المتون التي كتبها قبل تكريمه بهذه الجائزة، حتى منجزه السردي الذي نال به هذه التكريم والموسوم بــ “عناق الأفاعي” ظهر إلى النور في السداسي الأول من عام 2021 ولكن لم يهتم به إلا القليل من النقاد بحكم تخصصهم الجامعي، حتى جاءت مؤسسة جائزة كتارا لتعلنه عملا متوجا في فضاء الرواية العربية ومتربعا على عرشها لسنة 2022…

وفور إعلان التتويج بدأ تكريم التكريم يتعالى في الآفاق، وتهافت الكل يريد تذوق هذا التتويج العربي بمذاقه الخاص، فهل هو اعتراف بمجهود الروائي المبدع لأنه استحق هذا التكريم وانتزعه من بين الكثير من الروايات المرشحة لهذه المسابقة، أم أنه احتفال بالتكريم، أو تكريم التكريم.. تكريم الفوز، وليس تكريم الشخص الفائز.

ولو تجاوزنا أمر التكريم، وتكريم التكريم قليلا، وأقنعنا أنفسنا أن كل من تهافتوا على الأديب المكرَّم أرادوا تكريمه وتشجيعه على إنجازاته الكثيرة والمتنوعة في حقل الأدب العربي من رواية وقصة، ومسرحية للكبار والصغار، ودراسات، وكتب ومقالات نقدية متخصصة..

هل التكريم المعنوي، والاحتفاء الاحتفالي يكفي المبدع العربي، وينصفه؟

لو تجاوزنا هذا كله وحاولنا مناقشة قيمة التكريم الذي حظي به هذا المبدع أو ذاك نظير ما أبدع فيه، وتميز به من بين الكثيرين أمثاله، وننصفه في كل ما حققه وتعب من أجله، ونشجعه على مواصلة المعركة التوعوية، والفكرية، والثقافية، هل سيكون المقابل المادي لهذا التكريم (إن وجد أصلا) كاف، ومجز، وهل سيكون محفزا له على الاستمرار، وعاملا مهما للانتقال به من وضعه الحالي إلى وضع أفضل، ماديا، واجتماعيا، ونفسيا، وفكريا.. ومعظم هذه المهرجانات الاحتفائية الاحتفالية لا يتعدى مداها كلمات موجزة عن الأديب المكرم، وأدبه، وإكراميات بسيطة، ويختتم هذا المهرجان الاحتفالي بشهادة تقديرية، ويتهافت الكل على أخذ صور تذكارية مع الأديب المتوج، مثلما يتهافت أصحاب العريس على التوثيق للحظة، ليلة زفافه.. 

سيقول الكثيرون: إن أعظم تكريم هو التكريم المعنوي، والاحتفاء الفكري في التعريف بالمبدع المكرم، وتشجيعا على انتشار فكره وكتبه، وتعرّف الناس على شخصه وعلى بعض ما أبدع فيه.. ولكن ألا يحق لهذا المثقف أو الفنان المتوج أن ينال القليل من متاع الدنيا الذي يتمتع به سواه في الحياة ؟

ألا يمكن أن يعوضه تميزه وإبداعه الذي بذل فيه الكثير من الجهد والوقت، (الوقت والجهد اللذان يتم بهما لغيره تحصيل ماديات الحياة الدنيا وزينتها ومباهجها)، ألا يمكن أن نعوضه نظير هذا الوقت والتعب ليصيب بعض ما يتمتع به غيره من ماديات الحياة الدنيا..

وبكل بساطة سنقول: لو كانت الجوائز العالمية والعربية، والدولية والمحلية ليست ذات قيمة نقدية هل من الممكن أن يحتفي بها أحد؟ نستنتج إذاً أن قيمة الاحتفاء تتساوى مع قيمة الجائزة النقدية، وكلما زادت قيمة الجائزة نقدا ومالا زادت أهميتها، ومكانتها بين بقية الجوائز .

