أ. وليد بوعديلة
أصدر البروفسور الجزائري علي خفيف كتابا جديدا، وسمه ب “الثقافة والمزاج العام “،عن دار خيال للنشر والترجمة، بالجزائر، أكتوبر2025. وهو كتاب هام في حقل القراءة الانتروبولوجية والثقافية للتحولات والتغيرات في المجتمع الجزائري والعربي المعاصر.
يتضمن الكتاب مقالات هامة، يكاشف فيها الدكتور خفيف الكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية، وهو يفضح الممارسات السلبية في مجالات عديدة، في محاولة للإشتغال الفكري على أهمية بناء الإنسان البناء السليم، ويستفيد الكاتب من ذاكرته الشخصية ومن الموروث الشعبي (الامثال الشعبية، الروايات الشعبية…)، كما يجد قارئ المقالات اسلوبا يمزج بين السخرية و الخطاب العقلاني…
من يقرأ الكتاب سييلاحظ تنوعا في طريقة التعبير و التفكير، لأن الدكتور خفيف اعتمد فيه المزج بين البساطة و الرمزية، فنجد مثلا مقالات عن المرأة والتصورات الاجتماعية حولها في مجتمع عربي متخلف، ونجد كتابات عن الانتصار الوهمي على الهزائم اليومية الجزائرية والعربية، إلى جانب النقاش حول العصبية والقبلية في مجتمعاتنا.
ويقول الباحث والاعلامي علي خفيف موقفه الثقافي والسياسي عبر السرد الواقعي، ويوظف الشعر العربي في محطاته المختلفة، ليصل إلى جوهر الفكرة وعمقها، ويفضح النخبة الجزائرية والعربية التي ابتعدت عن يوميات الناس، كما يفضح القراءات الضيقة والقاصرة للنصوص الدينية. ويدعو في مقالاته إلى قراءة عقلانية وعلمية للتاريخ والنص الديني، كما يتأمل بوعي عميق مختلف الخطابات الأيديولوجية في المجتمع، ويكشف صراعاتها، يقول:”يبقى أن نشير إلى أن الاختلاف ليس خطرا على أحد، ولكن الخطر العظيم يكمن في التعصب وثقافة التخوين والاقصاء والمبالغة في التشهير، ورفض الحوار، والدعوة إلى الفتنة والفرقة المؤدية إلى الاستقطاب المرضي.”
لا يتردد الكاتب علي خفيف في البحث في ظاهرة السطحية في المجتمع العربي، مع غياب التفكير لدى الأفراد،، كما يقترب من الصراعات السياسية ويفضحها، ويكتب سلسلة مقالات عن المشهد الانتخابي والسياسي الجزائري (وفيه ملامح شبه من المشهد في بعض الدول العربية)، وهنا، سيتأكد القارئ من حضور ثقافة سياسية كبيرة ومعرفة بالاتجاهات و التاريخ السياسي عند صاحب الكتاب، وهو الذي يريد من كل الأسر السياسية والفكرية ببلده الجزائر ان تتعاون لخدمة الأمة، يقول في مقاله “أمنيات على هامش الخريطة الانتخابية” داعيا إلى تفاعل وحوار ابناء الوطن بمختلف مكوناتهم الفكرية: “تجتمع لدينا قيم الكرامة والحرية والتضحية المستمدة من ثورتنا العظيمة، وقيم الأخلاق والعمل والإيثار والنزاهة المستمدة من ديننا الحنيف، وقيم حقوق الانسان والديمقراطية والانفتاح والتعدد اللغوي والفكري المستمدة من الحداثة.”

ويقرأ الدكتور والناقد الثقافي علي خفيف راهن الأمة بالعودة إلى محطات التاريخ المختلفة، ويتأمل الراهن، محاورا له ومحللا، منطلقا من حدث تاريخي ما، مثل مقاله “التأهيل الاخلاقي”، الذي عاد فيه الى زمن السلطان محمد الفاتح، وفي كتاباته نقرأ الحسرة على غياب وضياع الكثير من القيم والتقاليد بالمجتمع العربي المعاصر، وقد تناول من خلال ذاكرته الشخصية مشاهد التعليم القرآني وطرقه، وقارب الطقوس الشعبية في الاحتفال بالأرض، كما تناول تحول المجتمع من الريف إلى المدن…
في الختام…
إن كتاب علي خفيف هذا هو كتاب ينقل لنا هوية صاحبه، وارتباطه بوطنه، وبتاريخه وذاكرته، وهو كتاب يندرج ضمن حلقة إستراتيجية من حلقات المقاومة الثقافية والأمن الثقافي.
والدكتور علي خفيف أستاذ جامعي بقسم الأدب العربي، كلية الآداب واللغات جامعة عنابة، وله إصدارات اخرى، ونشر عديد المقالات والدراسات في مجلات أكاديمية وثقافية، وهو اعلامي جزائري، وناشط ثقافي بمدينة عنابة وغيرها من مدن الجزائر. وتقلد مسؤوليات علمية عديدة بالجامعة.