قد تكون جائزة نوبل أهم جائزة الآن، وكل مبدع وعبقري في شتى مجالات المعرفة العلمية والأدبية والفنية يتطلع للترشح لنيل هذه الجائزة العالمية الكبيرة، والتي قدرت قيمتها عام 2022 بــ 969 ألف دولار أمريكي، والهدف من الجائزة النقدية هي تمكينٌ وتشجيعٌ للفائز لمواصلة أبحاثه دون الحاجة إلى البحث عن مموّل، ورغم هذه القيمة المغرية، يبقى هرم القيم في العالم منصوبا على رأسه ورجلاه تسبحان في الفضاء، إذا أدركنا أن عالم من علماء نوبل أو مفكريهم أو سياسييهم أو أدبائهم قد ينال هذه الجائزة مرة واحدة طول عمره، ولكن قد تبدوا “بقشيشا” على حد تعبير إخواننا المصريين، و”قهوة ” كما هو في قاموس الجزائريون إذا عرفنا أن أجرة لاعب كرة قدم مثل ميسي مثلا يتقاضى مرتبا سنويا قدره 130 مليون دولار.. أين هي قيمتك أيها العلم، وأين وهجك أيتها الثقافة وأين جمالك أيها الفن في العالم، أصبحت المناورة بالأرجل أحسن وأفيد وأثمر من التفكير بالأدمغة وإثارة الأحاسيس والمشاعر وتهذيبها وتربيتها وتوجيهها إلى الأحسن..

وبالمختصر المفيد نقول: إن التكريم المعنوي مهم جدا لتشجيع المبدع على مواصلة إبداعه، ولكن الأعظم من ذلك والأجمل أن يقترن هذا التكريم المعنوي بتكريم مادي يضمن للعبقري المبدع مكانته في المجتمع، لأنه خصص جل وقته وجهده للبحث والتفكير، فلم يسعه وقته الضيق لطلب المال وماديات الحياة، فلا يتملكنا العجب إذا علمنا أن الكثير من المبدعين والمفكرين في العالم العربي، والذين رفعوا هامات شعوبهم بتميزهم وإبداعهم واكتشافاتهم، لا يملكون بيتا يضمهم، ولا مركبا مريحا يقلّهم، يعانون الفقر والحاجة مثل ما تعانيه الطبقات المسحوقة في المجتمع.. ولا تلتفت إليهم مجتمعاتهم ولا تتذكرهم إلا حين ترغب هذه المجتمعات لتكريم نفسها، فتكرم نفسها عن طريق تكريمهم..

برناردشو والتمثال:

أرادت مجموعة من الشباب المفتون بأدب برناردشو إقامة تمثال له في ساحة من ساحات المدينة، ولما سمع بما ينوونه، ويرغبون في تطبيقه، جمعهم وقال لهم: “أعطوني ثمن التمثال، وأنا أقف في الساحة بدلا عن هذا التمثال الذي تنوون إقامته مدة الوقت الذي تريدون”, ولكن برناردشو ورغم أنه رفض جائزة نوبل للآداب عام 1925 عندما تيسرت أموره المادية، عاد واستلمها في العام الموالي 1926 دون أن يقبض قيمتها المادية.. وهو صاحب المقولة المشهورة: “الجائزة هي عبارة عن طوق النجاة يلقى به إلى الشخص عندما يصل إلى الشاطئ” فعادة ما تتأخر هذه الجوائز كثيرا عن وقتها، وتصبح غير مجدية عند البعض كما حدث لبرناردشو، ولكنها عند معظم المفكرين تبقى ضرورية ومجدية حتى ولو أدركوا الشاطئ، لأنهم سيظلون يصارعون الأمواج حتى في البر، أمواج الحاجة إلى صون الكرامة، وإكمال مشاريعهم الفكرية والعلمية والأدبية والفنية والنقدية..

التكريم المقلوب ….. !!!! :

الملكة إليزابيت تكرم رعيتها النيوزيلندية بزيارتها إلى أحد كهوف البتراء بالأردن:

عندما بدأت في تحرير أفكار هذا المقال على الورق، عن التكريم وتكريم التكريم، تذكرت تكريما خاصا قرأته في بعض مطالعاتي قبل سنوات عديدة، في إحدى الروايات للكاتبته النيوزيلندية “مارغريت فان غيلدير ملسين” والتي تحمل عنوان: “تزوجت بدويا”، ومما كتبتُه حينها بعد الفراغ من قراءة الرواية ما يلي:

“إن الحياة فيها أمور أهم بكثير من امتلاك أرض مبلطة “مرغريت فان غيلدير ملسين” مرغريت فان غيلدير ملسين هي صاحبة رواية “تزوجت بدويا” وهي عبارة عن سيرة ذاتية سجلت فيها حيثيات السنوات التي قضتها في كهف من كهوف البتراء رفقة زوجها العربي محمد عبد الله. هذا الدليل السياحي الأردني الذي جمعته الأقدار بهذه الفتاة النيوزيلندية التي قادتها إحدى رحلاتها السياحية إلى الأردن وإلى آثار البتراء تحديدا وإلى خزنتها بالأخص التي تعد من عجائب الدنيا السبع.

المدهش في هذه المذكرات وسيرة الكاتبة الذاتية، أنها انتقلت من النقيض إلى النقيض، انتقلت من سحر جنان الله في الأرض التي ميّز بها الله سبحانه وتعالى بلدها، والكثير من الدول الأوربية التي زارتها، بجمالها وروعتها وسحر طبيعتها الخلابة، ونظام حياة شعوبها الحرة، إلى أحد الكهوف الجبلية التي تحتاج إلى مجهودات كبيرة لإبقاء الإنسان على قيد الحياة والوجود، فكيف له أن يطمح أن يكون فيها سعيدا؟ وإلى عادات وتقاليد أقل ما يقال عنها أنها كابحة لحرية الفرد الأوربي الذي دأب على الحرية التي قد تكون مطلقة إذا ما قورنت بالحريات الممنوحة للشعوب العربية خاصة البدوية منها.. ولكن حياة الأرواح قد تحدث الفارق، بل تحدث في أحايين كثيرة نوعا من المعجزات.. “

وحادثة تكريم الملكة لرعيتها تعود إلى سنة 1984، حيث قامت الملكة إليزابيت الثانية بزيارة إلى الأردن وهي الملكة الانجليزية الأولى التي تزور هذا البلد…

وقد سردت الكاتبة قصتها مع زيارة الملكة لرعيتها وتداعيات هذه الزيارة وما قالته الصحف عنها في روايتها، من الصفحة 348 إلى الصفحة 358 ،

عندما أخبروها بزيارة الملكة للبتراء، لمقابلة رعيتها الوحيدة في المنطقة، استذكرت إحدى الزيارات التي قامت بها الملكة إلى نيوزيلاندا قائلة: “تذكرت عام 1963 عندما رسا اليخت الملكي “بريطانيا” عند البحر قريبا من بولدير بانك.. نزلنا إلى رصيف الميناء كما فعل جميع أهالي الحي، ولوحنا بأيدينا وهتفنا راجين أن نلمح الملكة أو على الأقل يدها ذات القفاز عندما اقتربت من الشاطئ.. وكانت لدي فرصة الآن، ومن أكون أنا لأمنع عنها زيارة رعيتها الوحيدة في المنطقة؟ بالطبع سأقابل جلالة الملكة .”

وبدأت الزيارة وانتهت ولكن كيف كرمت الصحافة البريطانية الرعية النيوزيلندية المقصودة بتلك الزيارة؟

تقول الكاتبة: “كُتب عني مقال في مجلة المرأة النيوزلندية الأسبوعية، كانت القصة لا بأس بها، ولكن المراسل لم يذكر أن اسمي فاطمة (أم سلوي، وأم رامي ).. وشعرت أن ما كتب، كتب عن شخص آخر ولا سيما عندما بعثت لي صديقتي مقالا نشر في جريدة تصدر في جنوب إفريقيا وعنوانه: “النيوزيلندية ورجل الكهف”

وتردف قائلة: “ظهرنا في جميع محطات العالم بنشرة الأخبار.. ولكن أمي بكت عندما ختم المذيع الخبر قائلا: “وافترقوا، رئيسة دول الكومنولث إلى القصر، ورعيتها إلى الكهف”

عندما تنقلب الأمور رأسا على عقب:

إذا تدبرنا القصة جيدا هل سنجد أن الرعية النيوزيلندية هي المكرَّمة، والتي قامت بتكريمها هي ملكة الكومنولث، أم سنجد العكس؟

حتما سنجد أن الرعية هي التي قامت بتكريم ملكتها بأن منحتها المزيد من السمعة والجاه، وسجلت لها الكثير من نقاط الاعتراف باهتمام الرئيس بمرؤوسيه، وما يميز الأمر هنا هو زيارة لرعية وحيدة في المنطقة، ومع إدراكنا الكلي أن نفقات هذه الزيارة ستكون على عاتق الدولة المستضيفة، ولا تكلف حزينة الملكة شيئا..

لم تستفد الرعية النيوزيلندية من هذا التكريم شيئا غير رؤيتها الملكة ومصافحتها إياها، وهذا تكريم احتفائي، يضاف إلى ما تناولته وأبناءها في الخيمة الكبيرة المقامة في البتراء لتغطية أحداث الزيارة..

لم تذكر لنا الكاتبة أي تكريم مادي حصلت عليه من الملكة، كأن تخرجها من حياة العوز والفقر والحرمان الذي تقاسيه في كهف من كهوف البتراء مع عائلتها، بأن تكرمها بسكن لائق يكفيها شر ما يجابهه المرء في هذه البيئة الصحراوية القاسية، أو مبلغ مالي معتبر يعيد لها حياتها التي تركتها في موطنها الأصلي، وذلك بإقامة مشروع اقتصادي تديره مع زوجها، ليسعدهما ويسعد أبناءهما وأحفادهما من بعد.. لم يحدث من هذا شيء. لذلك فالتكريم السياسي لا يكون دائما إلا بمقابل مضاعف.. أو مقابل يصعب تصوره.

وفي الأخير كرمت الصحافة البريطانية الصادرة في دول الكومنولث الملكة، ونقلت زيارتها، لتضيف وساما شرفيا إلى أوسمتها الكثيرة عندما تواضعت وزارت رعيتها الوحيدة في المنطقة، وكرمت هذه الصحافة نفسها الرعية تكريما خاصا على طريقة نظرة السادة إلى العبيد، والقوي إلى الأضعف وكأنها تقول لها: أنت أقل مرتبة، وأقل شأنا، ولا تستحقين هذا التكريم من الملكة، لأنك مجرد حشرة في كهف.. ولأنك قبلت الحياة مع هذا البدوي البسيط داخل هذه الكهوف المظلمة..

لذلك فالكثير من التكريمات تكون أقرب للاستغلالية، وتحقق أهدافا خفية، منها إلى الاعتراف بالشخص، وما قام به من عمل إبداعي يستحق التكريم.. أو تكون تكريمات مقلوبة، صاحب التكريم هو من يدفع ليكون مكرِّما، والذي كرَّمه يصبح مكرَّما ويفوز بالجائزة، بالنظر إلى الفائدة التي يجنيها كل طرف من هذا التكريم المركب والمعقد والمقلوب… على حد قول الشاعر:

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف و أنت رب المنزل

ولكن بإضافة ملاحظة بسيطة هي: أن صاحب البيت هو أشعب أو جحا …..

والموقف يلخصه المثل الشعبي الجزائري: “عشانا على من جانا” ويعني بالفصحى: ” عشاؤنا على حساب الذي جاءنا، “والذي جاءنا هو الضيف طبعا”

ما يجب أن يكون:

الجائزة هي تكريم، يعترف به المجتمع للمبدع على ما تميز وأبدع فيه، والمبدعون في أية دولة هم قلة قليلة تعد على الأصابع، استطاعت أن تحتل قمما سامقة في محيط شعوبها، وكتبتها بأسمائها، ولكنها لم تنقل هذه القمم، إلى حيز آخر، أوسط غريب غير وسط شعبها وأمتها ومجتمعها، لأنها ستبقى تشرف بلدها كلما ذكرت هذه القمم الموسومة بإنجازاتها وإبداعاتها وتدافع بها عن أبناء جلدتها في كل المحافل، والأزمنة والأمكنة والعصور، لذلك فالوصول إلى الذرى الإبداعية يبقى دوما حالات نادرة، وشحيحة جدا، والمبدعون سيضلون دوما أشعة نورانية إن لم نعهدهم بالرعاية والحماية، سيذبل أثرهم، ويهزل تأثيرهم، وسيهرول المجتمع مرغما إلى الوسط المتشابه الذي لا خير فيه غير التساوي في التفكير النمطي المعروف والمتوارث الذي لا جديد فيه ولا تميز، وسيتكوم كل الناس على أنفسهم متجاورين في المستوى الأول أو الثاني من مستويات الحياة، لا يرتقون إلى غيرها، ومن ارتقى منهم مرة إلى مستويات عليا ليحررهم، عاد ثانية إلى المستويات الدنيا بسبب قلة الدعم، والمساندة، خائرا فاتر العزيمة، ليقبع في القاع بعد أن قَصَّ غول الإهمال جناحي العزيمة والقدرة والتفاؤل من ذاته المتطلعة إلى القمم، والطامحة أن تذلل عقباتها لتسير بمجتمعها إلى الأعالي لتتربع على هذه الذرى..

والذي نتمناه أن يتحقق وما هو بالمستحيل إذا وجد من يزكيه ويدعمه، ويستثمر به الطاقات الجبارة التي تتأجج بها دواخل الأمة، فكرا وإبداعا، وعلما، وفنا وأدبا وفلسفة..

لماذا لا تخصص الدولة جائزة وطنية لتكريم المبدعين في كل المجالات؟ وتكون على شكل جائزة نوبل مصغرة، وتُخصص لكل مجال من مجالات الإبداع لجانا تشرف على اختيار البحوث والإبداعات التي تتسابق على هذه الجوائز، و تستعين كذلك بتأسيس مواقع جادة، وموضوعية لسبر الآراء، خاصة بالمختصين في المجالات المختلفة، ومواقع أخرى بسبر الآراء لكل أطياف المجتمع، والأعمال المتوجة بهذه الجوائز تشارك بها الدولة في المسابقات الدولية، أو تدعم أصحابها للترشح لها، وفي كلتا الحالتين سيكون النفع مضاعفا يعود على المبدع ودولته بالخير العميم على حد السواء….

أوردت جريدة الشروق في عددها الصادر في 6 / 3/ 2013 عنوانا بارزا عن جوائز ألحان وشباب: سيارة رونجروفر بمليار و300 مليون للفائز بلقب ألحان وشباب 4

وواصل صاحب المقال: المعروف أن طبعة ألحان وشباب الأولى والثانية كانت تكلفتهما 30 مليار سنتيم للطبعة الواحدة، عام 2007، 2008، بينما انخفضت طبعة 2010 إلى 12 مليار، لتقفز الآن إلى 18 مليار، يتضح أن الطبعات الأربع كلفت 90 مليار سنتيم،

وأوردت جريدة النهار الصادرة في: 03 أوت 2013 عن مسابقة تاج القرآن الكريم :

للإشارة تبلغ الجائزة الأولى للمسابقة مليونين وخمسمائة ألف دينار جزائري إضافة إلى عمرتين، وجهز أيباد… أما الجائزة الثانية فتلغ مليون وخمسمائة ألف دينار جزائري، وعمرتين وجهاز آيباد، أما الجائزة الثالثة فتبلغ خمسمائة ألف دينار جزائري إضافة إلى عمرتين وجهاز آيباد… إضافة إلى 18 جائزة تشجيعية..

الملاحظة الأولى التي يمكن أن تعلن عن نفسها بقوة عند قراءة الخبرين اللذين صدرا في الجريدتين في السنة نفسها: الفرق الشاسع، والواسع ،والبيّن بين التكريمين، والمبالغ المالية والخيالية التي كانت تصرف على برنامج أـلحان وشباب المستوحاة فكرته من برامج أجنبية، وعربية، وبذل أموال الشعب بدون حساب ولا رقيب، خاصة في تكوين هؤلاء الطلبة في المدرسة كما كانت تسمى، ولمدة ليست بالقصيرة .

الملاحظة الثانية: 

ما دام أن الدولة الجزائرية فكرت في هذين البرنامجين الضخمين، وخصصت لهما مبالغ مالية معتبرة، وفي النهاية ضمنت نجاحهما على جميع الأصعدة، فلماذا لم توسع هذه التجربة لتشمل جميع مناحي البحث والإبداع ولا تكون رهينة النقيضين، إما أن تسمع القرآن أو تسمع الغناء، أم أن المنضمون أرادوا التغطية عن برنامج بإنشاء برنامج معاكس، أم أنهم أرادوا إفساد برنامج وتقزيمه بإحداث برنامج مضاد….

أقول: مع نجاح التجربتين لماذا لا يكون هناك تنافس في مجال العلم والمعرفة والفن والأدب والإبداع؟

لماذا لا تكون جائزة لأحسن بحث، أو اختراع طبي، وأحسن بحث أو اختراع في الفيزياء أو الكيمياء، وأحسن بحث في الاقتصاد، وأحسن عمل سينيمائي، وآخر مسرحي، وأحسن عمل روائي، وآخر شعري، وأحسن عمل فني ،وأحسن بحث تربوي…

وإذا استطاعت الدولة، حتى مع إشراك الخواص على تخصيص مبالغ مالية معتبرة لهذه الجوائز ستضمن تفجير طاقات عظيمة جدا تفيد الكل، وتحدث ثورة ثقافية وعلمية حقيقية يحتاجها الوطن، ويرنو إليها المواطن، وتتطلع إليها الأمة بشغف اليوم وغدا وبعد غد وإلى الأبد …

فمتى نحقق لهذه الأمة أمنيتها المشروعة …..؟؟؟!!!